من أهم وأعظم واجبات الإمام ما يلي:
أ. العناية التامة بإقامة الصلاة؛ بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها:
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وغيرها من الآيات.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
وعن جَرير بن عبد الله -﵁- قال: «بايعت رسول الله -ﷺ- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (^١).
وقد جاء في هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة الأمر بإقامة الصلاة، دون الأمر بالصلاة؛ لأن الأمر بإقامة الصلاة معناه أن تؤدى كاملة، تامة الشروط، والأركان، والواجبات، والسنن، فتكون قائمة معتدلة على التمام.
ولهذا يجب على الإمام استكمال شروط الصلاة، وأركانها، وواجباتها، ومن ذلك:
١ الطهارة: فيحرص كل الحرص على إتمام طهارته غسلًا ووضوءًا، بدنًا وثوبًا، وهذا أمرٌ بيْنه وبين الله -﷿-، فليتقِ الله في ذلك.
٢ دخول الوقت: فلا يصليها قبل دخول وقتها، ولا يؤخرها عن وقتها، ويحسن أن يصلِّيَها في أول الوقت؛ لأن الملاحظ أن الناس يرغبون في الصلاة مع الإمام الذي يبادر إلى الصلاة في أول وقتها؛ شريطة أن يكون بين الأذان والإقامة وقتٌ كافٍ للوضوء والحضور إلى المسجد، وذلك في حدود ربع أو ثلث ساعة، أما التراخي والتأخير أكثر من ذلك فقد يكون سببًا لتأخر الناس وتفرقهم، وعدم انضباطهم في الحضور إلى الصلاة.
ويُستثنى من هذا صلاة المغرب فتكون الإقامة بعد عشر دقائق بعد الأذان؛ لأن السنة وردت بتعجيلها، ويحسُن أيضًا أن يزيد في الانتظار في صلاة الفجر، بحيث يكون
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١١٥ ]
بين الأذان والإقامة ٢٥ دقيقة؛ مراعاة لقيام الناس من النوم، وينبغي أن يعلم الإمام أن تحديد ما بين الأذان والإقامة قِصرًا وطولًا ليس من حقه هو ولا من حق المؤذن، ولا الجماعة، بل هو حق لله تعالى، يجب التوسط فيه، بحيث يتهيأ الناس ويتمكنون من الوضوء، والحضور إلى المسجد، فلا يجوز له أن يبادر بإقامة الصلاة، فيشُق على الناس، ويفوت عليهم الصلاة، كما لا يجوز له أن يتأخر، فيشق على الناس، ويربطهم عن مصالحهم، وينفرهم، وهو مسؤول أمام الله -﷿- في الحالين، وحيث إن إدارة المسجد هي الجهة المسؤولة عن المساجد، فيجب على الأئمة والمؤذنين الالتزام بما تحدده بهذا الخصوص؛ جمعًا للكلمة، ودرءًا للاختلاف والتفرق.
٣ الطمأنينة: يجب على الإمام عندما يدخل في الصلاة أن يحرص على الطمأنينة، وإعطاء الأركان والواجبات حقها، وأدائها على الوجه الشرعي، من غير إخلال بها بنقص أو زيادة، ويُستحب أن يحرص على استكمال سنن الصلاة؛ لأن ذلك من تمامها.
والمطلوب الاعتدال في ذلك كله، فلا ينقرها نقر الغراب، ولا يطيل فيها إطالة تخرج عن الحد المطلوب شرعًا، وخير الأمور الوسط، وديننا الإسلامي في كل أحكامه وسط بين الغالي والجافي.
وكان من هدي المصطفى -ﷺ- مراعاة حال المأمومين، وكان يقول -ﷺ-: «إذا صلى أحدكم للناس فليخفِّفْ؛ فإن في الناس الضعيفَ والسقيم وذا الحاجة» (^١).
والأولى أن يقرأ الإمام في الفجر من طِوال المفصَّل، وفي المغرب من قِصاره، وفي الظهر والعصر والعشاء من أوساطه.
وفي التراويح والقيام في شهر رمضان المبارك ينبغي أن تحرص أخي الإمام- واعلم
_________________
(١) أخرجه مالك في صلاة الجماعة (١/ ١٣٤)، والبخاري في الأذان (٧٠٣)، ومسلم في الصلاة (٤٦٧)، وأبو داود في استفتاح الصلاة (٧٩٤)، والنسائي في الإمامة (٨٢٣)، والترمذي في (٢٣٦) من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه البخاري في العلم (٩٠)، ومسلم في الموضع السابق (٤٦٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (٩٨٤) من حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁-.
[ ١١٦ ]
أن النبي -ﷺ- كان يداوم على قيام الليل، وكان لا يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة (^١).
وكان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المِئزَرَ (^٢).
وكان يقول: «أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ -﵇-؛ كان ينام نصفَ الليلِ، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه» (^٣).
وعن السائب بن يزيد -﵁- قال: «أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمِئِينَ، حتى كنا نعتمد على العِصِي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (^٤)» (^٥).
وفي رواية: «أن تميم بن أوس الداري وأُبي بن كعب صلَّيَا بالناس إحدى وعشرين ركعة» (^٦).
وكان سلف هذه الأمة إلى عهدٍ قريبٍ يصلون عشرين ركعة، ويوترون بثلاث ركعات، فإذا دخلت العشر الأواخر قسموا القيام إلى عشر أول الليل صلاة التراويح،
_________________
(١) أخرجه البخاري في التهجد (١١٤٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨) من حديث عائشة -﵂-.
(٢) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر (٢٠٢٤)، ومسلم في الاعتكاف (١١٧٤)، وأبو داود في قيام الليل (١٣٧٦)، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار (١٦٣٩)، وابن ماجه في الصيام (١٧٦٨)، وأحمد ٦/ ٤٠ (٢٤١٣١) من حديث عائشة -﵂-.
(٣) أخرجه البخاري في الجمعة (١١٣١)، ومسلم في الصيام (١١٥٩)، وأبو داود في الصوم (٢٤٤٨)، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار (١٦٣٠)، وابن ماجه في الصيام (١٧١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.
(٤) أي: قرب الفجر.
(٥) أخرجه مالك في الصلاة في رمضان (١/ ١١٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢٢٠ (٧٧٥٣)، والبيهقي (٢/ ٤٩٦). وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٣٠٢).
(٦) أخرجها عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٦٠ (٧٧٣٠) بسند صحيح.
[ ١١٧ ]
وعشر في آخره صلاة القيام، يطيلون فيها القراءة والصلاة.
ويؤخذ من هذا كله: فضل الصلاة بإحدى عشرة ركعة، وجواز الزيادة إلى ثلاث وعشرين ركعة، أو أكثر، كما يؤخذ من ذلك: أنه ينبغي زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان؛ كما قالت عائشة: «كان رسول الله -ﷺ- يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (^١).
كما يؤخذ من ذلك: أن الأَولى لمن اقتصر على صلاة إحدى عشرة ركعة أن يحسنها ويطيلها؛ كما قالت عائشة -﵂-: «كان رسول الله -ﷺ- لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسنهنَّ وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (^٢).
كما ينبغي أن تحرص أخي الإمام- وفقك الله- في دعاء القنوت وختم القرآن على الأخذ بالأدعية الواردة في الكتاب والسنة، والمأثورة عن سلف الأمة، وأن تحذر من الاعتداء في الدعاء، والإطالة فيه، وتعمُّد السجع فيه، ورفع الصوت به، وتحذر الجماعة مع رفع الصوت بالتأمين على الدعاء، فإن ذلك كله خلاف السنة، وما عند الله لا يُنال بمخالفة السنة. وقد قال الله -﷿- لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وقال -ﷺ- لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالدعاء: «اربَعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته» (^٣).
واعلم أخي الإمام- وفقك الله- أن تطبيق السنة مطلوب في الفرض والنفل، وشرط
_________________
(١) أخرجه مسلم في الاعتكاف (١١٧٥)، والترمذي في الصوم (٧٩٦)، وابن ماجه في الصيام (١٧٦٧)، وأحمد ٦/ ٢٥٥ (٢٦١٨٨).
(٢) أخرجه مالك في صلاة الليل (١/ ١٢٠)، والبخاري في التهجد (١١٢٧)، وفي صلاة التراويح (٢٠١٣)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٧٣٨)، وأبو داود في الصلاة (١٣٤١)، والنسائي في قيام الليل (١٦٩٧)، والترمذي في الصلاة (٤٣٩)، وأحمد ٦/ ٣٦ (٢٤٠٧٣).
(٣) سيأتي تخريجه.
[ ١١٨ ]
في صحتهما وقبولهما، والسنة هي الوسط- ولله الحمد- فإن أخذت بها، ووفيت للمأمومين حقهم، أحبك الله وأحبك الناس، وكان لك- إن شاء الله- بقدر أجور من يصلون خلفك.
ولا يضعف عزيمتك، ويفت في عضدك قلة المصلين خلفك، فأجرك تام بإذن الله تعالى كثُروا أم قلوا، بل قد يكون الأجر أكثر إذا قلوا؛ لأن ذلك أعظم في الاحتساب والإخلاص، ومجاهدة النفس.
ولا تغترَّ بهم إن كثُروا، واحرص على الإخلاص؛ فقد قال -ﷺ-: «إن أكثر منافقي أمتي قُرَّاؤها» (^١).
واحذر من مراعاة رغباتهم ولو كان ذلك على خلاف السنة؛ كالتخفيف في الصلاة والقراءة، والاعتداء في الدعاء، ونحو ذلك. وتذكر قوله -ﷺ-: «الإمام ضامن» (^٢).
واعلم أن من يصلون خلفك- إذا لم تعطِ الصلاة حقها- هم غرماؤك يوم القيامة، لهم الغُنم وعليك الغُرم؛ فاحرص- هداك الله ووفقك- على الأخذ بالسنة في الصلاة، والقراءة والدعاء، واسأل عما خفِي عليك منها، فذلك أحرى بالقبول، وأبشر بالخير إن شاء الله تعالى.
ب. يجب على الإمام الالتزام بالإمامة، وعدم التخلف إلا في حالات الضرورة، وما لا بد منه.
وليعلم الإمام أن الإمامة- كما سبق- مسؤولية عظيمة سيحاسَب عنها غدًا أمام الله -﷿-، وليعلم أن منهجه وطريقته في الالتزام بالإمامة أو عدمه ينعكس على جماعة المسجد
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٧٥ (٦٦٣٣)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» ص (١١٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ١٩/ ٧١ (٣٥٤٧٦)، والطبراني في «الكبير» ١٣/ ١٧ (٢٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵁-. قال الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٢٣٠): «رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات». وأخرجه أحمد ٤/ ١٥١ (١٧٣٦٧)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» ص (١١٨)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٠٥ (٨٤١) من حديث عقبة بن عامر -﵁-. قال الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٢٢٩): «رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات». وصححه أحمد شاكر في تحقيقه على «المسند». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٥٠).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١١٩ ]
سلبًا وإيجابًا، فإنِ التزم وداوم وحرص على إقامة الصلاة في وقتها، وكما شرع الله -﷿- أحبه الجماعة وانضبطوا في حضورهم، وأصبح المسجد حيًّا بسبب حياة الإمام القلبية، وهو مأجور مُثاب على هذا المنهج، وله- إن شاء الله- مثل أجور من تبِعه ومن يؤمهم من المصلين، فبشراه بالخير، وهو من أئمة المتقين بإذن الله -﷿-.
وأما إن كان الإمام يَكثُر تخلفه، فيتخلف الأيام، وربما الأسابيع، وربما لا يمر يوم إلا ويتخلف فيه عن صلاة وقت أو وقتين أو أكثر، فإن ذلك سيعود سلبًا على جماعته، في حضورهم إلى الصلاة، فتجدهم غير منضبطين، بل مضطربين ومختلفين بسبب ذلك؛ منهم من تفوته الصلاة كلية، ومنهم من لا يدرك منها إلا بعضها، ومنهم من يبحث عن مسجد آخر، وذلك بسبب عدم انضباط الإمام، وهو بهذا سيبوء بإثمه وإثمهم؛ لأنه هو السبب في ذلك، وتجد مسجده ميتًا بسبب ذلك.
وقد يتعلل بعض الأئمة بأنه ذاهب للعمرة، أو لصلاة جنازة، أو لاجتماع يقصد منه خيرًا ونحو ذلك.
وليت هؤلاء وأمثالهم تأملوا قول ابن القيم -﵀-: «إن الشيطان يأمر بسبعين بابًا من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوت بها خيرًا أعظم من تلك السبعين بابًا وأجلَّ وأفضل» (^١).
فتأمل هذا يا أخي الكريم، وقل لي بربك: أيهما أحرى بعظيم الأجر، إمام ترك جماعته لأجل الأعمال المذكورة سواء أناب غيره أم لا، أو إمام احتسب وقال: صلاتي بالجماعة أهم وأولى وربط نفسه لأجل ذلك؟
لا شك أن الأخير أولى وأحرى بالأجر العظيم؛ لأجل مرابطته في عمله الواجب، والذي يتقاضى عليه رزقًا من بيت المال، وقد تحمل مسؤوليته، فأدى أمانته، ووفَّي لجماعته بحقهم عليه، وأحسن فيهم وأعانهم على أنفسهم، وكان عضوًا نافعًا في الأمة، وهو حري- بإذن الله -﷿-، بسبب مرابطته في إمامته، واهتمامه بمسؤوليته وخوفه أن يؤتى
_________________
(١) انظر: «التفسير القيم» (ص ٦١٣).
[ ١٢٠ ]
الإسلام من قِبله- حري بأن يضاعف الله له الأجور، ويعطيه أجور تلك الأعمال التي لم يتمكن منها بسبب ما هو أوجب، وأهم من مصالح الأمة.
فإذا احتسب الإمام وقال: أنا أعرف أن العمرة فضلها عظيم- وبخاصة في رمضان- لكنني أُشفق على جماعة مسجدي أن يتفرقوا، ويؤثر فيهم غيابي عنهم، فإن الله قد يعطيه ثوابَ أكثر من عمرة؛ فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، ومن لم يتمكن من القيام ببعض السنن لعذر، إما لانشغاله بما هو واجب، أو بما هو أهم، أو لعدم القدرة البدنية أو المالية على ذلك، فإن له أجر ذلك العمل بفضل الله تعالى.
فيا من تريد عظيم الأجر والثواب من الله، وتريد أن يعطيك الله أجر العمرة وغيرها من أعمال البر مما لا يمكنك القيام به؛ لانشغالك بإمامة المسلمين في أعظم فريضة فرضها الله عليهم، وهي الصلاة، أحسِن النية والقصد، واجتهد في مسؤوليتك، يعطك الله أجر ما لم تتمكن منه بسبب هذه المسؤولية.
واعلم أخي أنه كما يقال: «الأحدب يعرف كيف ينام»، فمن الممكن أن تنتهز فرصةً قصيرةً أيامًا قليلةً تنيب فيها شخصًا تكون فيه الكفاية، يؤم الناس، تؤدي فيها مناسك العمرة، فأجرك على هذا في عمرتك وبقائك في مسجدك يفوق أضعاف أضعاف أجور من حكَّموا أهواءهم، وأكثروا من التخلف عن الإمامة بهذه التعليلات والحجج الواهية.
وعلى الإمام الناصح لنفسه ولجماعته، الحريص على أداء دوره في الأمة أن يجعل في حساباته أن أوجب الواجبات عليه ما تحمله من أمر المسلمين، وأن يجتهد للقيام بذلك على الوجه المطلوب؛ إبراءً للذمة، ونصحًا للأمة، وطلبًا للمثوبة والأجر من الله، وليبشر بالخير- إن شاء الله- وليحذر أن يحكِّم هواه ورغباته، ويفتي نفسه بأنه ما دام تخلفه عن الإمامة لعمل خيري فلا بأس بذلك.
وهل ضاعت كثير من مصالح الأمة إلا بسبب مثل هذه التبريرات والتعليلات الواهية، وذلك على مستوى جميع العاملين وأرباب المسؤوليات في الأمة. والله المستعان.
[ ١٢١ ]
ج. أمور يجب على الإمام مراعاتها:
الإمام هو الحاكم الإداري في المسجد، فعليه مراعاة ما يلي:
١ التعاون والتفاهم مع المؤذن، والتناصح فيما بينهما، وأن يكونا أخوين متحابين، وعلى كل منهما نصح الآخر إذا قصَّر، وإرشاده بطريقة مهذبة، وبالتي هي أحسن، مع تحاشي الاختلاف والعداوة بينهما؛ فإن ذلك من الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، ومن ثَم ذلك يعود ذلك بالضرر عليهما وعلى المسجد وعلى الجماعة، وهو فساد ذات البَيْن التي تحلِق الدين، وعلى الإمام في هذا مسؤولية أكبر؛ لأنه هو الراعي الأول في المسجد، فلا يجوز له أن يترك المؤذن يتقدم في الأذان أو يتأخر عن الوقت أو يتخلف عن الأذان، بل يرشده ويناصحه ويتابعه.
٢ متابعة الفرَّاش والخادم في المسجد، وشكره، وتقديره، والدعاء له إذا قام بعمله على الوجه المطلوب من نظافة المسجد وفرشه ودورات المياه، وجميع ملحَقات المسجد، ومحاسبته إذا قصر ونصحه وإرشاده، وأن يبين له أنه يجب عليه القيام بعمله أتم قيام، ولا يجوز له أن يتساهل في ذلك كما هو حال الكثيرين.
٣ الحرص على جمع شمل الجماعة بما أشرت إليه سابقًا من الصلاة في أول الوقت، والعناية بإقامة الصلاة على الوجه المشروع، والتوسط في ذلك دون التقصير المخل، أو التطويل الممل، وأن يحرص على مناصحة المتخلفين عن الصلاة والمتأخرين في المجيء إليها، وإرشادهم، وتوجيههم بالتي هي أحسن، وليحذر من التسرع معهم، والغلظة عليهم بما ينفرهم عنه، فقد قال الله تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقال -﷿- لموسى وهارون -﵉- لما أرسلهما إلى فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].
فعليه زيارة المتخلفين عن الصلاة والجلوس معهم، ودعوتهم لمنزله والتقرب إلى قلوبهم ومساعدة محتاجهم، ومن ثم نصحهم وإرشادهم بلين ورفق، ولا ييأس من
[ ١٢٢ ]
روح الله وهدايتهم.
٤ العناية بمظهر المسجد، وتهويته وتبريده وتدفئته، وإعداده الإعداد اللائق؛ ليحصل للمصلين الاطمئنان في الصلاة.
٥ العناية بدورات المياه ونظافتها ومتابعة الفرَّاش في هذا.
وإن مما يُؤسَف له أن تقع عين الداخل كثيرًا من دورات المساجد على ما تشمئز منه النفس من الأوساخ والقاذورات، مما يُوجِب توعية الناس في هذا، وتعاون العاملين في المسجد وجماعته للقضاء على هذه الظاهرة وآثارها، فالعناية بها من العناية ببيوت الله تعالى المساجد.
٦ كما ينبغي للإمام تذكير الجماعة، ووعظهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه في العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، والتفسير، والحديث، وغير ذلك، وتشجيع طلبة العلم لإلقاء الدروس والمحاضرات في مسجده، والترتيب معهم في ذلك، والتعاون مع الجماعة على البر والتقوى، وتجنيب المسجد الخلافات، ورفع الأصوات، ولعب الصبيان، والتشويش على المصلين، وغير ذلك.
وعودًا على بدء أقول: أيها الإمام- بارك الله فيك- احمد الله أن بوَّأك هذه المنزلة العظيمة، واقدُر لها قدرها، واعلم أنك على ثغرٍ عظيم من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبلك؛ فأنت أشبه بالحاكم الإداري، تحت مسؤوليتك المسجد وتهيئته، والمؤذن والجماعة والفرَّاش، ومياه الشرب، ودورات المياه.
فأحط هذه المسؤوليات برعايتك وعنايتك، وأحسن التعامل مع جميع العاملين في المسجد، ومع الجماعة، وعوِّدهم ونفسك على القول والعمل، وكن كالطبيب الحاذق يتعرف بدقة على موضع الداء، ويصف له الدواء، ولا تتعجل جني ثمرة قبل أوانها، وليكن صدرك رحبًا في التعامل مع جميع هذه الأطراف، وخذهم بالحكمة والتوجيه والإرشاد بالتي هي أحسن، وحاول أن تسدد ما حصل منهم من نقص بقولك وفعلك وأخلاقك ومالك، واجعل تعاملك مع الله -﷿- في كل ذلك، تفز برضا الله -﷿- ثم برضا
[ ١٢٣ ]
الناس، وتكون لك العقبى في الأمور كلها، فالعاقبة للمتقين.
ولخطباء الجمعة خاصةً أقول:
احرص- أخي الخطيب وفقك الله- على ما يلي:
أولًا: من حيث الإطار العام للخطبة ينبغي مراعاة الأمور التالية:
١ الإخلاص وحسن النية، والنصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، كما قال -ﷺ-: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١)، وقال -ﷺ-: «ثلاث لا يُغَل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط مِن ورائِهم» (^٢).
وعن جَرير بن عبد الله -﵁- قال: «بايعتُ رسول الله -ﷺ- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (^٣).
٢ قِصَرُ الخطبة، وطول الصلاة؛ اتباعًا لهدي النبي -ﷺ-، فقد قال -ﷺ-: «إن طول صلاة الرجل وقِصر خطبته مَئِنَّة من فِقهه» (^٤).
٣ أخذ مادة الخطبة من المصادر الأصلية؛ الكتاب والسنة، وكتب التفسير، وشروح السنة، وكتب المحققين من علماء الأمة.
٤ وفاء الخطبة بالمقصود منها، وهو: تعليم الناس أمور دينهم، وإرشادهم، وتوجيههم للعلم النافع، والعمل الصالح، والبر والخير، والتعاون على ذلك بأسلوب
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإيمان (٥٥)، وأبو داود في الأدب (٤٩٤٤)، والنسائي في البيعة (٤١٩٧، ٤١٩٨)، وأحمد ٤/ ١٠٢ (١٦٩٤٠) من حديث تميم الداري -﵁-. وأخرجه النسائي في الموضع السابق (٤١٩٩، ٤٢٠٠)، والترمذي في البر والصلة (١٩٢٦)، وأحمد ٢/ ٢٩٧ (٧٩٥٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه الترمذي في العلم (٢٦٥٨) من حديث ابن مسعود -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في المناسك (٣٠٥٦)، والدارمي في المقدمة ١/ ٤٥ (٢٣٦)، وأحمد ٤/ ٨٠ (١٦٧٣٨) من حديث جُبير بن مُطعِم عن أبيه -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (٢٣٠) من حديث زيد بن ثابت -﵁-. وأخرجه أحمد ٣/ ٢٢٥ (١٣٣٥٠) من حديث أنس -﵁-. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٦٦).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه مسلم في الجمعة (٨٦٩)، وأحمد ٤/ ٢٦٣ (١٨٣١٧) من حديث عمار بن ياسر -﵄-.
[ ١٢٤ ]
يدخل إلى سُويداء القلوب؛ فإن كثيرًا من الناس يخرج من الخطبة وكأن المراد بها غيرُه!
٥ تحري الاعتدال في المنهج، والسداد في القول، والحرص على ما فيه تأليف قلوب المسلمين، وجمع كلمتهم على الحق، وتحذيرهم من أسباب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البَين، فهي الحالقة؛ قال -ﷺ-: «لا أقول: تحلِق الشعر، ولكن تحلق الدِّين» (^١).
وكان -ﷺ- إذا رأي من أُناسٍ ما لا ينبغي وهو يعرفهم ويعرف ما حصل منهم يقول: «ما بال أقوامٍ يقولون كذا أو يفعلون كذا» (^٢).
٦ التركيز في جميع الخطب على الجانب التربوي، وتربية الناس على القول والعمل معًا، فعلًا للواجبات، وبعدًا عن المنهيات؛ أداءً لحقوق الله، وحقوق الخلق، والتأكيد على ذلك على الدوام، فإن أعظم مصيبة أصيب بها كثير من المسلمين اليوم عدم تحقيق القول بالعمل، بل كثرة القول بلا عمل، وقد قال الله -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
فالتلاوم والتباكي على واقع الأمة، وكثرة القيل والقال، ونقد الآخرين مع تفريط كثيرٍ منا في حقوق الله، وحقوق الخلق، وفيما توليناه من مسؤوليات، كل ذلك لا يجدي عن أهله شيئًا!
ثانيًا: من حيث موضوعات الخطب ينبغي مراعاة ما يلي:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب (٤٩١٩)، والترمذي في القيامة (٢٥٠٩)، وأحمد ٦/ ٤٤٤ (٢٧٥٠٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٩١) من حديث أبي الدرداء -﵁-. قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه الألباني في «غاية المرام» (٤١٤). لكن ليس فيه: «لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين». وهذا اللفظ أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٢٦٠) من حديث أبي هريرة -﵁-. قال الألباني في تحقيقه «الأدب المفرد»: «حسن لغيره». وأخرجه الترمذي في القيامة (٢٥١٠)، وأحمد ١/ ١٦٧ (١٤٣٠) من حديث الزبير بن العوام -﵁-. قال الألباني في «الإرواء» (٣/ ٢٣٨): «رجاله ثقات غير مولى الزبير فلم أعرفه، وأشار ابن أبى حاتم إلى إعلاله به، نقلًا عن أبي زرعة».
(٢) أخرجه البخاري في النكاح (٥٠٦٣)، ومسلم في النكاح (١٤٠١)، والنسائي في النكاح (٣٢١٧) من حديث أنس -﵁-. وأخرجه أبو داود في الأدب (٤٧٨٨) من حديث عائشة -﵂-.
[ ١٢٥ ]
١ ترسيخ العقيدة الإسلامية الصحيحة في نفوس الناس؛ ببيان معنى الشهادتين والتوحيد، ووجوب إخلاص العبادة لله -﷿-، والتحذير من الشرك والبدع والخرافات.
٢ بيان وشرح أركان الإيمان الستة، ووجوب الإيمان بها وبكل ما أخبر الله به ورسوله من المغيبات.
٣ بيان وشرح أركان الإسلام الخمسة، مع العناية- بعد الشهادتين- بالصلاة، وأحكامها، وفضلها، وصفتها؛ كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، وكما في كتب المحققين؛ كصفة الصلاة لابن باز، وابن عثيمين، والألباني -﵏-، وبيان أحكام صلاة الجمعة، وفضلها، وفضل الاغتسال، والتبكير لها، والسواك، والطيب، والدنو من الإمام، والتحذير من تخطي رقاب الناس، وغير ذلك.
٤ بيان كل ما يجب على المسلم من حقوق الله -﷿- وحقوق الخلق، كحق الرسول -ﷺ-، وحق ولاة الأمر في الولاية الكبرى والولايات الصغرى، وحق الوالدين، والأولاد، والأزواج، وسائر الأقارب، والجيران، وحقوق المسلمين.
٥ التأكيد على تعاهد القلوب، ومعالجة أمراضها، والحرص على سلامتها من النفاق، والغل، والحسد، والحقد، والعداوة، والبغضاء، وسوء الظن، وغير ذلك من أمراض القلوب.
٦ بيان كل ما يحرم على المسلم؛ كالقتل العمد، والربا، وأكل مال اليتيم، والظلم، وشهادة الزور، والفواحش، وشرب الخمور، والغيبة، والنميمة، والرشوة، والغش في المعاملات، والنظر المحرم، والسماع المحرم، وغير ذلك. والتحذير من ذلك، وبيان آثاره السيئة.
٧ العناية ببيان الأحكام التي يجهلها كثيرٌ من الناس؛ كبعض أحكام الطهارة، والمسح على الخفَّين، وبعض أحكام الصلاة، وأحكام البيع والشراء وسائر المعاملات، وأحكام الأوقاف والوصايا، وغير ذلك.
٨ تفسير بعض قِصار السور، وبعض الآيات المشتملة على الأحكام والمواعظ،
[ ١٢٦ ]
وشرح بعض الأحاديث الجامعة، وبيان ما فيها من الحكم والأحكام، والتوجيهات والآداب، وربط الناس بالقرآن والسنة.
٩ إبراز الصور المشرقة في سيرة المصطفي -ﷺ-، وسير خلفائه وأصحابه -﵃-، وسلف علماء الأمة وأبطالها -﵏-، وغيرهم ممن سار على نهجهم.
١٠ شحذ الهمم، وتحريك الضمائر والقلوب إلى المسارعة والمسابقة إلى الصلاة في الصفوف الأولى وميامن الصفوف، إلى بر الوالدين، إلى صلة الأرحام، إلى الإنفاق في سبيل الله، إلى الدعوة إلى الله، إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة، إلى إفشاء السلام، إلى العفو والتسامح ولين الجانب، إلى الإحسان إلى الآخرين، إلى محبة الخير للمسلمين، إلى احترام العالم والكبير، إلى العطف على الصغير، إلى رحمة المساكين، إلى أعمال البر والخير كلها، إلى ما فيه السعادة في الدنيا والآخرة، والعزة والرفعة؛ مع استجلاء معاني كلام الله -﷿-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الآية: ١٣٣ من آل عمران وما بعدها]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
إلى غير ذلك من الجوانب والأساليب التي لا تخفى على الخطيب اللبيب، والتي قد يكون بعضها أهم من بعض ما ذُكر؛ إذ المقصود فيما ذكر التمثيل لا الحصر.
وأنت أخي المؤذن:
احمد الله تعالى على أن بوأك هذه المنزلة، ومنحك إياها، واعلم أن مسؤوليتك عظيمة فأعطها حقها؛ لتسلم من تبعتها، وتنال الأجر الموعود عليها بإذن الله -﷿-؛ فقد قال -ﷺ-، كما تقدم في الحديث: «المؤذن مؤتمَن» (^١)، وقال -ﷺ-: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «المؤذنون
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) أخرجه مالك في الصلاة (١/ ٦٨)، والبخاري في الأذان (٦١٥)، ومسلم في الصلاة (٤٣٧)، وأبو داود في الأدب (٥٢٤٥)، والنسائي في المواقيت (٥٤٠)، وفي الأذان (٦٧١)، والترمذي في الصلاة (٢٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٣٦ (٧٢٢٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١٢٧ ]
أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» (^١).
وقال -ﷺ-: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهِد له يوم القيامة» (^٢).
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: «لو كنت أُطِيق الأذان مع الخلافة لأذَّنتُ» (^٣).
وقد ذهب طائفة من أهل العلم والمحققين إلى أن الأذان أفضل من الإمامة، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- (^٤).
فاحمَدِ الله -﷿- أخي المؤذن، وارفع صوتك بالأذان، وارفع رأسك بطاعة الله -﷿-، وكنْ أمينًا على الأذان في وقته، وأحسِن النية والقصد، وأبشر بالخير إن شاء الله تعالى.
وأنت أخي الفرَّاش والمستخدم في المسجد:
اعلم أن عملك من أشرف الأعمال وأفضلها، كيف لا؟ وهو خدمة بيوت الله وتنظيفها، فقم بهذا العمل على الوجه المطلوب، وأبشر بالخير إن شاء الله، فعن أبي هريرة -﵁- أن رجلًا أسودَ أوِ امرأةً سوداءَ كان يَقُمُّ المسجد فمات، فسأل النبي -ﷺ- عنه، فقالوا: مات. قال: «أفلا كنتم آذنتُموني به، دُلوني على قبره- أو على قبرها» فأتى قبرها فصلى عليه (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصلاة (٣٨٧)، وابن ماجه في فضل الأذان (٧٢٥)، وأحمد ٤/ ٩٥ (١٦٨٦١) من حديث معاوية -﵁-.
(٢) أخرجه مالك في الصلاة (١/ ٦٩)، والبخاري في الأذان (٦٠٩)، والنسائي في الأذان (٦٤٤)، وابن ماجه في الأذان والسنة فيه (٧٢٣)، وأحمد ٣/ ٣٥ (١١٣٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٤٨٦ (١٨٦٩)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٣٧٦ (٢٣٦٠)، والبيهقي في الصلاة (١/ ٤٣٣)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه، انظر: «فتح الباري» ٢/ ٧٧، و«التلخيص الحبير» ١/ ٢٢٣.
(٤) انظر: «الاختيارات الفقهية» صـ ٣٦.
(٥) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٥٨)، وفي الجنائز (١٣٣٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥٦)، وأبو داود في (الجنائز ٣٢٠٣)، وابن ماجه في الجنائز (١٥٢٧)، وأحمد ٢/ ٣٥٣ (٨٦٣٤).
[ ١٢٨ ]
وهذا بلا شك يدل على فضل تنظيف المساجد والقائمين على ذلك.
واحذر أخي الكريم من التساهل في هذه المسؤولية، وإن كنت لستَ قادرًا على القيام بها، ومضطرًّا أن تكلف بها غيرك ممن قد يقوم بها وقد لا يقوم، فاتركها لغيرك، اللهم إلا أن تكون الجهة التي كلفتك أذنت بذلك، واعلم أنك مسؤول عنها أمام الله يوم القيامة، ولا يغرك ما عليه كثير من الناس، فإن الناقد بصير، والحساب عسير إلا على مَن يسره الله تعالي عليه.
[ ١٢٩ ]