طائفة حجبوا بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف: صنف منشأ ظلمتهم من الحس، وصنف منشأ ظلمتهم من الخيال، وصنف منشأ ظلمتهم من مقايسات عقلية فاسدة.
الصنف الأول المحجوبون بالظلمة الحسية، وهم طوائف لا يخلو واحد منهم عن مجاوزة الالتفات إلى نفسه وعن التأله والتشوف إلى معرفة ربه. وأول درجاتهم عبدة الأوثان وآخرهم الثنوية، وبينهما درجات. فالطائفة الأولى عبدة الأوثان: علموا على الجملة أن لهم ربًا يلزمهم إيثاره على نفوسهم المظلمة، واعتقدوا أن ربهم أعز من كل شىء (و٢٠ - ا) ولكن حجبتهم ظلمة الحس على أن يجاوزوا العالم المحسوس فاتخذوا من أنفس الجواهر كالذهب والفضة والياقوت أشخاصًا مصورة بأحسن الصور واتخذوها آلهة. فهؤلاء محجوبون بنور العزة والجمال. والعزة والجمال من صفات الله وأنواره، ولكنهم ألصقوها بالأجسام
[ ٨٧ ]
المحسوسة وصدهم عن ذلك ظلمة الحس، فإن الحس ظلمة بالإضافة إلى العالم الروحانى العقلى كما سبق.
الطائفة الثانية جماعة من أقاصى الترك ليس لهم ملة ولا شريعة يعتقدون أن لهم ربًا وأنه أجملُ الأشياء، فإذا رأوا إنسانًا في غاية الجمال أو شجرًا أو فَرَسًا أو غير ذلك سجدوا له وقالوا إنه ربنا. فهؤلاء محجوبون بنور الجمال مع ظلمة الحس، وهم أدخل في ملاحظة النور من عبدة الأوثان لأنهم يعبدون الجمال المطلق دون الشخص الخاص فلا يخصصونه بشىء؛ ثم يعبدون الجمال المطبوع لا المصنوع من جهتهم وبأيديهم.
وطائفة ثالثة قالوا ينبغى أن يكون ربنا نورانيًا في ذاته بهيًّا في صورته، ذا سلطان في نفسه، مهيبًا في حضرته، لا يطاق القرب منه، ولكن ينبغى أن يكون محسوسًا؛ إذ لا معنى لغير المحسوس عندهم. ثم وجدوا النار بهذه الصفة فعبدوها واتخذوها ربًا. فهؤلاء محجوبون بنور السلطنة والبهاء: وكل ذلك من أنوار الله تعالى.
وطائفة رابعة زعموا أن النار نستولى عليها نحن بالإشعال والإطفاء، فهى تحت تصرفنا فلا تصلح للإلهية، بل ما يكون بهذه الصفات ولم يكن تحت تصرفنا ثم نكون نحن تحت تصرفه ويكون مع ذلك موصوفًا بالعلو والارتفاع. ثم كان المشهور فيما بينهم علم النجوم وإضافة التأثيرات إليها. فمنهم من عبد الشّعرَى، ومنهم من عبد المُشْتَرى إلى غير ذلك من الكواكب بحسب ما اعتقدوه في النجوم من كثرة التأثيرات. فهؤلاء محجوبون بنور العلو والإشراق والاستيلاء، وهى من أنوار الله تعالى.
وطائفة خامسة ساعدت هؤلاء في المأخذ ولكن قالت لا ينبغى أن يكون ربنا موسومًا بالصغر والكِبَر بالإضافة إلى الجواهر النورانية، بل ينبغى أن يكون أكبرها، فعبدوا الشمس وقالوا هى أكبر. فهؤلاء محجوبون بنور الكبرياء مع بقية الأنوار مقرونًا بظلمة الحس.
[ ٨٨ ]
وطائفة سادسة ترقّوا عن هؤلاء فقالوا: النور كله لا ينفرد به الشمس بل لغيرها أنوار، ولا ينبغى للرب شريك في نورانيته فعبدوا النور المطلق الجامع لجميع أنوار العالم وزعموا أنه رب العالم والخيرات كلها منسوبة إليه. ثم رأوا في العالم شرورًا فلم يستحسنوا إضافتها إلى ربهم تنزيهًا له عن الشر، فجعلوا بينه وبين الظلمة منازعة، وأحالوا العالم إلى النور والظلمة، وربما سموهما "يزدان" و"أهرمن"، وهم الثنوية. فيكفيك هذا القدر تنبيهًا على هذا الصنف، فهم أكثر من ذلك.
الصنف الثانى المحجوبون ببعض الأنوار مقرونًا بظلمة الخيال، وهم الذين جاوزوا الحس، وأثبتوا وراء المحسوسات أمرًا، لكن لم يمكنهم مجاوزة الخيال، فعبدوا موجودًا قاعدًا على العرش. وأخسهم رتبة المجسّمة ثم أصناف الكرّامية بأجمعهم. ولا يمكننى شرح مقالاتهم ومذاهبهم فلا فائدة في التكثير. لكن أرفعهم درجة مَنْ نَفَى الجسمية وجميع عوارضها إلا الجهة المخصوصة بجهة فوق: لأن الذى لا ينسب إلى الجهات ولا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لم يكن عندهم موجودًا إذا لم يكن متخيلًا. ولم يدركوا أن أول درجات المعقولات تجاوزُ النسبة إلى الجهات.
الصنف الثالث المحجوبون بالأنوار الإلهية مقرونة بمقايسات عقلية فاسدة مظلمة (و٢١ـ ا) فعبدوا إلها سميعًا بصيرًا متكلمًا عالمًا قادرًا مريدًا حيًا، منزهًا عن الجهات، لكن فهموا هذه الصفات على حسب
[ ٨٩ ]
مناسبة صفاتهم. وربما صرّح بعضهم فقال: "كلامه صوت وحرف ككلامِنَا". وربما ترقى بعضهم فقال: "لا بل هو كحديث نفسنا ولا هو صوت ولا حرف". وكذلك إذا طولبوا بحقيقة السمع والبصر والحياة رجعوا إلى التشبيه من حيث المعنى وإن أنكروها باللفظ إذ لم يدركوا أصلًا معانى هذه الإطلاقات في حق الله تعالى. ولذلك قالوا في إرادته إنها حادثة مثل إرادتنا. وإنها طلب وقصد مثل قصدنا. وهذه مذاهب مشهورة فلا حاجة إلى تفصيلها. فهؤلاء محجوبون بجملة من الأنوار مع ظلمة المقايسات العقلية. فهؤلاء كلهم أصناف القسم الثانى الذين حجبوا بنور مقرون بظلمة. وبالله التوفيق.