مما يجب التنبيه عليه، وهو من الأهمية بمكان، أنه ينبغي للمسلم أن يحرص كل الحرص على الأدعية الواردة في القرآن الكريم، وفي سنة المصطفى -ﷺ- الذي أُعطي جوامع الكلم والأدعية المأثورة، فإن هذه الأدعية جامعة مانعة، ومن دعا بها فهو حريٌّ بالإجابة بإذن الله -﷿- مع انتفاء الموانع.
وينبغي عدم الاغترار بما أحدثه الناس من تخصيص بعض الأدعية المسجوعة المتكلفة التي لا يخلو الكثير منها من الاعتداء بالدعاء الذي نهى الله عنه ورسوله، كما يفعل الكثير من أئمة المساجد في القنوت، وعند ختم القرآن، إضافة إلى المبالغة في رفع أصواتهم في الدعاء- مما يؤدي إلى مبالغة المأمومين برفع أصواتهم في التأمين- وكذا الإطالة في ذلك مما لا نسبة بينه وبين الصلاة، وكل هذا مما يخالف السنة، قال الله تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] أي: المعتدين في الدعاء.
ولما رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال -ﷺ-: «أيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تَدْعُونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته» وفي رواية: «إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جدُّه» (^٢).
ولهذا ينبغي لأئمة المساجد- وفَّقهم الله وهداهم- أن يتقوا الله في أنفسهم وفيمن
_________________
(١) أخرجه مسلم في الجنائز (٩٢٠)، وابن ماجه في الجنائز (١٤٥٤)، وأحمد ٦/ ٢٩٧ (٢٦٥٤٣).
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٩٢)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٤)، وأبو داود في الصلاة (١٥٢٦)، والترمذي في الدعوات (٣٣٧٤) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.
[ ١٩٤ ]
يصلون خلفهم، فيحرصوا على أدعية الكتاب والسُّنة، والمأثور عن سلف الأمة، ويلزموا طريق القصد؛ فإن ذلك أحرى بالقبول والإجابة.
كما ينبغي أن يُعلم أن الشرع كله مبني على الاتباع لا على الابتداع، ولهذا لما علَّم النبي -ﷺ- البراء بن عازب -﵁- الدعاء الذي يُقال عند النوم: «اللهم أسلمت نفسي إليك» … إلى قوله: «آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت» قال البراء: ورسولك الذي أرسلت، فقال النبي -ﷺ-: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (^١).
ومن هنا يُعلم أهمية الاتباع في الأذكار والأدعية وغيرها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والمشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة؛ فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتبع فيه ما شُرع وسُن، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره- وإن كان من أحزاب بعض المشايخ- الأحسن له ألا يفوته الأكمل الأفضل، وهي الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف وقد يكون في عَيْنِ الأدعية ما هو خطأ أو إثم، أو غير ذلك.
ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي -ﷺ-، وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم، وإمام الخلق، وحجة الله على عباده، والله أعلم» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣١١)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧١٠)، وأبو داود في الأدب (٥٠٤٦)، والترمذي في الدعوات (٣٥٧٤) من حديث البراء بن عازب -﵁-.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٥٢٥).
[ ١٩٥ ]