ذكر فوائد الصلاة، وآثارها، وثمارها، ومنافعها
رتب الله -﷿- على حفظ الصلاة وإقامتها كما شرع، فوائدَ عظيمةً، وآثارًا جليلةً، وثمارًا كبيرةً، ومنافع كثيرة معلومة، من أهمها ما يأتي:
أولًا: أنه بإقامتها بعد الشهادتين يدخل المرء في الإسلام، وتثبُت الأخوة بينه وبين المسلمين، ويُعصم دمه، وماله، وعِرضه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال -ﷺ-: «أُمرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاةَ، ويؤتوا الزكاةَ، فإذا فعلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم،
_________________
(١) في كتابه: «صلاة الجماعة حكمها وأحكامها» ص ٩، ١٠، ١٧.
[ ٥٤ ]
وأموالَهم، وأعراضَهم، وحسابُهم على الله -﷿-» (^١).
ثانيًا: أنها السبب الأول للتوفيق والسعادة، والفلاح والنجاح في الدين والدنيا والآخرة، وهي سُلَّم الوصول إلى معالي الأمور، وسفينة النجاة، وبوابة الخير، ومفتاح التيسير.
ثالثًا: أنها من أعظم أسباب العون على أمور الدين والدنيا والآخرة، واستقامة الأحوال، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، «وكان النبي -ﷺ- إذا حَزَبَهُ أمرٌ صلَّى» (^٢).
ولما أخبر ابن عباس -﵄- وهو في سفرٍ بموت أخيه «قُثَم» استرجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (^٣).
رابعًا: أن حفظها وإقامتها من أعظم أسباب التوفيق لحفظ ما سواها من أمور الدين، وتقوى الله، والهداية لكل خير، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٣١٩)، وأحمد ٥/ ٣٨٨ (٢٣٢٩٩) من حديث حذيفة -﵁-. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١١٩٢).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٢٩٤ (٣٩٨)، والطبري في «جامع البيان» (١/ ٦٢٠)، وابن عساكر في «تعزية المسلم عن أخيه» (١٣). قال الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٧٢): «أخرجه الطبري في «تفسيره» بإسناد حسن».
[ ٥٥ ]
فمَن حفِظها، وأقامها كما شرع الله، وُفِّق لحفظ ما سواها من الأعمال الصالحة، ومَن ضيعها، فهو لما سواها أضيع، كما جاء عن أبي بكر وعمر -﵄- (^١).
خامسًا: أن في حفظها وإقامتها الحفظَ من جميع الشرور والمعاصي؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، واتباع الشهوات، وارتكاب المُوبِقات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
فتضييعهم الصلواتِ أدى بهم إلى اتباع الشهوات، وارتكابِ المعاصي والسيئات.
سادسًا: أنها السبب الأول والأعظم للراحة والطمأنينة والسعادة، وانشراح الصدر، والسياج المعنوي الروحي أمام تقلبات الحياة، ونوازع النفس، تمنح العبد بإذن الله تعالى الثباتَ والتوازن، في السراء والضراء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ١٩ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، والصلاة أعظم ذِكر الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والصلاة أعظم شعائر الإسلام.
وقد قال -ﷺ-: «وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاةِ» (^٢)، وكان -ﷺ- يقول لبلال: «أرِحْنا
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه النسائي في عشرة النساء (٣٩٣٩، ٣٩٤٠)، وأحمد ٣/ ١٢٨ (١٢٢٩٣)، والحاكم (٢/ ١٦٠) من حديث أنس -﵁-. قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣١٢٤).
[ ٥٦ ]
بالصلاة» (^١).
ولهذا فإن ما يصيب كثيرًا من الناس من الاضطراب والتذبذب، وفقدان التوازن في الحياة؛ سببُه الأعظمُ عدمُ المحافظة على الصلاة، وعدم إقامتها كما شرع الله -﷿-.
بل ما أصاب الأمةَ كلها من الضعف والهوان، وتسلطِ الأعداء، وتفرق الكلمة، أعظمُ أسبابِه وأهمُّها ضعفُ أمر الصلاة عند كثيرٍ من المسلمين، وعدم إقامتها كما شرع الله -﷿-!
سابعًا: أنها سبب الرزق، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].
ثامنًا: أنها سبب للتمكين في الأرض والنصر والقوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠، ٤١].
تاسعًا: أن في حفظ الصلاة وإقامتها كما شرع الله تعالى التجارة الرابحة مع الله -﷿-، والثواب العظيم، والزيادة من فضله -﷿- في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٣٨].
عاشرًا: أن المحافظة عليها، والخشوع فيها، سبب للفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، والفوز بالفردوس الأعلى من الجنة، والخلود فيها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب (٤٩٨٦)، وأحمد ٥/ ٣٧١ (٢٣١٥٤) عن عبد الله بن محمد ابن الحنفية، عن صهر لهم من الأنصار، وأخرجه أبو داود في الموضع السابق (٤٩٨٥)، وأحمد ٥/ ٣٦٤ (٢٣٠٨٨) عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من أسلم. وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٢٥٣)، و«صحيح الجامع» (٧٨٩٢).
[ ٥٧ ]
الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [المعارج ١٩ - ٣٥].
فذكر -﷿- في هاتين السورتين عددًا من صفات المؤمنين المصلين، بدأها بامتداحهم بخشوعهم في صلاتهم، وديمومتهم عليها، وختمها بامتداحهم بالمحافظة عليها، ووعدهم على ذلك بالفلاح، والفوز بالفردوس الأعلى من الجنة، والكرامة في الجنات.
حادي عشر: أن في إقامتها تكفيرَ السيئات، ودخول الجنات، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢].
وقال -ﷺ-: «الصلوات الخمس، والجُمُعة إلى الجمعة، كفَّاراتٌ لما بينهنَّ، ما لم تُغْشَ الكبائر» (^١).
وقال -ﷺ-: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من دَرَنِه شيءٌ؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ، يمحو الله بهنَّ الخطايا» (^٢).
وقال -ﷺ-: «مثلُ الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ جارٍ غَمْرٍ على باب أحدكم، يغتسل منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الطهارة (٢٣٣)، والترمذي في الصلاة (٢١٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (١٠٨٦)، وأحمد ٢/ ٣٥٩ (٨٧١٥) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (٥٢٨)، ومسلم في المساجد (٦٦٧)، والنسائي في الصلاة (٤٦٢)، والترمذي في الأمثال (٢٨٦٨)، وأحمد ٢/ ٣٧٩ (٨٩٢٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٦٨)، وأحمد ٢/ ٤٢٦ (٩٥٠٥) من حديث جابر -﵁-.
[ ٥٨ ]
ثاني عشر: أنها أول ما يحاسَب عليه العبدُ من أعماله يوم القيامة، وقبولها سبب لقبول سائر الأعمال الصالحة؛ فعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «إن أولَ ما يحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ مِن عَمَلِه صلاتُه، فإن صلَحتْ فقد أفلح وأنجح، وإن فسدتْ فقد خاب وخسِر» (^١).