صفة الصلاة كما صلاها النبي -ﷺ-
نقل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في الأحاديث الصحيحة المتواترة صفة صلاة النبي -ﷺ- من أولها إلى آخرها، من التكبير إلى التسليم، من غير زيادة ولا نقصان، كما نقلوا عنه -ﷺ- و-﵃- سائر سنته من أقواله، وأفعاله، وتقريراته، وجميع أحواله.
وعُنِيَ العلماء -﵏- من السلف ومن بعدهم إلى يومنا هذا بدراسة الأحاديث الواردة في صفة صلاته -ﷺ-، وتناولها- بالجمع والتحقيق، والتلخيص والتدقيق- جَمْعٌ من المحققين في كتبهم، بل أفردها جمعٌ منهم بالتأليف في كتب ورسائل؛ منهم: الإمام أحمد -﵀-، وابن تيميَّةَ، وابن القيم، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وغيرهم -﵏-، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
ومن أخصر هذه الكتب والرسائل، وأوجزها، وأنفعها ما كتبه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، -﵀-، في رسالته: «كيفية صلاة النبي -ﷺ-»، وقد رأيتُ إتمامًا للفائدة ذِكرَ ما جاء فيها، والاكتفاء به.
قال -﵀-: «بسم الله الرحمن الرحيم، «كيفية صلاة النبي -ﷺ-» (^١):
الحمد لله وحدَه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمدٍ وآله وصحبِه، أما بعد:
فهذه كلمات موجزة في بيان صفة صلاة النبي -ﷺ- أردتُ تقديمها إلى كل مسلمٍ ومسلمة؛ ليجتهد كل مَن يطلع عليها في التأسي به -ﷺ- في ذلك؛ لقوله -ﷺ-: «صلُّوا كما
_________________
(١) اعتمدت في هذا النقل على نسخة طبعة الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ١٤١١ هـ، دار الهدى للنشر والتوزيع، الرياض.
[ ٦١ ]
رأيتُمُوني أُصلِّي»؛ رواه البخاري (^١).
وإلى القارئ بيان ذلك:
١ يُسبِغ الوضوء، وهو أن يتوضأ كما أمره الله؛ عملًا بقوله -﷾-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقول النبي -ﷺ-: «لا تُقبَل صلاةٌ بغير طهورٍ، ولا صدقةٌ من غُلول»؛ رواه مسلم في «صحيحه».
٢ يتوجه المصلي إلى القبلة- وهي الكعبة- أينما كان بجميع بدنه قاصدًا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النطق باللسان غير مشروع، بل هو بدعة؛ لكون النبي -ﷺ- لم ينطق بالنية، ولا أصحابه -﵃- (^٢)، ويُسَن أن يجعل له سُترةً يصلي إليها إن كان إمامًا أو منفردًا؛ لأمر النبي -ﷺ- بذلك.
٣ يكبر تكبيرة الإحرام قائلًا: «الله أكبر»، ناظرًا ببصره إلى محل سجوده (^٣).
٤ يرفع يديه عند التكبيرة إلى حَذو مَنكِبيه، أو إلى حِيال أُذنيه (^٤).
٥ يضع يديه على صدره؛ اليمنى على كفه اليسرى والرُّسْغ والساعد؛ لورود ذلك من حديث وائلِ بن حُجْرٍ، وقَبيصة بن هُلْب الطائي عن أبيه -﵄- (^٥).
٦ يُسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح وهو: «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرقِ والمغربِ، اللهم نَقِّني من خطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٦٣١)، والدارمي ١/ ٣١٨ (١٢٥٣) من حديث مالك بن الحويرث -﵁-.
(٢) انظر: «زاد المعاد» ١/ ٢٠١
(٣) انظر: «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ص ٣١، قال ابن القيم في: «زاد المعاد» ١/ ٢٦٥: «وكان -ﷺ- إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه».
(٤) ممدودة الأصابع، مستقبلًا بها القبلة. انظر: «زاد المعاد» ١/ ٢٠٢.
(٥) ولم يرد في الأحاديث، ولا في الآثار عن السلف -﵃- ذِكر حال القدمينِ أثناء القيام قبل الركوع ولا بعده، ولا حال الركوع، وهل يُفرج بينهما أو يضمهما، وحيث لم يرد في ذلك شيء، فينبغي أن يقف المصلي معتادًا، فلا يضم قدميه، ولا يفرج بينهما، كما يفعل بعض الناس. والدليل على هذا عدم الدليل.
[ ٦٢ ]
الدَّنَسِ، اللهم اغسِلني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد»؛ متفَقٌ عليه من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، وإن شاء قال بدلًا من ذلك: «سبحانك اللهم وبحمدِك، وتبارك اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إلهَ غيرُك»؛ لثبوت ذلك عن النبي -ﷺ-، وإن أتى بغيرهما من الاستفتاحات الثابتة عن النبي -ﷺ- فلا بأس، والأفضل أن يفعل هذا تارَةً وهذا تارَةً؛ لأن ذلك أكملُ في الاتباع، ثم يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويقرأ سورة الفاتحة؛ لقوله -ﷺ-: «لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحة الكتاب»، ويقول بعدها: «آمين» جهرًا في الصلاة الجهرية، وسرًّا في السرية، ثم يقرأ ما تيسرَ من القرآن، والأفضل أن تكون القراءة في الظهر والعصر والعشاء من أوساط المفصَّلِ، وفي الفجر من طِوالِه، وفي المغرب من قِصارِه، وفي بعض الأحيان من طِواله أو أوساطه- أعني في المغرب- كما ثبَت عن النبي -ﷺ-، ويُشرَعُ أن تكون العصر أخفَّ من الظهر.
٧ يركع مكبرًا رافعًا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، جاعلًا رأسه حِيال ظهره، واضعًا يديه على ركبتيه، مفرِّقًا أصابعه (^١)، ويطمئن في ركوعه ويقول: «سبحان ربي العظيم»، والأفضل أن يكررها ثلاثًا أو أكثر، ويُستحب أن يقول مع ذلك: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمْدِكَ، اللهمَّ اغفِرْ لي».
٨ يرفع رأسه من الركوع، رافعًا يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه، قائلًا: «سمِع اللهُ لمَن حمِدَه»، إن كان إمامًا أو منفردًا يقول بعد رفعه: «ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مِلءَ السماواتِ وملءَ الأرضِ، وملءَ ما بينهما، وملءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعدُ»، وإن زاد بعد ذلك: «أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِما مَنعتَ، ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منك الجدُّ» فهو حسن؛ لأن
_________________
(١) قال ابن القيم: «وكان -ﷺ- إذا فرغ من القراءة سكت بقدر ما يترادُّ إليه نفسه، ثم رفع يديه- كما تقدم- وكبَّر راكعًا، ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه، فنحاهما عن جنبيه، وبسط ظهره ومده، واعتدل ولم ينصِب رأسه، ولم يخفِضه، بل يجعله حيال ظهره معادلًا له. «زاد المعاد» ١/ ٢١٦، وانظر: «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ص ٣٢.
[ ٦٣ ]
ذلك قد ثبَت عن النبي -ﷺ- في بعض الأحاديث الصحيحة، أما إن كان مأمومًا فإنه يقول عند الرفع: «ربَّنا ولك الحمد» إلى آخِرِ ما تقدم، ويُستحب أن يضع كل منهم يديه على صدره، كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي -ﷺ- من حديث وائل بن حُجر وسهل بن سعد -﵄-.
٩ يسجد مكبرًا واضعًا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك (^١)، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلًا بأصابع رجليه ويديه القبلة، ضامًّا أصابع يديه، ويكون على أعضائه السبع: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين، ويقول: «سبحان ربيَ الأعلى»، ويكرر ذلك ثلاثًا أو أكثر، ويُستحب أن يقول مع ذلك: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، ويكثِر من الدعاء؛ لقول النبي -ﷺ-: «أما الركوع فعظِّمُوا فيه الربَّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم» (^٢)، وقولِه -ﷺ-: «أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاءَ»؛ رواهما مسلم في «صحيحه» (^٣)، ويسأل ربَّه له ولغيره من المسلمين من خير الدنيا والآخرة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا، ويجافي عَضُدَيه عن جنبيه وبطنه عن فَخِذيه، وفَخِذَيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لقول النبي -ﷺ-: «اعتدِلوا في السجود، ولا يَبسُطْ أحدكم ذراعيه انبساطَ الكلبِ»؛ متفق عليه (^٤).
_________________
(١) قال ابن القيم -﵀-: «وكان -ﷺ- يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه، هذا هو الصحيح». ثم ذكر الأحاديث، والخلاف في ذلك. انظر: «زاد المعاد» ١/ ٢٢٣ - ٢٣٢. وانظر: «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ص ٣٠، وهكذا اختار فضيلة الشيخ محمد بن صالح العيثمين -﵀- في رسالته في صفة صلاة النبي -ﷺ- أنه يضع ركبتيه قبل يديه، وقد اختار فضيلة الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني -﵀- في رسالته في «صفة صلاة النبي -ﷺ-» أنه يضع يديه قبل ركبتيه. فقرة (٨٨).
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٧٩)، وأبو داود في الصلاة (٨٧٦)، والنسائي في التطبيق (١٠٤٥)، وأحمد ١/ ٢١٩ (١٩٠٠)، والدارمي ١/ ٣٤٩ (١٣٢٦) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٨٢)، وأبو داود في الصلاة (٨٧٥)، والنسائي في التطبيق (١١٣٧)، وأحمد ٢/ ٢٤١ (٩٤٦١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٤) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (٨٩٨)، وأحمد ١/ ٣١٥ (٢٨٩٥) من حديث ابن عباس -﵄-. قال الألباني في «صفة صلاة النبي» ص (١٥٣): «أخرجه ابن ماجه بسند جيد». قال ابن القيم: «وكان إذا سجد مكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يُرى بياض إِبْطيه. وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه. وكان يعتدل في سجوده، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلةَ. وكان يبسط كفيه وأصابعه، ولا يُفرج بينها، ولا يقبِضها». «زاد المعاد» ١/ ٢٣٢. وانظر: «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ص ٣١.
[ ٦٤ ]
١٠ يرفع رأسه مكبرًا، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصِب رجله اليمنى ويضع يديه على فخِذيه وركبتيه (^١)، ويقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، اللهم اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واهدني واجبُرني» (^٢)، ويطمئن في هذا الجلوس حتى يرجع كل فَقَار إلى مكانه، كاعتداله بعد الركوع؛ لأن النبي -ﷺ- كان يطيل اعتداله بعد الركوع، وبين السجدتين.
١١ يسجد السجدة الثانية مكبرًا، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى.
١٢ يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس جلسة خفيفة مثل جلوسه بين السجدتين، وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة في أصح قولي العلماء، وإن تركها فلا حرج، وليس فيها ذكر ولا دعاء (^٣)، ثم ينهض قائمًا إلى الركعة الثانية معتمدًا على ركبتيه (^٤) إن تيسر ذلك، وإن شق عليه اعتمد على الأرض بيديه، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن
_________________
(١) قال ابن القيم: «ثم كان -ﷺ- يرفع رأسه مكبرًا، غير رافع يديه، ويرفع من السجود رأسه قبل يديه، ثم يجلس مفترشًا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصِب اليمنى، وكان يضع يديه على فخِذيه، ويجعل مِرفَقه على فخِذه، وطرف يده على ركبته، ويقبض ثِنتينِ من أصابعه، ويحلِّق حلْقة، ثم يرفع أصبعه يدعو بها ويحركها». «زاد المعاد» ١/ ٢٣٨. وبنحوٍ من هذا قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في رسالته في صفة صلاة النبي -ﷺ-.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٨٢٢)، ومسلم في الصلاة (٤٩٣)، والنسائي في التطبيق (١١١٠) من حديث أنس -﵁-.
(٣) اختلف العلماء في جلسة الاستراحة؛ فمنهم من يرى أنها مستحبة، ومنهم من يرى أنها تُفعل عند الحاجة، وغير ذلك. انظر: «زاد المعاد» ١/ ٢٤٠ - ٢٤٢.
(٤) قال العثيمين: «ثم ينهض للركعة الثانية معتمدًا على ركبتيه بدون جلوس»؛ أي: بدون جلسة استراحة. وقال الألباني: «ثم ينهض معتمدًا على الأرض بيديه المقبوضتين، كما يقبضهما العاجن إلى الركعة الثانية» فِقرة (١٢٥).
[ ٦٥ ]
بعد الفاتحة، كما سبق في الركعة الأولى، ثم يفعل كما فعل في الركعة الأولى.
ولا يجوز للمأموم مسابقة إمامه؛ لأن النبي -ﷺ- حذر أمته من ذلك، وتُكره موافقته للإمام، والسنة له أن تكون أفعاله بعد إمامه من دون تراخٍ، وبعد انقطاع صوته؛ لقول النبي -ﷺ-: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا» الحديث متفق عليه (^١).
١٣ إذا كانت الصلاة ثنائيةً، أي: ركعتين؛ كصلاة الفجر، والجمعة، والعيد، جلس بعد رفعه من السجدة الثانية ناصبًا رجله اليمنى، مفترشًا رجله اليسرى، واضعًا يده اليمنى على فخِذه اليمنى، قابضًا أصابعه كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد عند ذكر الله سبحانه، وعند الدعاء، وإن قبض الخنصر والبنصر من يده اليمنى وحلق إبهامها مع الوسطى وأشار بالسبابة فحسن؛ لثبوت الصفتين عن النبي -ﷺ-. والأفضل أن يفعل هذا تارَةً وهذا تارة» (^٢)، ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وركبته، ثم يقرأ التشهد في هذا الجلوس، وهو: «التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليك أيها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه»، ثم يقول: «اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٧٢٢)، ومسلم في الصلاة (٤١٧)، وأبو داود في الصلاة (٦٠٣)، والنسائي في الافتتاح (٩٢١)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (٨٤٦، ١٢٣٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) قال ابن القيم: «فإذا جلس للتشهد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السبابة، وكان لا ينصبها نصبًا، ولا ينيمها، بل يحنيها شيئًا، ويحركها شيئًا … وكان يقبض أصبعين وهما الخنصر والبنصر، ويحلِّق حلْقة، وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع السبابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكف اليسرى على الفخِذ اليسرى ويتحامل عليها … وكان -ﷺ- يخفف هذا التشهد جدًّا». وقال أيضًا: «وكان يبسط ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، وأما اليسرى فممدودة الأصابع على الفخذ اليسرى، وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه في ركوعه، وفي سجوده، وفي تشهده، ويستقبل أيضًا بأصابع رجليه القبلة في سجوده». «زاد المعاد» ١/ ٢٤٢، ٢٤٥، ٢٥٥ - ٢٥٦، ٢٦٥. وانظر: «رسالة الصلاة» للإمام أحمد (ص ٣٠ الفقرة ٣٣) وما بعدها.
[ ٦٦ ]
كما صليتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيمَ وآلِ إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ»، ويستعيذُ باللهِ من أربعٍ، فيقول: «اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ جَهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن فتنةِ المَسيحِ الدجال»، ثم يدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس-سواء كانت الصلاة فريضةً أو نافلةً- لعموم قول النبي -ﷺ- في حديث ابن مسعود لمَّا علمه التشهدَ: «ثم لْيَتَخَيَّرْ من الدعاء أعجَبَهُ إليه فيدعو» (^١)، وفي لفظٍ آخر: «ثم لْيَخْتَرْ من المسألةِ ما شاء» (^٢)، وهذا يعم جميع ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، ثم يسلم على يمينه وشماله، قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله».
١٤ إن كانت الصلاة ثلاثية؛ كالمغرب، أو رباعية؛ كالظهر والعصر والعشاء، قرأ التشهد المذكور آنفًا، مع الصلاة على النبي -ﷺ-، ثم نهض قائمًا معتمدًا على ركبتيه، رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، قائلًا: «الله أكبر» (^٣)، ويضعهما- أي يديه- على صدره كما تقدم، ويقرأ الفاتحة فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة عن الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لثبوت ما يدل على ذلك عن النبي -ﷺ- من حديث أبي سعيدٍ -﵁- (^٤)، ثم يتشهد بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر والعشاء، ويصلي على النبي -ﷺ-، ويتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ويكثِر من الدعاء. ومن الدعاء المشروع في
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٧٣٥)، والنسائي في السهو (١٢٩٨).
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٠٢).
(٣) انظر: «زاد المعاد» ١/ ٢٤٥. قال الألباني: «ولكنه قبل أن ينهض- يعني للركعة الرابعة- يستوي قاعدًا على رجليه معتدلًا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يقوم معتمدًا على يديه، كما فعل في قيامه للركعة الثانية» فقرة (١٥٣).
(٤) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٥٢)، والنسائي في الصلاة (٤٧٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة فيها (٨٢٨). قال ابن القيم: «فهديه الراتب -ﷺ- إطالة الركعتين الأوليين من الرباعية على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية». «زاد المعاد» ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ٦٧ ]
هذا الموضع وغيره: «ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار»؛ لما ثَبَتَ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان أكثر دعاء النبي -ﷺ-: «ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النار» (^١)، كما تقدم ذلك في الصلاة الثنائية، لكن يكون في هذا الجلوس متورِّكًا، واضعًا رجلَه اليسرى تحت رجله اليمنى، ومِقعَدَتَه على الأرض، ناصبًا رجله اليمنى؛ لحديث أبي حُميد في ذلك (^٢)، ثم يسلم عن يمينه وشماله، قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله».
ويستغفر الله ثلاثًا، ويقول: «اللهم أنت السلامُ ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرام، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير، اللهم لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِما مَنعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجد، لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، لا إلهَ إلا الله، ولا نعبُدُ إلا إياه، له النعمةُ وله الفضل، وله الثناءُ الحَسَن، لا إلهَ إلا الله مخلصين له الدينَ ولو كرِه الكافرون»، ويسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمده مثل ذلك، ويكبره مثل ذلك، ويقول تمام المئة: «لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قدير»، ويقرأ آية الكرسي، و«قل هو الله أحد»، و«قل أعوذ برب الفلق»، و«قل أعوذ برب الناس» بعد كل صلاة، ويُستحب تكرار هذه السور الثلاث ثلاث مرات بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب؛ لورود الحديث الصحيح بذلك عن النبي -ﷺ-، كما يُستحب أن يزيد بعد الذكر المتقدم بعد صلاة الفجر، وصلاة المغرب، قول: «لا إله إلا الله، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير» عشرَ مراتٍ؛ لثبوت ذلك عن النبي -ﷺ-، وإن كان إمامًا انصرف إلى الناس وقابلهم بوجهه بعد استغفاره ثلاثًا، وبعد قوله:
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير (٤٥٢٢)، وفي الدعوات (٦٣٨٩)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٦٩٠)، وأبو داود في الصلاة (١٥١٩)، وأحمد ٣/ ١٠١ (١١٩٨١) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٨٢٨)، وأبو داود في استفتاح الصلاة (٧٣٠)، والنسائي في السهو (١٢٦٢)، والترمذي في الصلاة (٣٠٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٦١). وانظر: «زاد المعاد» (١/ ٢٥٢).
[ ٦٨ ]
«اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، ثم يأتي بالأذكار المذكورة، كما دل على ذلك أحاديث كثيرة عن النبي -ﷺ-، منها حديث عائشة -﵂- في «صحيح مسلم». وكل هذه الأذكار سنة وليست فريضة.
ويُستحب لكل مسلم ومسلمة أن يصليَ قبل صلاة الظهر أربعَ ركعات، وبعدها ركعتين، وبعد صلاة المغرب ركعتين، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وقبل صلاة الفجر ركعتين، الجميع اثنتا عشْرة ركعة، وهذه الركَعات تسمى الرواتب؛ لأن النبي -ﷺ- كان يحافظ عليها في الحضر، أما في السفر فكان يتركها إلا سنةَ الفجر والوتر، فإنه كان -﵊- يحافظ عليهما حضرًا وسفرًا، ولنا فيه أُسوة حسنة؛ لقول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وقوله -﵊-: «صلُّوا كما رأيتُمُوني أصلي»؛ رواه البخاري (^١).
والأفضل أن تُصلَّى هذه الرواتب والوتر في البيت، فإن صلاها في المسجد فلا بأس؛ لقول النبي -ﷺ-: «أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ»؛ متفَق على صحته، والمحافظةُ على هذه الركعات من أسباب دخول الجنة؛ لما ثبت في «صحيح مسلم»، عن أم حَبيبة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «ما من عبدٍ مسلمٍ يصلى لله كلَّ يومٍ ثِنتي عشْرةَ ركعةً تطوعًا غيرَ فريضة، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة»، وقد فسرها الإمام الترمذي في روايته لهذا الحديث بما ذكرنا، وإن صلى أربع ركعات قبل العصر، واثنتين قبل صلاة المغرب، واثنتين قبل صلاة العشاء، فحسن؛ لقوله -ﷺ-: «رحِم الله امرأً صلى أربعًا قبل العصر»؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن خُزيمة وصححه، وإسناده صحيح، ولقوله -﵊-: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة» ثم قال في الثالثة: «لِمَن شاء»؛ رواه البخاري. والله ولي التوفيق. قاله ممليه الفقير إلى ربه عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سامحه الله، وغفر له، ولوالديه وللمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وأصحابه أجمعين، وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) «كيفية صلاة النبي -ﷺ-» لابن باز -﵀-، وانظر: «صفة الصلاة» للإمام أحمد -﵀-.
[ ٦٩ ]
وأخيرًا:
فإنني أُتوج هذه الوقفات في الصلاة بكيفية صلاة النبي -ﷺ- لسماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -﵀-؛ وذلك لما لسماحته -﵀- من جهود عظيمة مباركة، ومن أعمال جليلة في خدمة الإسلام والمسلمين؛ في التعليم، والدعوة، والنصح، والفتوى، والخير، والبذل.
ولما لسماحته من أثر عظيم في المسلمين في شتى بقاع المعمورة، فقلَّ أن تجد مسلمًا إلا وقد أفاد من علمه، ودعوته، ونصحه، وفتواه، وخيره، وبذله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأعتبر هذا- مع ما أفدته منه، ومن غيره من أهل العلم- من الوفاء لهم، ومن نشر علمهم، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يُعظِمَ لهم الأجر والمثوبة.
لقد تأثرت في حياتي بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- أكثر من غيره، وأحببته في الله -﷿- أكثر من غيره، مما أرجو به أن أكون معه، كما قال -ﷺ-: «المرءُ مع مَن أحب» (^١) مع قلة البضاعة، ولكن كما قال الشافعي -﵀- (^٢):
أُحِبُّ الصالحين ولستُ منهم … لعلي أن أنالَ بهم شفاعَهْ
وذلك لما حباه الله تعالى من النصح لله، ولدينه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، ومن العلم والحكمة، والكرم، والتواضع، وحسن الخُلق، والورع، والزهد، والتبشير، والإحسان والعطف على المساكين، وحب الخير للمسلمين.
ولما حباه الله من ذلك الصوت الندي الشجي، المميز الجميل، الذي يفيض بالعلم والحكمة، والصدق، والنصح، ومحبة الخير للناس، والغيرة على دين الله، الذي يأخذ
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب (٦١٦٨، ٦١٦٩)، ومسلم في البر والصلة (٢٦٤٠)، وأحمد ١/ ٣٩٢ (٣٧١٨) من حديث ابن مسعود -﵁-. وأخرجه أبو داود في النوم (٥١٢٧)، والترمذي في الزهد (٢٣٨٥، ٢٣٨٦)، وأحمد ٣/ ١٠٤ (١٢٠١٣) من حديث أنس -﵁-.
(٢) سبق.
[ ٧٠ ]
بلُب السامع ومشاعره، فلا يملك إلا أن يُنصِت له، ويلهَج له بالدعاء بالمغفرة والرحمة.
﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[ ٧١ ]