ومعرفة هذا يستدعى تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود. لكنى أشير إليهما بالرمز والاختصار: أحدهما في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعانى بقوالب الأمثلة، ووجه كيفية المناسبة بينها، وكيفية الموازنة بين عالم الشهادة التى منها تتخذ طينة الأمثال، وعالم الملكوت الذى منه تستنزل أرواح المعانى. والثانى في طبقات أرواح الطينة البشرية ومراتب أنوارها؛ فإن هذا المثال مسوق لبيان ذلك؛ إذ قرأ ابن مسعود "مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة" وقرأ أُبّى بن كعب: "مثل نور قلب من آمن".
الأول في سر التمثيل ومنهاجه.
اعلم أن العالم عالمان: روحانى وجسمانى: وإن شئت قلت: حسى وعقلى؛ وإن شئت علوى وسفلى. والكل متقارب، وإنما تختلف باختلاف الاعتبارات: فإذا اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسمانى وروحانى، وإن اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسى وعقلى. وإن اعتبرتهما بإضافة أحداهما إلى الآخر قلت علوى وسفلى. وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت. ومن نظر إلى الحقائق من
[ ٦٥ ]
الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ تخيّل كثرة المعانى. والذى تنكشف له الحقائق (و١١ـ ب) يجعل المعانى أصلًا والألفاظ تابعًا. وأمر الضعيف بالعكس؛ إذ يطلب الحقائق من الألفاظ. وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؟.
وإذ قد عرفت معنى العالمَين فاعلم أن العالم الملكوتى عالم غيب؛ إذ هو غائب عن الأكثرين. والعالم الحسى عالم شهادة إذ يشهده الكافة. والعالم الحسى مَرْقاة إلى العقل. فلو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لانسدَّ طريق الترقي إليه. ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى حضرة الربوبية والقرب من الله تعالى. فلم يقرب من الله تعالى أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس. والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال هو الذى نعنيه بعالم القدس. فإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منه شىء ولا يدخل فيه ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس. وربما سمينا الروح البشرى الذى هو مجرى لوائح القدس "الوادى المقدس". ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانًا في معانى القدس. ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها. فلا تظنن أن هذه الألفاظ طامات غير معقولة عند أرباب البصائر.
[ ٦٦ ]
واشتغالى الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدنى عن المقصد. فعليك التشمير لفهم هذه الألفاظ. فأرجع إلى الغرض وأقول:
لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت، وكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي؛ وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى - فلو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر - جعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت: فما من شىء من هذا العالم إلا وهو مثال لشىء من ذلك العالم. وربما كان الشىء الواحد مثالًا لأشياء من عالم الملكوت. وربما كان للشىء الواحد من الملكوت (و١٢ـ ا) أمثلة كثيرة من عالم الشهادة. وإنما يكون مثالًا إذا ماثله نوعًا من المماثلة، وطابقه نوعًا من المطابقة. وإحصاء تلك الأمثلة يستدعى استقصاء جميع موجودات العالِمين بأسرها، ولن تفى به القوة البشرية وما اتسع لفهمه القوة البشرية. فلا تفى بشرحه الأعمار القصيرة. فغايتى أن أعرّفك منها أنموذجًا لتستدل باليسير منها على الكثير، وينفتح لك باب الاستعبار بهذا النمط من الأسرار فأقول:
إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبّر عنها بالملائكة، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية، ولأجلها قد تسمى أربابًا، ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك، ويكون لها مراتب في نورانيتها متفاوتة، فبالحرِىّ أن يكون مثالها من عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب. والسالك للطريق أولًا ينتهى إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نوره وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره؛ ويتضح له من جماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: "هذا ربى"
[ ٦٧ ]
ثم إذا اتضح له ما فوقه مما رتبته رتبة القمر، رأى دخول الأول في مغرب الهُوِىّ بالإضافة إلى ما فوقه فقال: ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ وكذلك يترقي حتى ينتهى إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى، فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه. والمناسبة مع ذى النقص نقص وأفُول أيضًا. فمنه يقول: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفًا﴾ . ومعنى "الذى" إشارة مبهمة لا مناسبة لها: إذ لو قال قائل ما مثال مفهوم "الذى" لم يتصور أن يجاب عنه. فالمنتزه عن كل مناسبة هو الأول الحق. ولذلك لما قال بعض الأعراب لرسول الله ﷺ: "ما نسب الإله؟ " نزل في جوابه ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ إلى آخرها (و١٢ـ ب) معناه أن التقديس والتنزه عن النسبة نسبته. ولذلك لما قال فرعون لموسى: "وما رب العالمين" كالطالب لماهيته، لم يجب إلا بتعريفه بأفعاله، إذ كانت الأفعال أظهر عند السائل، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض﴾، فقال فرعون لمن حوله ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾ كالمنكر عليه في عدوله في جوابه عن طلب الماهية، فقال موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾، فنسبة فرعون إلى الجنون إذ كان مطلبه المثال والماهية؛ وهو يجيب عن الأفعال، فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ .
[ ٦٨ ]
ولنرجع إلى الأنموذج فنقول. علم "التعبير" يعرفك منهاج ضرب المثال؛ لأن الرؤيا جزء من النبوة. أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان، لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحانى - وهو الاستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع. والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان أنواره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان. وأن من يرى أنه في يده خاتم يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان. وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هى أمه وهو لا يعرف. واستقصاء أبواب التعبير يزيدك أنسًا بهذا الجنس، فلا يمكننى الاشتغال بعدّها: بل أقول:
كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب، فكذلك فيها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية. فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير (و١٣ـ ١) وعظيم لا يستصغر، ومنه ينفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائش المكاشفات فمثاله "الطّور"؛ وإن كان ثمّ موجودات تتلقى تلك النفائس بعضهم أولى من بعض فمثالها الوادى. وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجرى من قلب إلى قلب، فهذه القلوب أيضًا أودية. ومفتتح الوادى قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم مَنْ بعدهم. فإن كانت هذه الأودية دون الأول وعنها تغترف، فبالحرِىّ أن يكون الأول هو الوادى الأيمن لكثرة يمْنه وعلو درجته. وإن كان الوادى الأدون يتلقى
[ ٦٩ ]
من آخر درجات الوادى الأيمن فمغترفه شاطئ الوادى الأيمن دون لجته ومبدئه. وإن كان روح النبى سراجًا منيرًا، وكان ذلك الروح مقتبسًا بواسطة وحى كما قال: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ فما منه الاقتباس مثاله النار، وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما سمعه، وبعضهم على حظ من البصيرة، فمثال حظ المقلد الخبر، ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب. فإن صاحب الذوق مشارك للنبى في بعض الأحوال. ومثال تلك المشاركة الاصطلاء. وإنما يصطلى بالنار من معه النار، لا من يسمع خبرها. وإن كان أول منزل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال، فمثال ذلك المنزل الوادى المقدس. وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادى المقدس إلا باطّراح الكونين - أعنى الدنيا والآخرة - والتوجه إلى الواحد الحق، ولأن الدنيا والآخرة متقابلتان متحاذيتان (و١٣ـ ب) وهما عارضان للجوهر النورانى البشرى يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى، فمثال اطّراحهما عند الإحرام للتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين. بل نترقي إلى حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول:
إن كان في تلك الحضرة شىء بواسطته تنتقش العلوم المفصّلة في الجواهر القابلة لها فمثاله "القلم". وإن كان في تلك الجواهر القابلة ما بعضها سابق إلى التلقى، ومنها تنتقل إلى غيرها، فمثالها "اللوح المحفوظ"
[ ٧٠ ]
و"الرق المنشور". وإن كان فوق الناقش للعلوم شىء هو مسخر فمثاله "اليد". وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله "الصورة". وإن كان يوجد للصورة الإنسية نوع ترتيب على هذه الشاكلة، فهى على صورة الرحمن. وفرق بين أن يقال "على صورة الرحمن" وبين أن يقال "على صورة الله" لأن الرحمة الإلهية هى التى صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة.
ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة من العالم مختصرة. وصورة آدم - أعنى هذه الصورة - مكتوبة بخط الله. فهو الخط الإلهى الذى ليس برقم حروف، إذ تنزه خطه عن أن يكون رقمًا وحروفًا كما تنزه كلامه (عن) أن يكون صوتًا وحرفًا، وقلمه عن أن يكون خشبًا وقصبًا، ويده عن أن تكون لحمًا وعظمًا. ولولا هذه الرحمة لعجز الأدمى عن معرفة ربه: إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه. فلما كان هذا من آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة الله: فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية. ولذلك أمر بالعياذ (و١٤ـ ا) بجميع هذه الحضرات فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس * مَلِكِ الناس * إلاه الناس﴾ ولولا هذا المعنى لكان ينبغي أن يقول "على صورته" واللفظ الوارد في (الحديث) الصحيح (على صورة الرحمن) .
ولأن تمييز حضرة الملك عن الإلهية والربوبية يستدعى شرحًا طويلًا،
[ ٧١ ]
فلنتجاوزه، ويكفيك من الأنموذج هذا القدر، فإن هذا بحر لا ساحل له. فإن وجدت في نفسك نفورًا عن هذه الأمثال فآنسْ قلبك بقوله تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية، وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن، والأودية القلوب.
[ ٧٢ ]
خاتمة واعتذار
لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب المثال رخصة منى في رفع الظواهر واعتقادًا في إبطالها حتى أقول مثلًا لم يكن مع موسى نعلان، ولم يسمع الخطاب بقوله ﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ . حاش لله! فإن إبطال الظواهر رأى الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بين العالمين، ولم يفهموا وجهه. كما أن إبطال الأسرار مذهب الحشوية. فالذى يجرد الظاهر حشوى، والذى يجرد الباطن باطنى. والذى يجمع بينهما كامل. ولذلك قال ﵇: "للقرآن ظاهر وباطن وحدٌّ ومطلع" وربما نقل هذا عن علىّ موقوفًا عليه. بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطِّراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرًا بخلع نعليه، وباطنًا باطراح العالمين. وهذا هو "الاعتبار" أى العبور من الشىء إلى غيره، ومن الظاهر إلى السر. وفرق بين من يسمع قول رسول الله ﷺ: "لا يدخل الملائكة بيتًا فيه كلب" فيقتنى الكلب من البيت ويقول ليس الظاهر مرادًا، بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب لأنه يمنع المعرفة التى هى من أنوار الملائكة: إذ الغضب غول العقل، (و١٤ـ ب) وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول: الكلب ليس كلبًا لصورته بل لمعناه - وهو السبعية والضراوة - وإذا كان حفظ البيت الذى هو مقر الشخص والبدن
[ ٧٣ ]
واجبًا عن صورة الكلب، فبأن يجب حفظ بيت القلب - وهو مقر الجوهر الحقيقى الخاص - عن شر الكلبية أولى. فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعًا، فهذا هو الكامل: وهو المعنىّ بقولهم "الكامل من لا يطفىء نور معرفته نور ورعه". ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد من حدود الشرع مع كمال البصيرة. وهذه مَغْلطة منها وقع بعض السالكين إلى الإباحة وطى بساط الأحكام ظاهرًا، حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائمًا في الصلاة بسره. وهذا سوى مغلطة الحمقى من الإباحية الذين مأخذهم ترَّهات كقول بعضهم "إن الله غنى عن عملنا"، وقول بعضهم إن الباطن مشحون بالخبائث ليس يمكن تزكيته، ولا يطمع في استئصال الغضب والشهوة؛ لظنه أنه مأمور باستئصالهما: وهذه حماقات.
فأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك حسده الشيطان فدلاَّه بحبْل الغرور. وأرجع إلى حديث النعلين فأقول: ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين. فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة. وأهل هذا التنبيه هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتى معنى الزجاجة؛ لأن الخيال الذى من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار؛ ولكن إذا صفا حتى صار كالزجاج الصافى غير حائل عن الأنوار، بل صار مع ذلك مؤديًا للأنوار، بل صار مع ذلك حافظًا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الرياح. وستأتيك قصة الزجاجة.
فاعلم (و١٥ـ ا) أن العالم الكثيف الخيالى السفلى صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار، ومرقاة إلى العالم الأعلى. وبهذا
[ ٧٤ ]
يعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر. وقس على هذا "الطّور" و"النار" وغيرهما.
دقيقة
إذا قال الرسول ﵇: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوًا" فلا تظنن أنه لم يشاهده بالبصر كذلك، بل رآه في يقظته كما يراه النائم في نومه؛ وإن كان عبد الرحمن مثلًا نائمًا في بيته بشخصه، فإن النوم إنما أثر في أمثال هذه المشاهدات لقهره سلطان الحواس عن النور الباطن الإلهى، فإن الحواس شاغلة له وجاذبة إياه إلى عالم الحس، وصارفة وجْهَه عن عالم الغيب والملكوت. وبعض الأنوار النبوية قد يستعلى ويستولى بحيث لا تستجره الحواس إلى عالمها ولا تشغله، فيشاهد في اليقظة ما يشاهد غيره في المنام. ولكنه إذا كان في غاية الكمال لم يقتصر إدراكه على محض الصورة المبصرة، بل عَبر منها إلى السر فانكشف له أن الإيمان جاذب إلى العالم الذى يعبر عنه بالجنة؛ والغنى والثروة جاذب إلى الحياة الحاضرة وهى العالم الأسفل. فإن كان الجاذب إلى أشغال الدنيا أقوى أو مقاومًا للجاذب الآخر صُدَّ عن المسير إلى الجنة. وإن كان جاذب الإيمان أقوى أورث عسرًا وبطئًا في سيره؛ فيكون مثاله من عالم الشهادة "الحبْو". فكذلك تتجلى له أنوار الأسرار من وراء زجاجات الخيال. ولذلك لا يقتصر في حكمه على عبد الرحمن وإن كان إبصاره مقصورًا عليه، بل يحكم به على كل من قويت
[ ٧٥ ]
بصيرته واستحكم إيمانه، وكثرته ثروته كثرة تزاحم الإيمان لكن لا تقاومه لرجحان قوة الإيمان.
فهذا يعرِّفك كيفية إبصار الأنبياء الصور وكيفية مشاهدتهم المعانى من وراء الصور. والأغلب أن يكون المعنى سابقًا إلى المشاهدة الباطنة (و١٥ـ ب) ثم يشرق منها على الروح الخيالى فينطبع الخيال بصورة موازنة للمعنى محاكية له. وهذا النمط من الوحى في اليقظة يفتقر إلى التأويل، كما أنه في النوم يفتقر إلى التعبير. والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد إلى ستة وأربعين. والواقع في اليقظة نسبته أعظم من ذلك. وأظن أن نسبته إليه نسبة الواحد إلى الثلاثة. فإن [الذى] انكشف لنا من الخواص النبوية ينحصر شعبها في ثلاثة أجناس، وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة.
القطب الثانى في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية.
إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن.
فالأول منها الروح الحساس، وهو الذى يتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنه أصل الروح الحيوانى وأوله، إذ به يصير الحيوان حيوانًا. وهو موجود للصبي الرضيع.
الثانى الروح الخيالى، وهو الذى يستثبت ما أورده الحواس ويحفظه مخزونًا عنده ليعرضه على الروح العقلى الذى فوقه عند الحاجة إليه. وهذا لا يوجد للصبى الرضيع في بداية نشوئه: ولذلك يولع بالشىء ليأخذه، فإذا غاب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلًا فيصير بحيث إذا غُيِّب عنه بكى وطلب [ذلك] لبقاء صورته محفوظة في خياله. وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض، ولا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار
[ ٧٦ ]
لشغفه بضياء النهار: فيظن أن السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقى نفسه عليه فيتأذى به. ولكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة بعد مرة. ولو كان له الروح الحافظ المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده بعد أن تضرر مرة به. (و١٦ـ ا) فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة، فإذا رأى الخشبة بعد ذلك من بعد هرب.
الثالث الروح العقلى الذى به تدرك المعانى الخارجة عن الحس والخيال، وهو الجوهر الإنسى الخاص، ولا يوجد لا للبهائم ولا للصبيان. ومدركاته المعارف الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين.
الرابع الروح الفكرى، وهو الذى يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف شريفة. ثم إذا استفاد نتيجتين مثلًا، ألف بينهما مرة أخرى واستفاد نتيجة أخرى. ولا يزال يتزايد كذلك إلى غير نهاية.
الخامس الروح القدسى النبوى الذى يختص به الأنبياء وبعض الأولياء، وفيه تتجلى لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض، بل من المعارف الربانية التى يقصر دونها الروح العقلى والفكرى. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولاكن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ﴾ الآية. فلا يبعد أيها العاكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل طورًا وراء التمييز
[ ٧٧ ]
والإحساس تنكشف فيه غرائب وعجائب يقصر عنها الإحساس والتمييز. ولا تجعل أقصى الكمال وقفًا على نفسك. وإن أردت مثالًا مما نشاهده من جملة خواص بعض البشر فانظر إلى ذوق الشعر كيف يختص به قوم من الناس وهو نوع إحساس وإدراك، ويحرم عنه بعضهم حتى لا تتميز عندهم الألحان الموزونة من المنزحفة. وانظر كيف عظمت قوة الذوق في طائفة حتى استخرجوا بها الموسيقى والأغانى والأوتار وصنوف الدستانات (و١٦ـ ب) التى منها المحزن ومنها المطرب ومنها المنّوم ومنها المضحك ومنها المجنن ومنها القاتل، ومنها الموجب للغشى. وإنما تقوى هذه الآثار فيمن له أصل الذوق. وأما العاطل عن خاصية الذوق فيشارك في سماع الصوت وتضعف فيه هذه الآثار، وهو يتعجب من صاحب الوجد والشغى. ولو اجتمع العقلاء كلهم من أرباب الذوق على تفهيمه معنى الذوق لم يقدروا عليه. فهذا مثال في أمر خسيس لكنه قريب إلى فهمك. فقسْ به الذوق الخاص النبوى واجتهد أن تصير من أهل الذوق بشىء من ذلك الروح: فإن للأولياء منه حظًا وافرًا. فإن لم تقدر فاجتهد أن تصير بالأقيسة التى ذكرناها والتنبيهات التى رمزنا إليها من أهل العلم بها. فإن لم تقدر فلا أقل من أن تكون من أهل الإيمان بها: و﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ . والعلم فوق الإيمان، والذوق فوق العلم. فالذوق وجدان والعلم قياس. والإيمان قبول مجرد بالتقليد. وحسّن الظن بأهل الوجدان أو بأهل العرفان.
فإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة فاعلم أنها بجملتها أنوار لأنها تظهر أصناف الموجودات، والحسى والخيالى منها، وإن كان يشارك البهائم
[ ٧٨ ]
في جنسها، لكن الذى للإنسان منه نمط آخر أشرف وأعلى؛ وخلق الإنسان لأجل غرض أجلّ وأسمى. أما الحيوانات فلم يخلق ذلك لها إلا ليكون آلتها في طلب غذائها في تسخيرها للآدمى. وإنما خلق للآدمى ليكون شبكة له يقتنص بها من العالم الأسفل مبادئ المعارف الدينية الشريفة. إذ الإنسان إذا أدرك بالحس شخصًا معينًا اقتبس عقله منه معنى عامًا مطلقًا كما ذكرنا في مثال حبْو عبد الرحمن بن عوف. وإذا عرفت هذه الأرواح الخمسة (و١٧ـ ا) فلنرجع إلى عرض الأمثلة.
بيان أمثلة هذه الآية
اعلم أن القول في موازنة هذه الأرواح الخمسة للمشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت يمكن تطويله، لكنى أوجزه وأقتصر على التنبيه على طريقة فأقول:
أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصيته وجدت أنواره خارجة من ثُقُب عدة كالعينين والأذنين والمنخرين وغيرها. وأوفق مثال له من عالم الشهادة المشكاة. وأما الروح الخيالى فنجد له خواص ثلاثًا: إحداها: أنه من طينة العالم السفلى الكثيف: لأن الشىء المتخيل ذو مقدار وشكل وجهات محصورة مخصوصة. وهو على نسبة من المتخيل من قرب أو بعد. ومن شأن الكثيف الموصوف بأوصاف الأجسام أن يحجب عن الأنوار العقلية المحضة التى تتنزه عن الوصف بالجهات والمقادير والقرب والبعد.
الثانية: أن هذا الخيال الكثيف إذا صفىّ ودقق وهذّب وضبط صار موازيًا للمعانى العقلية ومؤديًا لأنوارها، غير حائل عن إشراق نورها منها.
الثالثة: أن الخيال في بداية الأمر محتاج إليه جدًا ليضبط به المعارف العقلية فلا تضطرب ولا تتزلزل ولا تنتشر انتشارًا يخرج عن الضبط. فنعم
[ ٧٩ ]
المعين المثالات الخيالية للمعارف العقلية. وهذه الخواص الثلاث لا نجدها في عالم الشهادة بالإضافة إلى الأنوار المبصرة إلا للزجاجة: فإنها في الأصل من جوهر كثيف لكن صُفىّ ورقق حتى لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة والحركات العنيفة. فهى أول مثال له.
وأما الثالث وهو الروح العقلى الذى به إدراك المعارف الشريفة الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح. وقد عرفت هذا فيما سبق من بيان كون الأنبياء سُرُجًا منيرة (و١٧ـ ب) .
وأما الرابع وهو الروح الفكرى فمن خاصيته أنه يبتدئ من أصل واحد ثم تتشعب منه شعبتان، ثم من كل شعبة شعبتان وهكذا إلى أن تكثر الشعب بالتقسيمات العقلية، ثم يفضى بالآخرة إلى نتائج هى ثمراتها. ثم تلك الثمرات تعود فتصير بذورًا لأمثالها: إذ يمكن أيضًا تلقيح بعضها بالبعض حتى يتمادى إلى ثمرات ورائها كما ذكرناه في كتاب القسطاس المستقيم. فبالحرِىّ أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة. وإذ كانت ثمراته مادة لتضاعف أنوار المعارف وثباتها وبقائها فبالحرِىّ ألا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح والرمان وغيرها، بل من جملة سائر الأشجار بالزيتونة خاصة: لأن لب ثمرها هو الزيت الذى هو مادة المصابيح، ويختص من سائر الأدهان بخاصية زيادة الإشراق مع قلة الدخان. وإذا كانت الماشية التى يكثر نسلها والشجرة التى تكثر ثمرتها تسمى
[ ٨٠ ]
مباركة، فالتى لا يتناهى ثمرتها إلى حد محدود أوْلى أن تسمى شجرة مباركة. وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة خارجة عن قبول الإضافة إلى الجهات والقرب والبعد، فبالحرِىّ أن تكون لا شرقية ولا غربية.
وأما الخامس: وهو الروح القدسى النبوى المنسوب إلى الأولياء إذا كان في غاية الصفاء والشرف وكانت الروح المفكرة منقسمة إلى ما يحتاج إلى تعليم وتنبيه ومدد من خارج حتى يستمر في أنواع المعارف، وبعضها يكون في شدة الصفاء كأنه يتنبه بنفسه من غير مدد من خارج، فبالحرِىّ أن يعبّر عن الصافى البالغ الاستعداد بأنه يكاد زيته يضيىء، ولو لم تمسسه نار: إذ من الأولياء من يكاد يشرق نوره حتى يكاد يستغنى عن مدد الأنبياء؛ وفي الأنبياء من يكاد يتسغنى عن مدد الملائكة. فهذا المثال موافق لهذا القسم (و١٨ـ ا) .
وإذا كانت هذه الأنوار مترتبة بعضها على بعض: فالحسى هو الأول، وهو كالتوطئة والتمهيد للخيالى، إذ لا يتصور الخيالى إلا موضوعًا بعده؛ والفكرى والعقلى يكونان بعدهما؛ فبالحرى أن تكون الزجاجة كالمحل للمصباح والمشكاة كالمحل للزجاجة: فيكون المصباح في زجاجة، والزجاجة في مشكاة.
وإذا كانت هذه كلها أنوارًا بعضها فوق بعض فبالحرِىّ أن تكون نورًا على نور.
[ ٨١ ]
خاتمة
هذا المثال إنما يتضح لقلوب المؤمنين أو لقلوب الأنبياء والأولياء لا لقلوب الكفار: فإن النور يراد للهداية. فالمصروف عن طريق الهدى باطل وظلمة، بل أشد من الظلمة: لأن الظلمة لا تهدى إلى الباطل كما لا تهدى إلى الحق. وعقول الكفار انتكست، وكذلك سائر إدراكاتهم وتعاونت على الإضلال في حقهم. فمثالهم كرجل في ﴿بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ . والبحر واللّجىِّ هو الدنيا بما فيها من الأخطار المهلكة والأشغال المردية والكدورات المعمية. والموج الأول موج الشهوات الداعية إلى الصفات البهيمية والاشغال بالذات الحسية وقضاء الأوطار الدنيوية، حتى [إنهم] يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام. وبالحرِىّ أن يكون هذا الموج مظلمًا لأن حب الشىء يعمى ويُصم. والموج الثانى موج الصفات السَّبُعِية الباعثة على الغضب والعداوة والبغضاء والحقد والحسد والمباهاة والتفاخر والتكاثر. وبالحرى أن يكون مظلمًا لأن الغضب غول العقل. وبالحرى أن يكون هو الموج الأعلى: لأن الغضب في الأكثر مستول على الشهوات حتى إذا هاج أذهل عن الشهوات وأغفل عن اللذات المشتهاة. وأما الشهوة فلا تقاوم الغضب الهائج أصلًا.
وأما السحاب فهو الاعتقادات الخبيثة، والظنون الكاذبة، والخيالات
[ ٨٢ ]
الفاسدة (١٨ـ ب) التى صارت حجبًا بين الكافرين وبين الإيمان ومعرفة الحق والاستضاءة بنور شمس القرآن والعقل: فإن خاصية السحاب أن يحجب إشراق نور الشمس.
وإذا كانت هذه كلها مظلمة فبالحرى أن تكون ظلمات بعضها فوق بعض. وإذا كانت هذه ظلمات تحجب عن معرفة الأشياء القريبة فضلًا عن البعيدة، ولذلك حجب الكفار عن معرفة عجائب أحوال النبى ﵇ مع قرب متناوله وظهوره بأدنى تأمل، فبالحرى أن يعبر عنه بأنه لو أخرج يده لم يكد يراها. وإذا كان منبع الأنوار كلها من النور الأول الحق كما سبق بيانه، فبالحرى أن يعتقد كل موحد أن ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . فيكفيك هذا القدر من أسرار هذه الآية فاقنع به.
[ ٨٣ ]