بسم الله الرحمن الرحيم. رب أنعمت فزدْ بفضلك
الحمد لله فائض الأنوار وفاتح الأبصار. وكاشف الأسرار ورافع الأستار. والصلاة على محمد نور الأنوار وسيد الأبرار وحبيب الجبار وبشير الغفّار ونذير القهاّر، وقامع الكفار وفاضح الفجّار؛ وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين الأخيار.
أما بعد فقد سألتنى أيها الأخ الكريم قيّضك الله لطلب السعادة الكبرى، ورشحك للعروج إلى الذروة العليا، وكحَّل بنور الحقيقة بصيرتك، ونقّى عمّا سوى الحق سريرتك، أن أبث إليك أسرار الأنوار الإلهية مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية مثل قوله تعالى ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ ومعنى تمثيله ذلك بالمشكاة والزجاجة والمصباح والزيت والشجرة، مع قوله ﵇ "إن لله سبعين حجابًا من نور وظلمة وأنه لو كشفها لأحرقت سبحاتُ وجهه كل من أدركه بصره".
ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقىً صعبًا تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين؛ وقرعْت بابًا مغلقًا لا يُفتَح إلا للعلماء الراسخين. ثم ليس كل سر يُكشَف ويُفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتُجلَى؛ بل صدور الأحرار قبور الأسرار.
ولقد قال بعض العارفين "إفشاء سر الربوبية كفر". بل قال سيد
[ ٣٩ ]
الأولين والأخرين صلى الله عليه [وسلم] "إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله. فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغِرّة بالله، ومهما كثر أهل الاغترار وجب حفظ الأسرار على وجه الإسرار". لكنى أراك مشروح الصدر بالله بالنور، منزه السر عن ظلمات الغرور (و٢ - ا) فلا أشح عليك في هذا الفن بالإشارة إلى لوامع ولوائح؛ والرمز إلى حقائق ودقائق. فليس الخوف في كف العلم عن أهله بأقل منه في بثه إلى غير أهله.
فمن مَنَحَ الجّهال علمًا أضاعه ومن مَنَع المستوجبين فقد ظلم
فاقنع بإشارات مختصرة وتلويحات موجزة؛ فإن تحقيق القول فيه يستدعى تمهيد أصول وشرح فصول ليس يتسع الآن لها وقتى، وليس ينصرف إليه همى وفكرتى. ومفاتيح القلوب بيد الله يفتحها إذا شاء كما شاء بما يشاء. وإنما الذى ينفتح في الوقت فصول ثلاثة.
[ ٤٠ ]