هذا الفصل تتمة طبيعية للفصلين الأول والثانى وليس مقحمًا على الرسالة غير متصل بها كما ذهب إليه بعض الكتاب على نحو ما سنشير إليه فيما بعد. وذلك أن الغزالى بعد أن قرر في الفصلين السابقين أن أولى الأنوار وأحقها باسم النور هو النور الإلهى، وأن هذا النور متجل بجميع مراتبه في الإنسان، أخذ يشرح في هذا الفصل الحجب التى قد تستر هذا النور وتحول دون معرفة الله وحقيقة الوجود، وأدار محور كلامه حول الحديث القائل "إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره". وهو يحصر المحجوبين في ثلاثة أنواع:
[ ٢٢ ]
(ا) المحجوبين بالظلمة المحضة،.
(ب) المحجوبين بنور مقرون بظلمة.
(ج) المحجوبين بمحض الأنوار.
والظاهر أنه يقصد بالحجاب الظلمانى كل ما كان ماديًا أو متصلًا بالمادة من طريق مّا؛ وبالحجاب النورانى كل ما كان عقليًا. ولذلك يدخل تحت المحجوبين بالحجب الظلمانية البحتة الملاحدة والدهرية الذين استولى عليهم سلطان الحس فأنكروا الأديان والبعث، وفسروا وجود العالم على أساس مادى بحت؛ كما يدخل معهم المحجوبون بنفوسهم الكثيفة الكدرة وشهواتهم وملاذهم مما جعلهم يتخذون الهوى إلها من دون الله ويعتبرون اللذة البهيمية ونيل الشهوات الغاية القصوى من الحياة، فإذا ارتفعوا عن هذا الحضيض درجة اعتبروا التسلط والغلبة والاستيلاء، أو ذيوع الصيت واتساع الجاه غايتهم. هذه كلها من الحجب الظلمانية البحتة.
أما المحجوبون بالنور المشوب بظلمة فيدخل فيهم كل من غلب على تفكيره الدينى نزعة حسية، أو خيالية تحول بينه وبين رؤية الحقيقة خالصة. من هؤلاء عبدة الأوثان الذين يفكرون في صفات الألوهية ولكنهم يخلعونها على المخلوقات المادية المحسوسة. ومنهم من يرتفع بإلهه عن معنى الحصر والتقييد في صورة معينة ويعبد الجمال المطلق في أي صورة من صوره: الجمال المطبوع لا المصنوع. ومنهم عبدة النار الذين يرون فيها معنى القهر والسلطان والقوة والبهاء، وهى كلها من صفات الله وأنواره، ولكنهم يصفون بها مخلوقًا ماديًا محسوسًا. ومنهم عبدة الكواكب كالشّعَرى، والمشترى والشمس. أو عبدة النور المطلق وهم ثنوية الفرس. هؤلاء جميعًا محجوبون بظلمة ممزوجة بنور؛ أما الظلمة فراجعة إلى ماديتهم في تصورهم للألوهية، وأما النور فراجع إلى الصفات الإلهية التى يخلعونها على معبودهم المادى.
ومن هذه الطائفة أيضًا من غلب على تفكيرهم ظلمة الخيال كالمجسمة والكرامية الذين قالوا بوجود إله متجسم جالس على العرش؛ أو الذين
[ ٢٣ ]
يثبتون لله الجهة - وجهة فوق بوجه خاص. وهنالك صنف ثالث محجوب بالأنوار الإلهية مقرونة بأدلة عقلية فاسدة؛ وهؤلاء هم الصفاتية الذين يثبتون لله صفات كالكلام والسمع والبصر ونحوها، ويقيسونها على الصفات الإنسانية، فيقولون إن لله كلامًا هو صوت، أو هو حديث نفس مثل كلامنا النفسى.
أما المحجوبون بالأنوار المحضة فمنهم الفلاسفة الذين تحاشوا إطلاق اسم الكلام والسمع والبصر والإرادة على الله على نحو إطلاقها على البشر، ونزهوه عن هذه الصفات فلم يعرّفوه بها بل عرفوه بالإضافة إلى أثره في الكون بأن قالوا "إنه محرك السماوات". ومنهم من أدركوا أن وصف الله بأنه محرك السماوات يقتضى كثرة في ذاته لتعدد الأفلاك وتنوعها، فنسبوا حركة الأفلاك إلى عقول (ملائكة) كل منها خاص بفلكه، ولكنها كلها تتحرك بحركة الفلك الأقصى الذي يحركه الله تحريكًا مباشرًا.
ولكن من هذه الطبقة من المحجوبين من ترقوا عن هؤلاء وزعموا أن تحريك الأفلاك بطريق المباشرة ينبغى ألاَّ يكون من فعل الله، بل من فعل عقل أو ملك يقوم بهذا الفعل طاعة لله وعبادة. وعلى زعمهم هذا يصح أن يسمى الله باسم "المطاع" من جهة أنه يحرك الكل بطريق الأمر لا بطريق المباشرة. هذه هى أصناف المحجوبين التى عددها الغزالى، وهى تشمل - على نحو ما ذكرنا - الوثنيين والدهريين والماديين وغيرهم من الملاحدة، كما تشمل المجسمة والمشبهة والصفاتية من المتكلمين وتشمل الفلاسفة الذين أخذوا بمذهب أرسطو أو بمذهب أرسطو ممزوجًا بمذهب أفلوطين.
أما الرأى الذى يرتضيه الغزالى نفسه، وهو الرأى الذى يقول به "الواصلون" كما يسميهم، فهو أن "المطاع" على الحقيقة هو "الأمر الإلهى" الذى ورد ذكره في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . فهو ليس ملكًا من الملائكة (بالمعنى الدينى) ولا هو العقل الأول الذى قال به فلاسفة الأفلاطونية الحديثة، ولا هو الله نفسه، ولا هو شىء من العالم، بل هو
[ ٢٤ ]
واسطة بين الله والعالم، تعمل الإرادة الإلهية عن طريقه. "ونسبة هذا المطاع إلى الوجود الحق (الله) نسبة الشمس إلى النور المحض".
أما قول الغزالى "إن "المطاع" موصوف بصفة تنافي الوحدانية المحضة" فذلك لأن الأمر الإلهى مبدأ الكثرة والتعدد في الوجود؛ والوحدانية المحضة لا تعدد فيها وهى من صفات الله وحده. وهنا يلتقى الغزالى في وصفه للمطاع مع أفلوطين في وصفه للعقل الأول مع الاختلاف الجوهرى بين نظريتى هذين المفكرين: إذ الأمر الإلهى عند الغزالى قديم قدم الله لأنه من كلام الله القديم، والعقل الأول عند أفلوطين موجود فاض عن الواحد الأول وليس من الواحد الأول في شىء.
ونظرية الغزالى في "المطاع" امتداد لنظرية الأشاعرة في الكلام الإلهى وفي القرآن من حيث هو كلام الله، إلا أن الغزالى تجاوز نظرية الأشاعرة البسيطة وعمّقها ووضعها في صورة نظرية جديدة من نظريات الإسلاميين في "الكلمة" Iogos ووجد لها أصولًا مقررة في نصوص القرآن.
لم يرض الغزالى عن قول من قال إن الرب المقدس عن معانى الصفات هو "المطاع"، ولا عن قول من قال إن المطاع هو الرب المحرك للفلك الأقصى والمسيطر على العقول المحركة للأفلاك الأخرى؛ ولا عن قول من قال إن الله هو المحرك على الحقيقة، ولكن لا على سبيل المباشرة، بل بوساطة ملك (عقل) محرك للأفلاك. وإنما رضى بقول الواصلين، وهو أن المطاع شىء غير الذات الإلهية، متصف بصفات تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ الذى لا يتصف به غير الله؛ وأن هذا "المطاع" يحرك الأفلاك ويدبر الكون وعن طريقه يتوجه الواصلون من الذي يحرك السموات ومن الذى أمر بتحريكها إلى الذى فطر السماوات؛ أى أنه عن طريق معرفة الأمر الإلهى يصل الواصلون إلى الله.
وهكذا نرى الغزالى في سبيل محافظته على تنزيه الله تنزيهًا مطلقًا ووصفه بالوحدانية المحضة التى لا تتضمن أى معنى من معانى التعدد، يشخص "الأمر الإلهى" كما شخص الأشاعرة الكلام الإلهى، وينسب إليه دور تحريك الأفلاك وتدبير الكون. إن الغزالى بهذا قد بالغ في التنزيه إلى الحد الذى جعل من الله جوهرًا مجردًا عن كل نسبة إلى خلقه، أى مجردًا عن صفات الإلهية، وهذا ما لا أظنه يرضاه وإن ساق إليه منطق كلامه.
ويستبعد الأستاذ نيكولسون أن يكون "المطاع" في نظرية الغزالى هو قطب الصوفية على أساس أن هذا من أقوال الاسماعيلية الباطنية والغزالى يرفض مذهبهم جملة: ويقول في مقال له عن فكرة الشخصية في الإسلام:
"أما أنا فأميل إلى الاعتقاد بأن نظرية الغزالى في "المطاع" تتفق مع نظرية المتأخرين من الصوفية، وأن "المطاع" يمثل الصورة المثالية التى يسمونها "الحقيقة المحمدية" أو "الروح المحمدى" -الإنسان السماوى الذى خلقه الله على صورته - ويعتبرونه قوة كونية يتوقف عليها نظام العالم وحفظه".
ولعل الذى أوحى إلى الأستاذ نيكولسون بهذه الفكرة ما ورد في القرآن من آيات عن "المطاع" في مثل قوله تعالى ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] وقوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ [النساء: ٨٠] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول﴾ [النساء: ٥٩] . ولكن الذى أراه هو أنه ربما كان لهذه الآيات مغزاها الفلسفى في نظريات الصوفية المتأخرين التى تأثرت بالأفلاطونية الحديثة، ولكن لا أثر لها في نظرية الغزالى. وأغلب الظن أن الغزالى كان يفهم من إطاعة رسول الله المعنى الدينى لا أى معنى فلسفى، وأنه أراد بالمطاع "الأمر الإلهى" الذى به تنفذ الإرادة الإلهية وبه يحدث الخلق.
نظرية المطاع ومشكلة الصفات الإلهية:
اتخذ الغزالى في الفصل الثالث مسألة الصفات الإلهية محورًا لتفكيره ورفض أقوال عدد كبير من الفرق الإسلامية وأصحاب المذاهب الأخرى غير الإسلامية ممن أطلق عليهم اسم المحجوبين، فظهر له أن منهم من قال بالتشبيه أو بالغ فيه حتى وقع في التجسيم الصريح، ومنهم من جنح إلى التنزيه المطلق كالمعتزلة وبعض فلاسفة الإسلام. والغزالى أشعرى المذهب؛ والأشاعرة يثبتون لله الصفات التى وصف بها نفسه ولكنهم يقولون إنها مغايرة لذاته وقديمة قدم ذاته كما أنها مختلفة الواحدة عن الأخرى. وينتهون من ذلك إلى تقرير أن صفات الله لا هى هو ولا هى غيره. فالله عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام، ولكن علمه وقدرته وكلامه غير ذاته، وهى في الوقت نفسه ليست أمورًا منقطعة الصلة تمامًا بذاته؛ بل هى بوجه من الوجوه متصلة بالذات غير منفكة عنها.
والذى يعنينا من مشكلة الصفات هنا هو صفة "الكلام" التى نشأ عن الخوض فيها خلاف عنيد بين المعتزلة وأهل السنة ثم بينهم وبين الأشاعرة: وذلك لأن البحث عن صفة الكلام جرهم إلى البحث في "الأمر الإلهى" الذى فسرنا به "المطاع" في نظرية الغزالى. فالأشاعرة يذهبون إلى القول بقدم كلام الله - ومنه "الأمر الإلهى" ويستندون في ذلك إلى آيات وردت في القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ وقوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ وقوله ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ .
وهذه الآيات صريحة في أن أمر الله "المطاع" قديم قدم الله، وأنه سابق على الخلق، وأن به تقوم السماوات والأرض. والأمر الإلهى ليس هو الله، ولا هو غيره على حد قولهم.
كل هذا من مذهب الأشاعرة الذى ظل الغزالى أمينًا عليه لا يتعداه في رسالة المشكاة أو في غيرها من كتبه. غير أنه أضاف إليه إضافة جوهرية في الفقرة الأخيرة من المشكاة، وهى فقرة صوفية النزعة لا صلة لها بالمشكلة الكلامية سابقة الذكر: وذلك حين يقرر أن "الواصلين" يدركون الله
[ ٢٥ ]
إدراكًا آخر غير إدراك المحجوبين: إذ يدركونه مقدسًا منزهًا عن جميع ما وصفه به المحجوبون، عندما يتجلى لهم الحق بذاته فتحرق سبحات وجهه الأعلى كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم.
وهذه منزلة في التصوف شبيهة بما يسميه ابن عربى "منزلة تنزيه التوحيد"، وهى منزلة يتعالى فيها الحق عن أن يوصف بأية صفة حتى صفة التوحيد، لأن الوصف حتى بالتوحيد تقييد، والتقييد مناف للتنزيه المطلق.
الظاهر أن الفقرات الأخيرة من مشكاة الأنوار قد أثارت شيئًا من الحيرة في فهم نظرية الغزالى في المطاع، بل أثارت الشك في عقيدته: يدل على ذلك أن ابن طفيل يقول في رسالته حى بن يقظان: "وقد توهم بعض المتأخرين من كلامه (أى كلام الغزالى) الواقع في آخر كتاب المشكاة أمرًا عظيمًا أوقعه في مهواة لا مخلص له منها: وهو قوله بعد أن ذكر أصناف المحجوبين بالأنوار ثم انتقاله إلى ذكر الواصلين "إنهم وقفوا على أن هذا الموجود العظيم متصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة، فأراد أن يلزمه من ذلك بأنه يعتقد أن الأول الحق سبحانه في ذاته كثرة مّا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" والظاهر أن ابن طفيل يقصد ببعض المتأخرين ابن رشد، ويتهمه بالوهم وعدم فهم المقصود من عبارة الغزالى؛ إذ أنه فهم من "الموجود العظيم المتصف بصفة تنافي الوحدانية المحضة" الله ﷾، مع أن الغزالى يقصد به "المطاع" لا الذات الإلهية المنزهة عن كل وصف.
أما ابن رشد نفسه فيتهم الغزالى بأنه أورد في فصل المحجوبين كلامًا يتناقض مع ما قرره في كتبه الأخرى في مسألة حركة الأفلاك وموقف الله منها. يقول:
"ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال: إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك
[ ٢٨ ]
السماء الأولى، وهو الذى صدر عنه هذا المحرك. وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية. وهو قد قال في غير ما موضع إن علومهم الإلهية تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم. وأما في كتابه "المنقذ من الضلال" فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم إنما يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة هى من جنس مراتب الأنبياء. وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذى سماه "كيمياء السعادة".
وليست هذه الجملة نصًا من نصوص المشكاة، وإنما هى تلخيص لما فهمه ابن رشد وأورده بعبارته، فإن الغزالى لم يذكر صراحة أن المحرك لجرم الفلك الأقصى صدر عن الله وإنما ذكر أن "نسبة هذا المحرك (المطاع) إلى الوجود الحق نسبة الشمس في الأنوار"، فهل فهم ابن رشد من هذا معنى الصدور؟ إن الشمس لا يقال إنها صادرة عن النور المحض، وإنما يقال إنها تعيّن من تعيناته، أو مجلى من مجاليه. وكذلك يقال في المطاع (المحرك للأفلاك الذى فهمناه على أنه الأمر الإلهى): أنه ليس صادرًا عن الواحد الحق، وإنما هو مجلى من مجاليه. وعلى هذا لا يقول الغزالى بنظرية الصدور التى يقول بها الحكماء. ثم إن الغزالى يرفض فكرة المحرك الأول الذى يقول به الفلاسفة استنادًا إلى أن الطبيعة لا تعمل بنفسها عملًا، بل هى مسخرة ومستعملة من جهة فاطرها. وإذا قيل إنها تفعل شيئًا، فذلك على سبيل المجاز: لأن "الفاعل" في نظر الغزالى لا يسمى فاعلًا بمجرد كونه سببًا، بل لوقوع الفعل منه على وجه الإرادة والاختيار.
وإذن فلا محل للقول بأن الغزالى يأخذ بفكرة المحرك الأول بالمعنى الفلسفى في المشكاة وينكرها في غيرها من كتبه. وإنما المحرك الأول عنده هو "المطاع" (الأمر الإلهى) وهو ليس محركًا طبيعيًا ولا هو عين ذات الواحد الأول.
[ ٢٩ ]
هذا وقد ذهب الأستاذ "مونتجومرى وات" في مقال له نشر في المجلة الآسيوية الملكية سنة ١٩٥٤ إلى أن الفصل الثالث من مشكاة الأنوار فصل منتحل، وأن مؤلفه كان أحد الكتاب المتأثرين بفلسفة ابن سينا في إثبات وحدة الأول على نحو ما فسرها ابن سينا في كتاب النجاة؛ وذلك على أساس أن الإسلام السنى كان يفهم "التوحيد" دائمًا بمعنى نفى الشريك لله لا بمعنى الوحدة الذاتية، وأن هذا المعنى الأخير هو ما ذهب إليه أصحاب الأفلاطونية الحديثة الذين نفوا كل معنى من معانى التعدد في ذات الواحد: وبذلك نفوا الصفات الإلهية. وهذه كلها مقدمات لا أرى فيها ما يبرر استنتاج الأستاذ مونتجومرى وات أن فصل الحجب في جملته منحول ومقحم على رسالة المشكاة، لأن الغزالى لم ينكر صفات الله في هذا الفصل وإنما أنكر كيفية إطلاقها على الله عند مختلف فرق المتكلمين والفلاسفة. فهو لم ينكر أن الله عالم قادر مريد متكلم.. الخ، ولكنه أنكر إطلاق هذه الصفات على الله على النحو الذى يطلقها عليه المشبهة. ولم ينكر أن الله نور، ولكنه أنكر أن يطلق هذا الوصف على معبود آخر كالشمس أو القمر أو الكواكب الأخرى؛ ولم ينكر أن الله قهار ولكنه أنكر أن تطلق هذه الصفة الإلهية على موجود مادى كالنار عند من يعبدونها.
ولم يكن هم الغزالى وهو يتكلم عن تنزيه الله أن ينفى الشريك للبارى فقط، بل كان همه أيضًا أن يقرر الوحدة الذاتية لله. ومشكلة الصفات عند متكلمى الإسلام وفلاسفتهم هى مشكلة الوحدة الذاتية الإلهية.
ثم إن "وات" لم ينتبه إلى أن الغزالى في هذا الفصل حاول أن يحل مشكلة الصفات على أساس صوفي بعد أن بحثها من الوجهة الكلامية والفلسفية. "فالواصلون" في اصطلاح الغزالى هم الصوفية أصحاب الذوق الذين يدركون الله إدراكًا مباشرًا، ويرونه مقدسًا ومنزهًا عن جميع ما يخطر ببالنا
[ ٣٠ ]
وصفه به. أما "وات" فيقول إن الواصلين الذين يتكلم عنهم الغزالى لا يمتازون عن غيرهم من المحجوبين إلا في أنهم يأخذون بنظرية "المطاع". ثم يقول إن فصل الحجب ليس له توطئة تمهد له في الرسالة: وأى توطئة للكلام عن الحجب أقوى من ذكر النور وأنواعه ودرجاته: لأن الحجب التى تكلم عنها الغزالى حواجز تخفى هذا النور وتحول دون ظهوره وجلائه. فإذا ارتفعت الحجب بجميع أنواعها ظهر النور الإلهى القاهر وأحرقت سبحات وجه الله كل ما أدركه بصر الناظرين وبصيرتهم كما يقول الحديث.
وفيم الشك في نسبة الفصل الثالث من الرسالة إلى الغزالى وهو يقرر فيها أنها مؤلفة من ثلاثة فصول - لا من فصلين، ويشير صراحة إلى حديث الحجب الذى هو موضوع الفصل الثالث، ويحيل في الفصلين الأول والثانى على الفصل الثالث، وفي الفصل الثالث عليهما؟
ومما يثبت صحة نسبة الفصل الثالث إلى الرسالة أنه ورد برمته في مخطوطة شهيد على التى كتبت سنة ٥٠٩ أى بعد وفاة المؤلف بأربع سنوات.
وأخيرًا نرى ابن طفيل يقتبس فقرة طويلة هامة من هذا الفصل في رسالة "حى بن يقظان" من غير أن يثير شكًا أو إشكالًا حول صحة نسبته إلى الغزالى.
فالشواهد كلها مجمعة على أن فصل الحجب في رسالة المشكاة جزء أصيل منها متمم للفصلين السابقين عليه، وأنه من حيث المادة والأسلوب متمش مع بقية الرسالة غير مقحم عليها.
[ ٣١ ]