قضى الله -﷿- قضاءً قدريًّا تامًّا مبرَمًا بالابتلاء بالفتن، دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة والنبوية المطهرة.
قال الله -﷿-: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ستكون فِتَنٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يَستشرِف لها تَستشرِفه، ومن وجد ملجأً أو مَعاذًا فلْيَعُذْ به» (^١).
وعن عبد الله بن عمرٍو -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان عليه حقًّا أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم بشر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخِرَها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقِّق بعضها بعضًا، وتجيء
_________________
(١) أخرجه البخاري في المناقب (٣٦٠١)، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٨٦)، وأحمد ٢/ ٢٨٢ (٧٧٩٦).
[ ٢٠٩ ]
الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلِكتي. ثم تنكشِف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه» (^١).
والحكمة في ذلك الابتلاء والامتحان؛ ليظهر الصادق من الكاذب، ويتميز المؤمن من المنافق، والصابر من غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧].