للدعاء فضائل عظيمة، وثمار كثيرة، وفوائد جليلة، وآثار كبيرة، اجتمعت فيه أنواع الصبر كلها؛ الصبر على طاعة الله تعالى بالدعاء، وعظيم الرجاء، والصبر عن معصية الله تعالى بعدم التسخط والقنوط واليأس من رحمة الله تعالى، وترك الدعاء، والصبر على أقدار الله المؤلمة إن طال البلاء، وتأخرت إجابة الدعاء.
ومن أهم فضائل الدعاء وثماره وفوائده وآثاره ما يلي:
١ أن الدعاء طاعة وعبادة لله -﷿-، أمر به وحث عليه، وبه يخلص العبد من الكبر، وينجو من الوعيد الشديد، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]؛ أي: فاعبدوا الله مخلصين له العبادة.
وعن النعمان بن بَشير -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
[ ١٥١ ]
دَاخِرِينَ﴾ (^١) [غافر: ٦٠].
٢ أنه أكرم شيء على الله تعالى؛ فعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «ليس شيء أكرم على الله -﷿- من الدعاء» (^٢).
٣ أنه سبب لمحبة الله تعالى، واندفاع غضبه -﷿-؛ فعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (^٣).
وكان سفيان الثوري -﵀- يقول: «يا من أحبُّ عباده إليه من سأله فأكثرَ سؤالَه، ويا من أبغضُ عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب» (^٤).
قال الشاعر:
لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً … وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجَبُ
فاللهُ يغضبُ إن تركتَ سؤالَهُ … وبُنَيُّ آدمَ حِينَ يُسألُ يَغضَبُ (^٥)
قال ابن القيم (^٦): «والرب تعالى كلما سألتَه كرُمت عليه، ورضي عنك وأحبك، والمخلوق كلما سألته هُنتَ عليه، وأبغضك، ومَقَتَكَ وقَلاك، وقبيحٌ بالعبد أن يتعرض لسؤال العبيد، وهو يجد عند مولاه كل ما يريد».
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الوتر (١٤٧٩)، والترمذي في التفسير (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، وفي الدعوات (٣٢٧٢) وابن ماجه في الدعاء (٣٨٢٨). قال الترمذي في المواضع الثلاثة: «حسن صحيح». وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (١٢٤).
(٢) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٣٧٠)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٢٩)، وأحمد ٢/ ٣٦٢ (٨٧٤٨)، وابن حبان ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (٨٧٠)، والحاكم (١/ ٤٩٠). وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووفقه الذهبي. وحسنه الألباني في «التعليقات الحسان» (٨٦٧).
(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٣٧٣)، وأحمد ٢/ ٤٤٢ (٩٧٠١)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٥٨). وصححه الألباني في تحقيقه «الأدب المفرد».
(٤) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٢/ ٢٨٤).
(٥) البيتان مجهولا النسبة، انظر: «شعب الإيمان» للبيهقي (٢/ ٣٥)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٥/ ١٦٤)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٩).
(٦) في «مدارج السالكين» (٢/ ١٣١).
[ ١٥٢ ]
٤ أنه دليل على قوة الإيمان بالله -﷿-، والتوكل عليه، وتمام الثقة به سبحانه، واستمداد العزة والقوة منه -﷿- وحده، والتعلق به وحده، ورجائه وخوفه وحده، وقطع الطمع فيما سواه، من جميع الخلق، كما قال تعالى عن زكريا وابنه يحيى وزوجه -﵈-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): «كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته لقضاء حاجته ودفع ضرورته قوِيت عبوديته لله، وحريته مما سواه».
٥ أن في الدعاء لذة المناجاة، وانشراح الصدر، وزوال الهموم والغموم، وتيسير الأمور، كما قال ابن تيمية -﵀-: «وليكثر من الدعاء؛ فإنه مِفتاح كل خير» (^٢).
فبملازمة الدعاء ينتقل العبد من الحزن واليأس والقنوط والجزع والضيق، إلى السعادة والتفاؤل والسعة والرضا والطمأنينة، وحسن الظن بالله -﷿-.
قال ابن وهيب الحِميري:
وإني لأدعو الله حتى كأنني … أرى بجميلِ الظنِّ ما اللهُ صانِعُ (^٣)
وقال الآخر:
وإني لأدعو الله والأمرُ ضيِّقٌ … عليَّ فما يَنفَكُّ أنْ يَتفرَّجا
ورُبَّ فتًى ضاقتْ عليه وجوهُه … أصاب له في دعوةِ اللهِ مَخرَجا (^٤)
٦ أن الدعاء ملاذ المضطرين؛ قال الله -﷿-: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
فبالدعاء أنجى الله نوحًا -﵇- ومن معه في الفُلك، وأغرق المكذبين من قومه.
وبالدعاء وهب الله -﷿- لإبراهيم -﵇- على الكِبَرِ إسماعيل وإسحاق، وكانت امرأته
_________________
(١) انظر: «العبودية» (ص ٩٤ - ٩٥).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٦١).
(٣) انظر: «عيون الأخبار» لابن قتيبة (٢/ ٣١٠)، و«بهجة المجالس، وأنس المجالس» لابن عبد البر (٢/ ٣٨٠).
(٤) انظر: «عيون الأخبار» لابن قتيبة (٢/ ٣١١)، و«الفرج بعد الشدة» للتنوخي (٥/ ٦٩).
[ ١٥٣ ]
عقيمًا، وجعل كلًّا منهما نبيًّا.
وبالدعاء غفر الله لموسى -﵇-، وأهلك فرعون وقومه.
وبالدعاء عصم الله -﷿- يوسف -﵇- من الفاحشة.
وبالدعاء كشف الله -﷿- الضر عن أيوب -﵇-.
وهو مفزع المظلومين، ولهذا قال -ﷺ- لمعاذ ﵁: «واتقِ دعوةَ المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (^١).
قال الشاعر:
لا تظلِمنَّ إذا ما كنتَ مُقتدِرًا … فالظُّلمُ يَرجع عُقباه إلى النَّدَمِ
تنام عينُك والمظلومُ مُنتبِهٌ … يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ! (^٢)
وقال الشافعي (^٣):
أتهزَأُ بالدعاءِ وتَزدَرِيهِ … وما تدري بما صنَع الدعاءُ؟!
سِهامُ الليلِ لا تُخطي ولكن … لها أمدٌ وللأمدِ انقضاءُ
والدعاء ملاذ المضطرين، حتى من المشركين، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [لإسراء: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣، ٦٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة (١٤٩٦)، وفي المظالم والغصب (٢٤٤٨)، ومسلم في الإيمان (١٩)، وأبو داود في الزكاة (١٥٨٤)، والنسائي في الزكاة (٢٥٢٢)، والترمذي في الزكاة (٦٢٥)، وابن ماجه في الزكاة (١٧٨٣) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٢) البيتان لعلي بن أبي طالب -﵁-. انظر: «ديوانه» (ص ٤٠٦).
(٣) انظر: «ديوانه» (ص ١٠٩).
[ ١٥٤ ]
مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
٧ أنه سبب لدفع البلاء، ومنعه قبل نزوله، ورفعه بعد نزوله، ورد القدر بإذن الله -﷿- وتقديره.
عن ثَوبانَ -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يَرُدُّ القَدَرَ إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرَمُ الرزقَ بالذنبِ يصيبه» (^١).
قال ابن القيم (^٢): «والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه ويعالجه، يمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن».
٨ أنه سبب لتأكيد الأخوة الإيمانية بين المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وعن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملَك: ولك بمثل» (^٣).
٩ أنه يسير لا يحتاج إلى كُلفة وتعب، وفي الحديث: «أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخِل بالسلام» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الفتن (٤٠٢٢)، وأحمد ٥/ ٢٧٧ (٢٢٣٨٦)، وصححه ابن حبان ٣/ ١٥٣ (٨٧٢)، والحاكم (١/ ٤٧٣). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (١٤٥٢)، وفي «ضعيف الترغيب والترهيب» (١٤٧٣، ١٤٧٨).
(٢) في «الداء والدواء» (ص ١).
(٣) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء (٢٧٣٢)، وأبو داود في الصلاة (١٥٣٤).
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ٣٧١ (٥٥٩١)، وأبو الشيخ في «أمثال الحديث» (٢٤٧)، والبيهقي في «شعيب الإيمان» (٦/ ٤٢٩) من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا. قال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٢١): «رواه الطبراني في «الأوسط»، وقال: لا يروى عن النبي -ﷺ- إلا بهذا الإسناد، ورجاله رجال الصحيح غير مسروق بن المرزبان، وهو ثقة». وحسن سنده الألباني في «الصحيحة» (٦٠١)، وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (١٠١٥)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١٣/ ١٩٧ (٢٦٢٦١)، وأبو يعلى في «مسنده» ١٢/ ٥٢٧ (٦٦٤٩)، وابن حبان في «صحيحه» ١٠/ ٣٤٩ (٤٤٩٨) موقوفًا على أبي هريرة -﵁-.
[ ١٥٥ ]