يبدأ الفصل الأول بمناقشة معنى "النور" فى عرف العامة وعرف الخاصة، ثم فى عرف خاصة الخاصة وذلك تمهيدًا لبيان أن الله تعالى هو نور الأنوار أو النور الأعلى الأقصى، وأنه النور الحق والحقيقى الذى تنبعث منه سائر
[ ١١ ]
الأنوار التى لا تسمى أنوارًا إلا على طريق المجاز. فكأن الغزالى بدأ بقضية اعتبرها بديهية أو مسلمة، وهى أن للعالم أصلاَ مغايرًا له وأن هذا الأصل هو النور الحقيقي أو النور بالذات، ثم اتخذ خطوات تدريجية لا لإثبات وجود ذلك النور بل لتقرير وجوده.
والنور بالمعنى العامى هو ما يُبْصَر بنفسه ويبصر به غيره كنور الشمس والقمر والسراج والنار المشتعلة. ولكن لما كان هذا النور لا يُبصَر ولا يُدرَك إلا إذا وجدت عَيْن تبصره، اعتُبِر الروح الباصر ركنًا في إدراكه وكان أولى بأن يطلق عليه اسم النور من النور الظاهر.
هذه أول خطوة خطاها الغزالى في الترقى في معنى النور وفي تجريده، إذ انتقل من النور الظاهر المحسوس إلى نور آخر غير ظاهر وغير محسوس: وهذا النور الآخر هو النور في عرف الخاصة.
ثم نظر الغزالى في "نور العين" فإذا به موسوم بأنواع كثيرة من النقصان: فهو يبصر غيره ولا يبصر نفسه، وهو لا يبصر من الأشياء إلا ظاهرها، ولا يبصر الأشياء المفرطة في القرب والبعد، ولا يبصر إلا المتناهى؛ ويرى الصغير كبيرًا والكبير صغيرًا، والساكن متحركًا والمتحرك ساكنًا وهكذا.
ولكن في الإنسان "عينًا" ليس فيها شىء من هذه النقائص وهى "العقل" أو الروح أو النفس الإنسانية: لذلك كانت أولى باسم النور من العين الباصرة. هذه هى الخطوة الثانية التى خطاها الغزالى في تجريد النور حيث وصل إلى نور عقلى به يبصر الإنسان نفسه وغيره، ويدرك المتناهى واللامتناهى، والأشياء المفرطة في البعد والقرب، ويدرك ما وراء الحجب، وينفذ إلى بواطن الأمور وأسرارها وحقائقها، والعالم أعلاه وأسفله؛ بل يدرك الخالق جل شأنه ويدرك نسبته إليه.
إلا أن العقل على الرغم من كل هذه الكمالات التى من أجلها استحق اسم النور أكثر مما استحقه نور البصر لا يدرك مدركاته على درجة واحدة؛ فمن الأشياء ما يدركه إدراكًا مباشرًا في جلاء ووضوح، وبعضها مالا يدركه إلا إذا نُبّه إليه من مصدر حَكيم. والقرآن أعظم منبه للعقل لأنه أعظم حكمة.
[ ١٢ ]
ومن هنا كان القرآن أولى باسم النور من العقل، وورد وصفه بالنور في قوله تعالى: ﴿والنور الذي أَنزَلْنَا﴾، وفي قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ .
هذه هى الخطوة الثالثة في تجريد النور إذ نحن الآن بإزاء نور ليس من أنوار هذا العالم، بل من أنوار عالم الملكوت الذى منه القرآن. وعالم الملكوت هو العالم العلوى الذى تسكنه الملائكة وتعرج إليه نفوس السالكين. وهو عالم الغيب الذى يعتبر عالم الشهادة أثرًا من آثاره وظلًا له ومسبّبًا عنه. وهو عالم مشحون بالأنوار.
ثم إن أنوار عالم الملكوت التى تقتبس منها الأنوار الأرضية مرتَّبة بحسب قربها وبعدها من منبع النور الأول الذى يمثله الغزالى بضوء القمر عندما يدخل في كوة بيت فيقع على مرآة منصوبة على حائط، ثم ينعكس منها على مرآة على حائط آخر، ثم ينعطف إلى الأرض فينيرها. فهو نور واحد ظهر عنه بواسطة الانعكاسات أنوار كثيرة مستعيرة وجودها منه لأنه لا يمكن أن يشتق بعضها من بعض إلى غير نهاية، بل لا بد أن ترتقى إلى منبع النور الأول الذى هو النور بالذات أو النور الحقيقى أو النور المحض (الله) الذى لا يسمى غيره باسم النور إلا مجازًا.
هذا النور الحق هو الذى بيده الخلق والأمر، ومنه الإنارة أولًا وإدامة الإنارة ثانيًا، ولا شركة لنور غيره في حقيقة اسم النور ولا استحقاقه.
ويقابل النور الظلمة. وإذا كان النور هو الوجود المحض، فالظلمة هى العدم المحض، لأن المعدوم ليس موجودًا لنفسه ولا لغيره. ولكن الغزالى لا يستعمل كلمتى النور والظلمة كما يستعملان في مذهب الثنوية الفارسية بمعنى مبدأين متعارضين متصارعين. وإنما النور عنده هو الوجود الإيجابى والعدم هو سلب الوجود. ولما كان الوجود ينقسم إلى ما له هذه الصفة من ذاته وإلى ما هى له من غيره؛ ولما كانت نسبة الوجود إلى هذا الأخير إنما هى من حيث إضافته إلى غيره لا من حيث ذاته، اعتبر في حكم
[ ١٣ ]
العدم المحض. وهذا هو شأن العالم أو كل ما يطلق عليه اسم "ما سوى الله". فهو في ذاته عدم محض، والوجود الحق هو الله تعالى كما أنه هو النور الحق. وليس هذا الكلام ضربًا من المجاز في التعبير في نظر الغزالى، بل هو الحق الصريح؛ كما أنه ليس نتيجة لمقدمات نظرية وضعها العقل، بل هو حقيقة يشاهدها العارفون مشاهدة عيانية عندما يرقون في معراجها الروحي "من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة" فيدركون ذوقًا معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ لا بمعنى أن كل شىء سوى الله يصير هالكًا في وقت من الأوقات، بل بمعنى أن كل شىء سوى الله هالك أزلًا وأبدًا ولا يتصور إلا كذلك. أما الموجود فهو وجه الحق وحده؛ والله تعالى هو المتفرد بالملك أزلًا وأبدًا، في هذه الدنيا وفي الآخرة. وليس نداء الله في المخلوقات يوم القيامة بقوله ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ قاصرًا على يوم القيامة، بل إنه لا يفارق سمع المخلوقات أبدًا في هذه الدنيا.
وهكذا وصل الغزالى في نهاية تفكيره إلى نظرية أشبه ما تكون بنظرية وحدة الوجود؛ ومن العسير صرفها عن هذا المعنى إلا إذا اعتبرت أقواله من قبيل الشطح الصوفي، ولم يؤثر عن الغزالى أنه كان من أصحاب الشطحات. فهو يقرب قربًا عجيبًا من أصحاب وحدة الوجود حينما يقول "إن العالم بأسره مشحون بالأنوار.. ثم ترقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول؛ وأن ذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقى نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل؛ بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز.. بل كما أنه لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، لأن "هو" عبارة عما إليه إشارة كيفما كان، ولا إشارة إلا إليه". إنه لا يقول صراحة إن الحق هو الخلق وإنهما وجهان لحقيقة واحدة لا فرق بينهما إلا بالاعتبار كما قال ابن عربى من بعده، ولكنه يقول لا موجود على الحقيقة إلا الله، وإن العالم لا وجود له إلا من حيث انعكاس وجود الحق فيه كانعكاس ضوء القمر على صفحة المرايا المتعددة. وهذه في نظره حقيقة يقرها العقل ويؤيدها الكشف الصوفي. وهو يفرّق في نهاية المطاف بين
[ ١٤ ]
توحيد العوام وهو القول بلا إله إلا الله، وتوحيد الخواص وهو لا إله إلا هو، و"هو" - كما قلنا - هو كل ما يشار إليه. وتوحيد الخواص عنده "أتم وأخص وأشمل وأحق وأدق وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية".
ولم نجد في كتب الغزالى الأخرى - فيما نذكر - مثل هذا التصريح بالوحدة الوجودية؛ وكل ما قاله في الإحياء "ليس في الوجود إلا الله وآثاره والكون كله من آثاره" وفي ذلك اعتراف منه بوجود الكون إلى جانب وجود الله، وفيه إغلاق للباب في وجه وحدة الوجود. فهل نرى في "المشكاة" تحولًا في موقف الغزالى من الحقيقة الوجودية، وميلًا واضحًا نحو نزعة الصوفية القائلين بوحدة الوجود؟ إننا إذا أخذنا بمثال ضوء القمر والمرايا التى ينعكس عليها ضوؤه، قد نسلم له بأن الأنوار المنعكسة على المرايا لا وجود ولا حقيقة لها في ذاتها، مع أنها موجودة ونراها رؤيا العين، وإنما هى في الحقيقة انعكاسات للنور الأول الذى هو نور القمر. ولكن ما قوله في المرايا نفسها، وأي شىء يقابلها في تمثيله؟ هل يفكر الغزالى في شىء أشبه بالهيولى الأولى التى قال بها الفلاسفة لكى تنعكس عليها الأنوار الإلهية؟ ولكن الغزالى ينكر كل الإنكار وجود مادة قديمة للعالم ويقرر أن العالم مخلوق حادث من عدم.
والظاهر لى أن الغزالى باستعماله هذا التمثيل (تمثيل ضوء القمر والأنوار المنعكسة منه) يعقّد مشكلة صدور العالم عن الله ولا يحلها على أساس عقلى، فهل أسعفته التجربة الصوفية في حلها؟ إنه يذكر العارفين الذين لا يرون في الوجود إلا الواحد الحق لأنهم يشعرون في حال وجدهم أو فنائهم بوحدة شاملة لا يشهدون فيها إلا الله، ولا يكون في تجربتهم متسع لذكر غير الله ولا لذكر أنفسهم؛ ولذلك يصيح بعضهم بقوله "أنا الحق" كما فعل الحلاج، ويصيح الآخر بقوله "سبحانى ما أعظم شانى! ". ولكن هذه "وحدة شهود" لا وحدة وجود. والشعور بوحدة الشهود حال عارضة سرعان ما تزول عند ما يرد الصوفي إلى سلطان العقل ويعرف "أن
[ ١٥ ]
ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا". ويقول الغزالى إن شعور العارف في حال فنائه عن نفسه وعن الخلق وبقائه بالحق يسمى اتحادًا مجازًا وتوحيدًا على الحقيقة: أى توحيدًا بمعنى أنه لا يشهد في الوجود إلا الله وحده. ولعل مما يرفع عن الغزالى شبهة القول بوحدة الوجود ما يذكره في نهاية هذا الفصل في معنى قولنا "إن الله مع كل شىء كالنور مع الأشياء" حيث يقرر أنه "مع كل شىء" بمعنى أنه قبل كل شىء، وفوق كل شىء ومظهر لكل شىء. فقوله "قبل كل شىء" إقرار بقدم الله تعالى؛ وقوله "فوق كل شىء" معناه تنزيهه تعالى، والتنزيه بمعناه الدينى الحقيقى لا يتفق مطلقًا مع القول بوحدة الوجود.
هذا وقد أثار "فنسنك" موضوع الصلة بين هذا الفصل من المشكاة وتساعات أفلوطين في مقال له نشر سنة ١٩٤١ في Semietische Studien uit de nalatenschap ذهب فيه إلى أن الغزالى استمد مادة هذا الفصل من الفصل الخامس من التساع الرابع، وهو الفصل الذى يعالج فيه أفلوطين موضوع الإبصار. وقد نشر الدكتور عبد الرحمن بدوى في كتابه "أفلوطين عند العرب: ص ١٨٩ - ١٩٢" شذرات من ترجمة عربية قديمة لهذا الفصل منسوبة إلى الشيخ اليونانى (أفلوطين) وقال إن هذا يدل على أن الفصل قد ترجم إلى اللغة العربية وأن في الإمكان اطلاع الغزالى عليه.
ولكن فصل أفلوطين يعالج نظريته في الرؤية البصرية وكيفية انتقال الصورة المرئية إلى العين، ويناقش فكرة الوسيط الذى تنتقل الصورة بواسطته، ولا صلة لهذا كله بمسائل الفصل الأول من المشكاة.
أما الدكتور عبد الرحمن بدوى فيرى أن المصدر الذى يمكن أن يكون الغزالى قد تأثر به هو الفصل الخامس من التساع الخامس لأفلوطين؛ وأن هذا الفصل قد ورد ملخصًا في "رسالة العلم الإلهى" المنسوبة إلى الفارابى وهى في نظره مقتطفات من هذا التساع.
وقد نشر الدكتور بدوى رسالة الفارابى المزعومة في كتابه "أفلوطين عند العرب". وبالرجوع إليها لم أجد ما يدل على انتفاع الغزالى بها في رسالة المشكاة فيما عدا فقرة قصيرة تشير إلى أن فعل الفاعل الأول هو العقل، وأن العقل ضوء سائح من ذلك الجوهر كما يسيح ضوء الشمس على الأشياء من الشمس. على العكس وجدت أن برسالة العلم الإلهى ما يتعارض تعارضًا صريحًا مع آراء الغزالى، لأنها تنزع نزعة واضحة نحو مذهب الفيوضات الذى قال به أفلوطين، والغزالى ينكر نظرية الفيوضات في كتاب "تهافت الفلاسفة" ويصف القائلين بها بالخبل العقلى. وقد بينت كيف يصور الغزالى الصلة بين نور الأنوار (الله) و"المطاع"، ثم بين "المطاع" وسائر الموجودات، وأوضحت أن هذه الأخيرة صلة خلق لا صلة فيض بالمعنى الأفلوطينى. نعم يستعمل الغزالى كلمات النور والانبثاق والفيض ونحوها في تصوير عملية الخلق، ولكن الأنوار التى ترقي في جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول أنوار مستعارة من هذا النور الأول ولا حقيقة لها في ذاتها في حين أن الفيوضات الأفلوطينية موجودات حقيقية لكل منها وجوده الخاص. ولا يقول أفلوطين إنها على الحقيقة هى الواحد الأول.
وأى مبرر يحملنا على القول بأن الغزالى قد تأثر في لغته الفلسفية في المشكاة برسالة "العلم الإلهى" المنسوبة إلى
[ ١٦ ]
الفارابى أكثر من تأثره بكتاب أثولوجيا أرسطاطاليس وقد كان المصدر الأول لعلم الإسلاميين بالفلسفة الأفلاطونية الحديثة؟. إن الغزالى وكثيرين غيره من فلاسفة المسلمين يستعملون مصطلحات الأفلاطونية الحديثة ولكنهم يقرءون فيها معانى جديدة ويوجهونها توجيهًا جديدًا يخرجها عن معناها الأصلى. وفي هذا كان ابتكار المسلمين وأصالتهم لا تبعيتهم.
[ ١٧ ]