خطر إهمال تربية الأولاد،
وأن الفساد إنما جاء كثيرًا منهم من قبل آبائهم
التقصير في تربية الأولاد، وإهمالهم، وعدم توجيههم والنصح لهم وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم عما يضرهم في دينهم ودنياهم وأخراهم: خيانة من أعظم الخيانات وأكبرها، رتب عليها الشرع أشد الوعيد والتهديد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، والأولاد من أخص الأهل.
وعن مَعقِل بن يَسَارٍ -﵁- قال: قال رسول -ﷺ-: «ما من عبدٍ يَسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» (^١).
ومن حُرمت عليه الجنة فمصيره إلى النار وبئس القرار، فلا وعيد أشد من هذا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأحكام (٧١٥١)، ومسلم في الإيمان (١٤٢)، والدارمي ٢/ ٤١٧ (٢٧٩٦)، وأحمد ٥/ ٢٥ (٢٠٢٩١).
[ ٢٤٤ ]
الوعيد!
والمصيبة أن كثيرًا من الآباء لا يستحضر هذا الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، ولا يعير مسؤوليته عن تربية أولاده أي اهتمام، بل قصرها على تربية أبدانهم فقط، بتوفير الأكل والمتاع لهم. وانشغل عنهم بما لا ينفعه ولا ينفعهم، بإزجاء الأوقات باللهو والغفلات، والتنقل في الأسفار والفلوات، وبين المتنزَّهات والاستراحات، أو بالركض وراء الدنيا، وجمع حطامها، والمكاثرة فيها، مما لا تدعو الحاجة إليه، أو ربما انشغل بما هو أسوأ من ذلك، متناسيًا أن أولاده له غدًا بالمرصاد: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٧].
وقد قال -ﷺ-: «كل مولودٍ يُولد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه» (^١).
فقوله: «فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» معناه: أنهما ينحرفان به عن الفطرة إلى ما هما عليه من الديانة: اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية.
أو أنهما يهملان تربيته، وينشغلان عنه، كما هو حال كثير من الآباء، فينحرف عن الفطرة، ويتلقف أي ديانة كانت؛ يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو غير ذلك، من إلحادٍ، أو غلوٍّ، أو إفراط، أو تفريط، أو انحلال وفساد أخلاق، أو غير ذلك.
أو أنهما يربيانه على غير فطرة الله التي فطر الله الناس عليها؛ لأن من الآباء من يكون قدوة سيئة لأولاده، بارتكابه المعاصيَ والمُوبِقات بمرأى ومنظر منهم؛ من ترك الصلاة، أو ترك صلاة الجماعة، أو عقوق والديه، أو قطيعة رحمه، أو التعامل بالربا ونحوه، أو الظلم للناس والأذية لهم، أو تعاطي الدخان والمخدرات، أو غير ذلك.
مما يجعل الأولاد ينشؤون على هذا فتنتكس فطرهم، فلا يرون بأسًا في ترك الواجبات، أو ارتكاب المحرمات، ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه مالك في الجنائز (١/ ٢٤١)، والبخاري في الجنائز (١٣٥٨، ١٣٥٩)، ومسلم في القدر (٢٦٥٨)، وأبو داود في السنة (٤٧١٤)، والترمذي في القدر (٢١٣٨) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٢٤٥ ]
قال الشاعر:
إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ ضاربًا … فشيمةُ أهل البيتِ كلِّهم الرقصُ (^١)
كما أن من الآباء من يغرس في قلوب أولاده- بعد أن كانت سليمة- بذور الثارات والعداوات والتفاخر بالأحساب والأنساب، ويذكر لهم ما جرى في غابر الزمان بين القبائل بسبب ذلك، فيحيي في أولاده رُوح العصبية المقيتة؛ عصبية الجاهلية، وقد قال -ﷺ-: «دعوها فإنها مُنْتِنة» (^٢).
ومنهم من يذكر لأولاده ما حصل فيما مضى بين الأقارب والأجداد والأعمام وأبنائهم والأخوال وغيرهم، مما ليس في ذكره إلا فساد القلوب، وإيغار الصدور، وإثارة الأحقاد والضغائن، والخسران المبين، والبعد عن الطريق المستقيم.
كما أن من الآباء من يحمل أولاده على التعلق بالدنيا والافتتان بها، بشدة حرصه وتحريصه لهم عليها، وجعله أكثر تشجيعهم وتوجيههم إليها، مما يغرس في قلوبهم حبها، والإقبال عليها إقبالًا قد يضر بآخرتهم، وقد قال الله -﷿-: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، وهؤلاء عكسوا الأمر.
وكأن كثيرًا منهم يخشى الفقر على أولاده، مع ما هو فيه- هو وأبناؤه- من نعمة وخير، وقد قال -ﷺ-: «والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلككم كما أهلكتهم» (^٣).
والخلاصة أن فساد كثير من الأولاد بسبب والديهم.
فكم من أولاد انحرفوا عن الفطرة وضلوا بسبب اقتدائهم بآبائهم الضالين!
_________________
(١) البيت مجهول النسبة، انظر: «معجم اللغة العربية المعاصرة» للدكتور: أحمد مختار عمر (١/ ٢٦٧، ٢/ ٨٤٢)، و«مشكلة السرف في المجتمع المسلم» لعبد الله بن إبراهيم الطريقي ص (١١٣).
(٢) أخرجه البخاري في تفسير القرآن (٤٩٠٥)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٨٤)، والترمذي في تفسير القرآن (٣٣١٥)، وأحمد ٣/ ٣٣٨ (١٤٦٣٢) من حديث جابر -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار (٤٠١٥)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٦١)، والترمذي في صفة القيامة (٢٤٦٢)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٩٧) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري -﵁-.
[ ٢٤٦ ]
وكم من أولاد ركِبوا موجة العصبية المقيتة وضاعت فيها أعمارهم بسبب آبائهم!
وكم من أولاد قطعوا أرحامهم وعادوا أقاربهم بسب آبائهم!
وكم من أولاد افتتنوا بالدنيا وحطامها بسبب آبائهم!
وكم من أولاد فشلوا في الحياة في أمر دينهم ودنياهم بسبب تربية آبائهم العقيمة!
وكم، وكم، من أولادٍ فسدوا بسبب إهمال آبائهم لهم!
قال ابن القيم في «تحفة الودود، في أحكام المولود» (^١): «فوصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم»، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١].
فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا.
كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: «يا أبتِ، عققتني صغيرًا، فعققتُ كبيرًا، وأضعتني وليدًا، فأضعتُك شيخًا».
صدق ابن القيم -﵀-، وصدق الولد في رده على عتاب والده!
_________________
(١) ص ٢٢٩.
[ ٢٤٧ ]