١ قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [الآية: ١٨٠].
ذهب أكثر السلف وأهل العلم بعدهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآيات المواريث، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة، خصصتها آيات المواريث بمن لا يرث من الوالدين لمانع من موانع الإرث، وهي: الرق، والقتل، واختلاف الدين، وبمن لا يرث من الأقربين؛ لكونه محجوبًا، وهذا هو الراجح (^١).
٢ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
ذهب كثير من السف وأهل العلم بعدهم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وبغيرها من آيات الأمر بالقتال.
وذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم لا يجوز، ما لم يكن هناك اعتداء من الكفار؛ لأنه لا تنافي بينها وبين آية السيف وآيات الأمر بالقتال؛ لأن آية السيف وآيات القتال عامة بجواز قتال المشركين في جميع الأمكنة والأزمنة، وهذه الآية خاصة بالمنع من القتال في الأشهر الحرم، ولا تعارض بين خاص وعام. وهذا هو الراجح، وإليه ذهب بعض المحققين (^٢).
٣ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
_________________
(١) انظر المصدر السابق ١/ ٤٨٦.
(٢) انظر المصدر السابق ١/ ٥٣٩.
[ ٢١ ]
فذهب أكثر العلم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى قبلها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [الآية: ٢٣٤].
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآيتين محكمتان، فالآية الأولى في وجوب التربص أربعة وعشرًا على وجه التحتيم على المرأة، والآية الثانية وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم حولًا كاملًا؛ جبرًا لخاطرها، وبرًّا بميتهم، وهذا هو الراجح؛ لأنه إذا استقام عمل الآية على هذا المعنى فلا مُوجب للقول بنسخها بالآية التي قبلها (^١).
٤ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
جاء في بعض الآثار أن هذه الآية نُسخت بقوله تعالى بعدها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والصحيح أن الآيتين محكَمتان، وأن الآية الثانية لم تنسخ الآية الأولى، وإنما نسخت وأزالت ما وقع في نفوس بعض الصحابة من فهمهم أن في الآية الأولى التكليف بما لا يطاق، والمعاقبة على ما في أنفسهم، وهذا لم تدل عليه الآية، وإنما دلت فقط على المحاسبة على ذلك دون المعاقبة؛ ولهذا لا تنافيَ بينها وبين الآية الثانية يُوجِب القولَ بالنسخ.
قال ابن تيميَّة (^٢): «وكذلك ينسخ الله ما وقع في نفوس من فهم المعنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه مُحتمل، وهذه الآية من هذا الباب، فإن قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآيةَ، إنما يدل على أن الله يحاسب على ما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس» (^٣).
٥ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [الآيتين: ١٥ - ١٦].
ذهب أكثر أهل العلم- بل حكى بعضهم الإجماعَ- على نسخ هاتين الآيتين بالحدود، مع اختلافهم بالناسخ لهما.
_________________
(١) انظر المصدر السابق ٢/ ٨٩.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» ١٤/ ١٠١.
(٣) انظر: «الناسخ والمنسوخ» بتحقيقنا ٢/ ١٢٤.
[ ٢٢ ]
وعند التأمل في هاتين الآيتين نجد الأولى منهما مُغيَّاةً بغايةٍ ينتهي حكمُها عند حلول تلك الغاية، وهي قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد جاء السبيل بوجوب رجم المحصن، وجلد غير المحصن مئة جلدة، وتغريب عام، وهذا لا يسمَّى نسخًا على المعنى الصحيح للنسخ.
ونجد الآية الثانية فيها الأمر بأذاهما، وما شرعه الله تعالى من رجم المحصَن، وجلد غير المحصن وتغريبه نوع من الأذى، فهو بيان للآية، والبيان لا يُعد نسخًا.
وهذا هو الراجح، فالآيتان محكَمتان (^١).
٦ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [الآية: ٣٣].
أي: والذين تعاهدتم وتحالفتم وإياهم بالأيمان والمواثيق المؤكدة المغلظة، وكان هذا في الجاهلية، الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، وكانوا يتوارثون بالحلف.
وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال كثير من المفسرين: من الميراث.
قالوا: ونسخ هذا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقال بعضهم: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصرة والمعونة، والنصيحة والرأي، والعقل، دون الميراث.
فالآية محكمة غير منسوخة؛ لأنه لا تعارض بينها وبين آية المواريث، وهذا هو الراجح (^٢).
يضاف إلى هذا أن الإسلام قد أبطل الحِلف، كما جاء في حديث جُبير بن مُطعِم -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا حِلفَ في الإسلام، وأيما حلفٍ كان في الجاهليةِ فإن الإسلام لم يَزِدْهُ إلا شدةً» (^٣).
وبهذا يتبين أن الآيات التي نُسخت من القرآن الكريم لا تتجاوز خمس آياتٍ فقط، وما عداها مما قيل بنسخه فهو محكَم غير منسوخ، ولله الحمد.
_________________
(١) انظر المصدر السابق ٢/ ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) انظر المصدر السابق ٢/ ٢٠٦.
(٣) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٠)، وأبو داود في الفرائض (٢٩٢٥)، وأحمد ٤/ ٨٣ (١٦٧٦١).
[ ٢٣ ]