نشرت سنة ١٩٦٠
حديث اليوم انتقاد للإذاعة، فهل سمعتم بأحد يتحدث في الإذاعة فينتقد الإذاعة؟
نعم؛ فلقد كانت محطة الشرق الأدنى قديمًا تأتي بالأدباء لينتقدوا برامجها، وتدفع إليهم على ذلك الأجر الجزيل، لأنهم يخدمونها بهذا النقد وينفعونها. وإذاعتنا الوطنية أولى بهذه الفضيلة من تلك الإذاعة الإنكليزية.
وأنا لا أنتقد القائمين على الإذاعة الآن. لا، وإن أخانا الأمير يحيى الشهابي وإخوانه من أقدم وأقدر المشتغلين بالإذاعة العربية، ولا أنتقد إذاعتنا بالذات، بل هو نقد عام لبرامج الإذاعات العربية كلها. ذلك أنها لا تجد ما تذيعه إلا هذا الغناء، تغني من الصباح إلى الليل بلا استراحة ولا انقطاع. وخبّروني عن هذا الكلام الذي تلحنونه، ما هو؟
أهو شعر عامي؟ أعوذ بالله! أهو زجل رفيع؟ أعوذ بالله مرة ثانية!
هل يسجل حالة من حالات النفس؟ هل يعرض وضعًا من
[ ٢٠٧ ]
أوضاع المحبين؟ هل يصوّر مجلى من مجالي الطبيعة؟ هل يهزّ سامعه؟ هل يسمو بخياله؟ هل يحرك عاطفته؟
هل هو فن نقبله من أجل الفن؟ هل هو توجيه؟ هل هو للوطن؟
إن أكثر ما نسمع من ألفاظ الأغاني ليس في شيء من ذلك كله، ما هو إلا كلام عامي ساقط لا معنى فيه ولا مبنى، وإن ثقله وغثاثته وبرده وسماجته يفسد حلاوة النغم الحلو، إن كان معه نغم حلو. وأنّى؟ إن أكثر الأنغام اليوم مستكرَه ثقيل. أقول أكثرها، لا كلها، لأن من الإنصاف أن نقرر أن في الأنغام ما هو عذب سائغ مطرب.
ولا أدري لماذا لا يغني جماعة هذا الفن الجديد كما يغني الناس؟ لماذا لا ينطلقون بالغناء على سجيتهم؟ إن العلم يكون عالميًا لأن طرق التفكير واحدة في الأمم كلها، أما الفن فلا يمكن أن يكون عالميًا أبدًا. إننا يستحيل أن نطرب لأغاني الإفرنج كما يستحيل أن يطربوا لأغانينا، ولكنهم يصرّحون بذلك لقوتهم وشعورهم بأنفسهم وننكر ذلك ونتظاهر بضده لشعورنا بالضعف، هذا الشعور الذي وضعوه في نفوسنا في أوائل هذا القرن والذي حاولنا الآن أن نبرأ منه ونتخلص من بقاياه.
فلماذا يقلد جماعة المغنين أوربا في غنائها؟ ويا ليتهم يقلدونها ويأتون بفنها كما هو، فلا يفسدوا الفنّين ويزوغوا عن الطريقتين ويأتوا بشيء لا شرقي ولا غربي ولا شمالي ولا جنوبي!
[ ٢٠٨ ]
كنت راكبًا في الباص من أيام، فخطر على بال السائق الطرب ففتح الراد (ووضع الرادّ في الحافلات عادة شنيعة لا أدري متى تبطل) فإذا رجل يُخرج صوتًا عجيبًا لا يشبه أصوات بني آدم، صوت كأنه صوت مختنق يطلب النجدة ثم يمنعه الماء في فمه أن يفصح أو يبين، أو كأنه صوت امرأة أخذها الطلق، أو كأنه صوت دجاجة علقت بها البيضة فلا تخرج ولا ترجع وسألت جاري مدهوشًا: ما هذا؟
قال: هذا فلان (واحد من المغنين المشهورين)، يغني، يقول: آه!
فلم أصدق حتى جاء بأربعة شهود من ركاب الباص فشهدوا أن هذا الصوت الغريب هو غناء مغنّ يقول: آه!
ونظرت فإذا هذه الـ «آه» قد خرج ربعها فكان على لسانه، وربعها علق في حلقه، ونصفها أصابه الإمساك المزمن فبقي في جوفه فلا يخرج إلا بشربة زيت خروع! فقلت: ولماذا لا يغني كما يغني الناس؟
قالوا: هذا هو الفن الجديد.
قلت: لعنة الله على هذا الفن الجديد! أين هذا من آهات صالح عبد الحي وعبده الحمولي؟ أين هذا من غناء الأمس؟ اسمعوا برنامج نشوة الماضي (إن كنتم لا تعرفون تلك الأغاني) ثم انظروا الفرق بين الاثنين. بين ذلك الانطلاق وتلك الحرية وذلك الطبع وبين هذا التكلف وهذه القيود وهذه الحشرجات.
[ ٢٠٩ ]
على أني لا أمدح أغاني الماضي، فأكثر كلامها كلام فارغ أو بذيء، ولكن أذكر هنا النغم، فإن لم يكن بدٌّ من الغناء فمثل هذا. وإذا أردتم أن تطعّموا ألحاننا بألحان الإفرنج فاصنعوا كما صنع سيد درويش على الأقل، أما هذا الـ «قرف» الذي نسمعه من ذلك المسخ الذي اسمه عبد الحليم حافظ وأمثاله من عجائب المخلوقات الذين لا نعرفهم رجالًا لهم رجولة الرجال ولا نساء لهم أنوثة النساء ولا ندري ما هم، ما نراهم إلا مخانيث، أما هذا فشيء لا يطاق.
أين الملحنون الفحول؟ أليس من العجيب أن نجيء إلى نشيد «الحمد لك والشكر لك» فلا نجد له إلا هذا اللحن المائع، من هذا الحنك المرخي، وهذه الرجولة المزورة، فيمسخ النشيد من نشيد الرجولة الشاكرة الحامدة إلى كاد يسبق لساني فأقول الكلمة التي لا يقال هنا غيرها، ثم ذكرت أني أتكلم في الإذاعة وأنه لا يجوز أن يقال فيها ذلك الكلام.
وما لنا وللغناء الإفرنجي؟ رأيت مرة فلمًا غنائيًا يغني فيه رجال ونساء مجتمعين ويصرخون فيه ذلك الصراخ، فما شبهتهم إلا بقطتين وكلبين ربطتها جميعًا، ثم دست على ذنب القط مرة وعلى ذنب الكلب مرة فصرخا معًا، فكان هذا الغناء الإفرنجي. وأنا أعتذر إلى من يدفعه التقليد إلى الغيرة على هذا الغناء، فإن هذا رأيي، وأنا رجل لا أفهم الموسيقى الفرنجية فما أصنع؟
ولقد فتحت الراد مرة (وقلما أفتحه) فسمعت أصوات آلات متنافرة، فقدرت أن الفرقة تصلح آلاتها (تدوزنها) قبل العزف،
[ ٢١٠ ]
وقلت في نفسي: لماذا يذيعون الدوزان؟ فلما انتهوا قال المذيع: قدمنا لكم السمفونية كذا لبتهوفن.
حسبتها والله دوزان آلات، وكل السامعين من أهل الشام ما عدا ثلاثمئة وأحد عشر رجلًا في سوريا كلها لا يفهمون منها أكثر مما فهمت! وكنت أناقش أحد المدافعين عن موسيقى الغرب مرة، فقال بأن فهم هذه السمفونيات يحتاج إلى علم خاص. قلت: قاتل الله موسيقى لا تُفهم إلا بعلم خاص، أهذه موسيقى؟ إنها مسألة رياضيات!
ووعد بأن يذيع حديثًا موضوعه «كيف نفهم سمفونيات بتهوفن»، وأذاعه وسمعته، وطلبت إليه أن يعد حديثًا آخر موضوعه «كيف نفهم حديث السمفونيات» لأني لم أفهم شيئًا ممّا قاله.
ولعلكم تقولون أن الناس كلهم ليسوا مثلك، وفيهم من يعجبه «الأطرش» و«الأخرس»، وتلك التي لها مثل صوت القطة ولا أدري هل اسمها شادية أم شيء آخر. صحيح؛ إن أذواق الناس تختلف.
وإذا كان الغناء الدائم يعجب ناسًا فإن آخرين ينزعجون منه. إنهم يملّون هذا التكرار. لقد قلت عشرين مرة: إننا نسمع الأغنية الحلوة فنطرب لها، فنسمعها الثانية فنلتذ بها، والثالثة فنستريح إليها، فإذا سمعناها الرابعة والخامسة والحادية والستين بعد المئة طلعت أرواحنا منها. خذ الفقير الذي يرى البقلاوة عند البياع فيشتهيها ويتمنى أن يأكل قطعة منها، فاحبسه في غرفة عشرة أيام
[ ٢١١ ]
لا تطعمه فيها إلا البقلاوة، فإنه يتمنى أن يتخلص منها إلى الزيت والزعتر.
فلماذا لا تجيء الإذاعات بخبراء من علماء النفس فتسألهم عن طاقة الإنسان كم مرة تحتمل ترداد الأغنية الواحدة؟
والطريقة سهلة. تضعون هذا الخبير وحده، وتغنونه أغنية «على العصفورية» كل ساعة مرة، مثل العلاج الذي يعطى منه فنجان كل ساعة، وتنظرون متى يكسر الباب ويخرج رأسًا إلى العصفورية (١).
تقولون: ما العمل؟
يا سادتي، إن الإذاعة جُعِلت لرفع المجتمع إلى حياة أسمى لا لإقراره على حياته التي هو فيها. وليس المطلوب منها اللذة فقط، بل اللذة والفائدة. وهناك فوارق مالية واجتماعية بين الناس يجب أن يعمل على إزالتها أو تقليلها، وهنالك فوارق فكرية وذوقية من المستحيل أن تزول.
والإذاعة تستطيع أن تعمل لها برنامجين، كل برنامج على موجة من موجاتها: برنامجًا للخاصة وبرنامجًا للعامة. وإذا كان في ذلك كلفة فقللوا وقت الإذاعة فليس من الضروري أن تشتغل الليل والنهار لا تستريح ولا تريح، ولا تنام ولا تنيم.
ثم إن الإنسان يهتم بصحته ودينه وماله وعقله وقلبه،
_________________
(١) كناية عن الجنون؛ إذ «العصفورية» هي الموضع الذي يقوم فيه مستشفى المجانين (وهي في لبنان) (مجاهد).
[ ٢١٢ ]
فلتشمل برامج الإذاعة هذه الأمور كلها. وإذا كان الغناء للقلب فليس معنى هذا أن نغني دائمًا. إن الإنسان كما قالوا: حيوان ناطق، وليس حيوانًا مغنيًا، ما في الحيوانات ما يغني دائمًا إلا الصرصور، فهل نحن صراصير؟
وبعد، فلعلي ما آذيت بهذا الحديث إلا من يستحق الإيذاء، ولا تؤاخذوني فإنها شكوى:
ولا بُدَّ من شكوى إلى ذي مُروءةٍ يواسيكَ أو يُسليك أو يَتوجّعُ
* * *
[ ٢١٣ ]