المنهجية والطريقة في مواجهة الفتن
سبق ذكر الأسباب في النجاة من الفتن والعصمة منها، قبل وقوعها وبعد وقوعها، وفي هذه الوقفة بيان المنهجية والطريقة في مواجهتها، وكيفية التعامل معها حتى تخمد أو تمر بسلام.
يجب على المسلم عند وقوع الفتنة الحرص على السلامة منها، والخلاص من شرها، ومن أهم الأسباب لذلك ما يلي:
أولًا: التثبت في الأمور كلها، وفي تلقي الأخبار:
والتمحيص والتدقيق فيها، والحذر كل الحذر من نقل الإشاعات، وتلقف الأخبار الكاذبة المضلِّلة، والحرص على عدم نشر أخبار الفتن، ولو صحت، كما قال بعض أهل العلم: «أميتوا الباطلَ بالسكوت عنه».
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
[ ٢٢٧ ]
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤].
وبالتثبت يعرف المسلم حقيقة الأمر، فيَسلَم من الوقوع في الخطأ والإثم، وأذية الآخرين، ومن جر الشرور وجذبها إلى الأمة، وفيها من الجراح والمصائب ما يكفيها.
ثانيًا: الثبات على الحق، والاستعاذة بالله من الفتن، وسؤاله الثبات على الإسلام حتى الممات:
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
فيثبت المؤمن على دينه، ويقف أمام ما يقع من الفتن بقلب مطمئن، قوي الإيمان، راسخ العقيدة، ثابت كثبوت الجبال الراسيات أمام الأعاصير، حتى تذهب الفتنة وتنجلي.
وكثبوت النخلة من بين كثير من الأشجار أمام الرياح الشديدة والعواصف، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
ولهذا شبه -ﷺ- المؤمن بالنخلة في الثبات وكثرة الخير (^١).
وعن شداد بن أوس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا كَنَزَ الناس الدرهم والدينار فاكنِزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألُك الثباتَ في الأمر، والعزيمة على الرشد» (^٢).
فالفتن كالأعاصير والعواصف سرعان ما تنقشع وتنجلي، فيبقى المؤمن المطمئن على
_________________
(١) انظر تفسير هذه الآية في تفسيرنا «عون الرحمن».
(٢) أخرجه النسائي في السهو (١٣٠٤)، والترمذي في الدعوات (٣٤٠٧)، وأحمد ٤/ ١٢٣ (١٧١١٤). وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٢٢٨).
[ ٢٢٨ ]
إيمانه، كما تبقى الجبال راسية في أماكنها، والنخلة ثابتة على أصلها.
ثالثًا: الرفق، والحلم، والتأني، وعدم الاستعجال:
فإذا ظهرت الفتنة وبرزت واستشرفت للناس، فعلى المسلم بالرفق والحلم والتأني، وعدم الاستعجال، في الأقوال والأفعال والأفكار والمواقف، والحكم على الأشياء، وفي اتخاذ القرار، قال -ﷺ-: «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانَه» (^١).
وقال -ﷺ-: «إن الله رَفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (^٢).
وقال -ﷺ- لأشَجِّ عبدِ القيس: «إن فيك لَخَصلتينِ يحبهما الله: الحلم والأَنَاة» (^٣).
وقد جاء في القرآن الكريم التعريض بذم العَجلة والتحذير منها، فقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
فمن خلال الرفق والحلم والتأني وعدم الاستعجال، يمكن للمسلم- بتوفيق الله تعالى- النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، ورؤية الأشياء على حقيقتها، وكما هي.
ويمكنه- بتوفيق الله تعالى- الحكم عليها؛ لأن «الحكم في الشيء فرع عن تصوره»، فيسلم بإذن الله تعالى من الوقوع في الخطأ والإثم، وفيما لا تحقيق فيه، مما لا يغني ولا ينفع، بل قد يضر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
_________________
(١) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٩٤)، وأبو داود في الجهاد (٢٤٧٨)، وأحمد ٦/ ٥٨ (٢٤٣٠٧) من حديث عائشة -﵂-.
(٢) أخرجه البخاري في الاستئذان (٦٢٥٦)، وفي استتابة المرتدين (٦٩٢٧)، ومسلم في البر (٢٥٩٣)، وابن ماجه في الأدب (٣٦٨٩) من حديث عائشة -﵂-. وأخرجه أبو داود في الأدب (٤٨٠٧)، وأحمد ٤/ ٨٧ (١٦٨٠٢) من حديث عبد الله بن مغفل -﵁-. وأخرجه مالك في الاستئذان (٢/ ٩٧٩) من حديث خالد بن معدان -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (٣٦٨٨) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان (١٧)، والترمذي في البر والصلة (٢٠١١) من حديث ابن عباس -﵄-. وأخرجه مسلم في الموضع السابق (١٨) من حديث أبي سعيد -﵁-.
[ ٢٢٩ ]
وقال -ﷺ-: «دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك» (^١).
وقال -﵊-: «من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يَعنيه» (^٢).
وقال الشاعر:
وأحزمُ الناسِ من لو مات من ظَمَأٍ … لا يقرَبُ الوِردَ حتى يَعرِفَ الصَّدَرَا (^٣)
رابعًا: العدل والإنصاف والتجرد من الهوى في الأمر كله، في الأقوال، والأفعال، والأحكام، والآراء.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وذلك لأن عدم العدل والإنصاف، واتباع الهوى لا يعالج الفتنة إذا وقعت، بل يزيد من اتساعها، واشتعالها، وانتشارها.
خامسًا: الاعتصام بالكتاب والسنة، ولزوم الجماعة:
وهم أهل السنة والجماعة، طاعة لولاتهم بالمعروف، واقتداء بأئمتهم وعلمائهم ذوي العلم الراسخ، والعقيدة السليمة، والحذر كل الحذر من الاختلاف والتفرق في الدين فإنه سبب لكل فتنة.
_________________
(١) أخرجه النسائي في الأشربة (٥٧١١)، والترمذي في صفة القيامة (٢٥١٨)، وأحمد ١/ ٢٠٠ (١٧٢٣)، والحاكم (٢/ ١٣، ٤/ ٩٩) من حديث الحسن بن علي -﵁-. قال الترمذي: «حديث صحيح». وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢، ٢٠٧٤).
(٢) أخرجه مالك في حسن الخلق (٢/ ٩٠٣)، والترمذي في الزهد (٢٣١٨) مرسلًا من حديث علي بن الحسين -﵁-. وأخرجه أحمد ١/ ٢٠١ (١٧٣٧) من طريق علي بن الحسين عن أبيه -﵁-. وأخرجه الترمذي أيضًا (٢٣١٧)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٧٦) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة -﵁-. قال الترمذي عن حديث أبي هريرة: «غريب». وقال عن حديث علي بن الحسين: «وهذا أصح عندنا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة». وقد ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٤٠) عن الطبراني في المعاجم الثلاثة، وقال: «رجال أحمد و«الكبير» ثقات». وقال أحمد شاكر في تخريج «المسند» (١٧٣٧): «إسناد صحيح». وانظر: «جامع العلوم والحكم» ص (٧٩ - ٨٤). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).
(٣) البيت لصفي الدين الحلي، انظر: «ديوانه» (ص ٦٩).
[ ٢٣٠ ]
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وفي حديث حذيفة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «تَلزَم جماعة المسلمين وإمامهم» (^١).
وقال -ﷺ-: «عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة» (^٢).
وقال -ﷺ-: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» (^٣)؛ أي: الجماعة رحمة للعباد في الدنيا والآخرة، والفرقة عذاب في الدنيا والآخرة لمن تفرقوا وخالفوا أمر الله تعالى.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود -﵁- لما أتم الصلاة خلف عثمان -﵁-، وكان عبد الله لا يرى الإتمام في السفر، ولما سئل عن ذلك قال: «يا هذا، الخلاف شر، الخلاف شر، الخلاف شر»، كررها ثلاث مرات -﵁- (^٤).
وصدق -﵁-؛ فالاختلاف والفرقة بين الأمة أكبر شر وأعظم بلية، وأكبر وأعظم عون لأعداء الأمة لتمزيق وحدتها، والتغلب عليها، وإضعافها وسلب خيراتها.
قال ابن تيمية: «وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله عليهم الترك: كثرة التفرق بينهم في المذاهب، وكل ذلك من الاختلاف الذي ذمه الله، فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين» (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه الترمذي في الفتن (٢١٦٥)، والحاكم (١/ ١١٣). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب». وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي. قال الألباني في «الإرواء» (٦/ ٢١٥): «وهو كما قالا». وأخرجه أحمد ٥/ ٣٧٠ (٢٣١٤٥) من حديث زكريا بن سلام عن أبيه عن رجل.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد «المسند» ٤/ ٢٧٨ (١٨٤٤٩). قال ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٤١٤): «إسناده ضعيف». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٦٧).
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك (١٩٦٠)، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٥١٦ (٤٢٦٩)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٨/ ٣٤٣ (١٤١٧٤)، والبيهقي (٣/ ١٤٣، ١٤٤) عن عبد الرحمن بن زيد عنه. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧١٢).
(٥) انظر: «الفتاوى المصرية» (ص ٤٣).
[ ٢٣١ ]
سادسًا: حفظ اللسان والقلم والبنان، وضبط الأقوال والأفعال؛ فليس كل ما يُعلم يقال، ولا كل ما يقال يقال في كل الأحوال، وليس كل فعل بدا حُسنه يُفعل في كل حال.
قال عبد الله بن مسعود -﵁-: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لهم فتنة» (^١).
وقال علي بن أبي طالب -﵁-: «حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟!» (^٢).
ولهذا قال -ﷺ- لعائشة -﵂-: «ألم تَرَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم». قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «لولا حِدْثان قومك بالكفر لفعلتُ» (^٣).
سابعًا: وَزْنُ كل ما يرفع من رايات يزعم أربابها أنها إسلامية، ولنصرة الإسلام والمسلمين بميزان الشرع، من حيث التوحيد وسلامة العقيدة، ومن حيث عدم استباحة ترك شيء من الواجبات، أو استحلال شيء من المحرمات، سواء كانت هذه الرايات رايات دول، كما زعم الخميني الهالك في ثورته المشؤومة، أو رايات أحزاب وجماعات، كما يقع بين حينٍ وآخر في كثير من البلاد الإسلامية.
ثامنًا: يجب على العلماء الراسخين في العلم، وطلاب العلم الذين يدركون عواقب الفتن، وأضرارها العظيمة، ونتائجها الوخيمة على الدين، وعلى العباد والبلاد: أن يسعوا جهدهم في تجنيب عامة الناس مزالق الفتن، وأوضارها، وخاصة الشباب، ومن لديهم الحماس للخير، وهم لا يدركون عواقب الفتن، وذلك باحتوائهم وتوجيههم إلى الطريق الصحيح في مواجهة الفتن، وفق الضوابط الشرعيَّة، والقواعد المرعيَّة، ومنهج السلف الصالح والقرون المفضلة؛ من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأهل السنة والجماعة؛ حتى لا تجتالهم هذه الفتن،
_________________
(١) أخرجه مسلم في المقدمة (١/ ١١).
(٢) أخرجه البخاري في العلم (١٢٧).
(٣) أخرجه البخاري في العلم (١٢٦)، ومسلم في الحج (١٣٣٣)، وابن ماجه في المناسك (٢٩٥٥)، وأحمد ٦/ ١٠٢ (٢٤٧٠٩).
[ ٢٣٢ ]
ويكونوا وقودًا لها، ويعود ذلك بالضرر على الأمة في ثباتها على دينها ووحدتها.
والشواهد على هذا المنهج من حياة السلف من الصحابة -﵃- ومن بعدهم كثيرة معلومة:
فعن سهل بن حنيف -﵁- قال: يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم؛ فإنا كنا مع رسول الله -ﷺ- يوم الحديبيَة، ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: «بلى». قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى». قال: فعلام نعطي الدَّنيَّةَ في ديننا؟ أنرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: «يا ابنَ الخطابِ، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا». فانطلق عمر إلى أبي بكر، فقال له مثل ما قال للنبي -ﷺ-، فقال: إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدًا. فنزلت سورة الفتح، فقرأها رسول الله -ﷺ- على عمر إلى آخرها، فقال: وفتحٌ هو؟ قال: «نعم» (^١).
وفي حديث المِسْوَر بن مَخْرَمة ومَرْوان بن الحكم: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي -ﷺ-، فقلت: ألست نبي الله حقًّا، قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى»، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتُك أنَّا نأتيه العام؟» قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوِّف به»، قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل إنه لرسول الله -ﷺ-، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزِه، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعمِلت لذلك أعمالًا (^٢).
وفي رواية أحمد: «ثم قال عمر: ما زلت أصوم، وأتصدق، وأصلي، وأُعتِق من الذي صنعتُ؛ مخافةَ كلامي الذي تكلمتُ به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا».
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجزية (٣١٨٢)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٨٥)، وأحمد ٣/ ٤٨٥ (١٥٩٧٥).
(٢) أخرجه البخاري في الشروط (٢٧٣١)، وأحمد ٤/ ٣٢٥ (١٨٩٢٨).
[ ٢٣٣ ]
ولهذا قال عمر -﵁- لقبيصة بن جابر: «إن في الإنسان- أو في الشاب- عشرة أخلاق، تسعة حسنة، أو صالحة، وواحد سيئ، ويفسدها ذلك السيئ، فإياك وعثرة الشباب، أو عثرات الشباب، أو فاتقِ طيرات الشباب، أو غرات الشباب» (^١).
وكأنه -﵁- يشير إلى ما يوجد عند الكثيرين من العجلة والتسرع، وعدم تقدير العواقب، بسبب عدم اكتمال العقل والحكمة، كما يحصل من تصرفات بعض الأولاد مع والديهم، وبعض الطلاب مع معلميهم، وبعض الصغار مع الكبار.
لهذا ذكر -ﷺ- من ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: «شابًّا نشأ في طاعة الله» (^٢).
وعن نافع أن ابن عمر -﵄- أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر، وصاحب النبي -ﷺ-، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله (^٣).
وقد حصل الأذى لكثير من علماء الإسلام على مر العصور، وثُرِّب عليهم في مواقفهم الثابتة أمام الفتن، وعدم انجرارهم إليها، أو تحذيرهم الشديد من الوقوع في فخاخها ومستنقعاتها، وثباتهم أمامها.
تاسعًا: لا يجوز إيقاع وتطبيق أحاديث الفتن على واقع معين، سواء ما نعيشه اليوم، أو ما بعده، أو ما قبل ذلك.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٠٦، ٤٠٧ (٨٢٣٩، ٨٢٤٠)، والطبري في «جامع البيان» (٨/ ٦٩١)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١٢٠٦ (٦٨٠٤)، والحاكم (٣/ ٣١٠)، والبيهقي (٥/ ١٨١). قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه».
(٢) أخرجه مالك في الشعر (٢/ ٩٥٢)، والبخاري في الأذان (٦٦٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٣١)، والنسائي في آداب القضاة (٥٣٨٠)، والترمذي في الزهد (٢٣٩١)، وأحمد ٢/ ٤٣٩ (٩٦٦٥) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير (٤٥١٣).
[ ٢٣٤ ]