ينقسم الغلو في الدين إلى قسمين:
١ القسم الأول: الغلو في العقيدة: كقول اليهود: عُزَيرٌ ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله. تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وكقول بعضهم للنبي -ﷺ-: «أنت سيدنا وابن سيدنا»، ولهذا قال -ﷺ-: «أيها الناس، قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله» (^٢).
ومن هذا قول البوصيري في «البردة» (^٣):
يا أكرمَ الخلقِ ما لي من أَلُوذُ به … سواك عند حلولِ الحادث العَمِمِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥)، وأحمد ١/ ٢٣، ٢٤ (١٥٤، ١٦٤) من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب -﵃-.
(٢) أخرجه أبو داود في الأدب (٤٨٠٦)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٧٠ (١٠٠٧٦). وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٥/ ٢١١) من حديث مطرف بن عبد الله عن أبيه -﵁-.
(٣) ص ٢٢.
[ ١٤١ ]
إن لم تكنْ في معادي آخِذًا بيدي … فضلًا وإلا فقُلْ يا زلةَ القدمِ
فإنَّ من جُودك الدنيا وضَرَّتها … ومن علومك علم اللوحِ والقَلَمِ
ومن ذلك الغلو بآل البيت كما يفعل الرافضة- أخزاهم الله تعالى- والغلو بالصالحين، والطواف حول قبورهم، كما يفعل غلاة المتصوفة وغيرهم في كثير من البلاد الإسلامية.
٢ القسم الثاني: الغلو في العمل: كرهبانية النصارى، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧].
ومن هذا ما أراده عثمان بن مظعون ومن معه -﵃- من التبتل بالصيام والقيام، وترك الزواج؛ ولذا قال لهم النبي -ﷺ-: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، وإني أصوم وأُفطِر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمَن رغِب عن سنتي فليس مني» (^١).
ولهذا نهى -ﷺ- عن صوم الدهر، وقيام الليل كله، وبيَّن أن أفضل الصيام والقيام: صيام داود -﵇- وقيامه: «كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه، ويصوم يومًا ويُفطِر يومًا» (^٢).
وقال -ﷺ- لعبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- في ختم القرآن: «اقرأْه في ثلاث ولا تزد على ذلك» (^٣).
ومن هذا ما جاء في قصة أبي الدرداء وسلمان الفارسي -﵄-، لما زار سلمان أبا الدرداء وجد أم الدرداء متبذِّلة، وسألها، فقالت له: «أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في
_________________
(١) أخرجه البخاري في النكاح (٥٠٦٣)، ومسلم في النكاح (١٤٠١)، والنسائي في النكاح (٣٢١٧) من حديث أنس -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة (١١٣١)، ومسلم في الصيام (١١٥٩)، وأبو داود في الصوم (٢٤٤٨)، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار (١٦٣٠)، وابن ماجه في الصيام (١٧١٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-.
(٣) أخرجه البخاري في الصوم (١٩٧٨) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-.
[ ١٤٢ ]
الدنيا». فأنكر عليه سلمان، وقال له: «إن لربِّك عليك حقَّا، ولزوجك عليك حقَّا، ولزَوْرِك عليك حقَّا، فأعطِ كل ذي حق حقَّه» (^١).