أُذيعت سنة ١٩٥٩ من إذاعة دمشق
كنت أدقق أمس دعوى وصية، فرجعت بي الذاكرة إلى حادثتين رأيتهما في يوم واحد في المحكمة الشرعية في دمشق لمّا كنت فيها من أكثر من خمس عشرة سنة.
الأول طلب تسجيل وصية، قُدِّم باسم امرأة من الموسرات لا تستطيع لكبرها وعجزها أن تجيء إلى المحكمة، فأرسلت الكاتب ليستمع منها ويسجل لها، فعاد يقول إنها تريد أن توصي بثلث مالها، وهذا الثلث يزيد على خمسين ألف ليرة، وقد جعلت مبلغًا ضخمًا منه للجنازة والعصرية والصباحية والمواسم، وذلك كله مما لا أصل له في الشرع، فنصحها أن تجعل هذا المبلغ في جهات الخير التي ترضي الله وتنفع الناس فأبت، وهو يسألني رأيي.
ولم أكن أذهب قط إلى دار إنسان (وإن كان القانون يجيز ذلك أحيانًا)، ولكني لمّا سمعت منه خبر الوصية وضخامة المبلغ رجوتُ أن يوفّقني الله فيحقق على يدي خيرًا. فذهبت إليها، فإذا عجوز حمقاء لا تفهم بلسان المنطق ولا تستجيب لصوت الدين، وإذا كل همها أن تصنع شيئًا تكسب به رضا الناس وتنال
[ ١٦١ ]
به إعجابهم، ولم أستطع بعد الجهد الكثير أن أستخلص منها أكثر من خمسة آلاف رضيت أن توصي بها لبعض الجمعيات الخيرية.
ورجعت إلى المحكمة مغيظًا محنقًا، فرأيت الحادث الثاني. جاءتني امرأة تحمل في بطنها ولدًا وعلى يدها ولدًا وتجرُّ وراءها ولدين، فقالت وهي تبكي إنها غريبة لا تعرف أحدًا في دمشق، وليس لها في بلدها إلا أب فقير وعم أفقر منه، لا يقدران على شيء لأنفسهما فضلًا عن أن يقدرا على شيء لها، وقد فرّ منها زوجها فهي لا تعرف له مكانًا، ولا تدري من أين تأكل وتطعم الأولاد، وإذا نفد صبر صاحب الغرفة التي تقيم فيها على إبطائها بالأجرة فطردها لم تعرف أين تنام هي والأولاد. وقد لجأت إليّ لأن الناس قالوا لها: ما لك إلا القاضي.
وحار القاضي وترقرقت في عينيه دمعتان، وقلت: يا رب عفوك! تلك ترمي خمسين ألفًا حيث لا ترضي ربها ولا تنفع أحدًا، لا تبالي بها ولا تفكر فيها، وهذه تحتاج إلى عشر ليرات فلا تجدها ولا تجد من يدفعها إليها!
وبدأت من ذلك اليوم أفكّر في أمر الوصايا. كم يضيع بها من مال يُنفَق في غير وجهه ويوضع في غير محله؟ وكم يُصنَع بهذا المال لو أريد به وجه الله وأُنفق فيما ينفع الناس؟
لقد لبثت قاضيًا قريبًا من خمس عشرة سنة، وأنا أظن أن الوصايا التي أوصي بها على يدي تجاوزت الملايين، أكثرها رُصد لما لا يقرّه الإسلام:
[ ١٦٢ ]
على الجنازة أولًا، وقد تكلّف الجنازة الآلاف يأخذها من لا يستحقها وتُصرف فيما يخالف الشرع، وما ينفق فيما يخالف الشرع لا يحرم صاحبه الثواب فقط بل يكون معصية منه يستحق عليه العقاب. والجنازة الشرعية هي التي تمشي صامتة لا شيء فيها، فالآس بدعة، والحناء والأكاليل بدعة، والذي يؤذن أو ينشد أمام الجنازة بدعة، وهؤلاء «الكلاليب» الذين يتعلّقون بكل جنازة ويزدحمون على باب الميت تبيّن أن أكثرهم غير محتاج والأَوْلى بأهل الميت أن يطردوهم أو يدعو «جمعية النهضة الإسلامية» ومعها الشرطة لتمسك بهم، فتساعد المحتاج منهم وتعاقب المحتال.
وعلى الصباحية ثانيًا. والصباحية بدعة، ومن فقهاء الحنفية المتأخرين من استحسنها بشرط أن يكون فيها المواساة المشروعة فقط، أما دعوة من يسمّون أنفسهم «القرّاء» للقراءة فيها فهي ممنوعة من وجوه، أولها: أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت جائزة، ولكن الذي يقرأ بالأجرة يجعل القراءة مهنة يؤكد ابن عابدين ﵀ أنه لا ثواب له يهديه وأن أخذ الأجرة على القراءة لا يجوز أبدًا. ثم إن أكثر هؤلاء يقرؤون القرآن بأنغام الغناء، مع أن التغني بالقرآن مشروع بشرط أن يكون مع الخشوع والتدبّر وفهم المعاني والبعد عن التشبّه بالمغنين في أنغامهم. ثم إن على السامع للقرآن أن يستمع وينصت ويتفهم المعاني، والمشاهَد في الصباحيات أن القارئ يقرأ والناس معرضون عنه يستقبلون القادم ويشيعون الذاهب ويدخنون (السكاير) في مجلس القرآن!
و«العصرية» التي يعملها النساء ممنوعة شرعًا، نص على ذلك الفقهاء. ومثلها «الخميس» و«الأربعين» و«السنوية»،
[ ١٦٣ ]
كلها ممنوعة شرعًا. ولابن عابدين صاحب الحاشية رسالة في بطلان الوصية بذلك كله اسمها «شفاء العليل في بطلان الوصية بالختمات والتهاليل» عليها تقاريظ فقهاء عصره ومنهم فقيه مصر يومئذ الطحطاوي المشهور.
أو تكون الوصية لبناء القبر ورفعه. وأعرف امرأة موسرة أنفقت عشرة آلاف على قبر زوجها جعلته من الرخام المنقوش المزخرف. مع أن بناء القبور بالجص والحجارة ورفعها لا يجوز. وما يفعله بعض الناس من اقتطاع قطعة من المقابر وإقامة مدفن فيها أو بناء جامع على قبر الميت ممنوع من وجوه، أولًا: لأن بناء الجامع على القبر لا يجوز. ثانيًا: لأن الأرض ليست لمن يبني عليها بل هي وقف للناس كلهم، والثالث: أنه لو جاز بناء هذه الجوامع ولم تكن الأرض مغصوبة لكان بناؤها هنا إضاعة للمال، وإضاعة المال ممنوعة شرعًا، ذلك لأن مَن يريد الصلاة لا يذهب إلى وسط مقبرة الباب الصغير مثلًا ليصلي، فلا تكون إلاّ مساجد معطَّلة لا تقام فيها جماعة ولا تعمر بعبادة ولا ذكر.
وهذا الذي قلته كله صحيح، واسألوا المفتي أو راجعوا حاشية ابن عابدين إن لم تصدّقوا أو جاءكم من يقول لكم غير ذلك.
* * *
ولمّا كانت في دمشق حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدتها جامعة الدول العربية بإشراف الأمم المتحدة من سنين لبحث التأمين الاجتماعي، كنت في وفد سوريا، ثم انتُخبتُ فيها
[ ١٦٤ ]
أحد الثلاثة الذين سُمّوا للّجنة العليا، لجنة الصياغة، وقد قدمت إليها بحثًا موضوعه الوصايا وأنها مصدر كبير من مصادر التأمين الاجتماعي لو أُحسن استغلالها ووضعت موضعها.
ثم لمّا وُضع قانون الأحوال الشخصية المعمول به الآن في البلاد (وكنت أنا الذي أَعدّ مشروعه) وُضعَتْ فيه مادة صريحة باعتبار كل وصية بمعصية أو بأمر ينافي مقصد الشارع باطلة.
وكلامي الآن لمن يثق بي من المستمعين، أنصحهم وأُبيّن لهم، فإن سمعوا مني فالحمد لله، وإلاّ فما عليّ إلاّ البلاغ.
إن المرء لا يوصي بوصية إلاّ ابتغاء ثواب الله، فيجب عليه أن يعرف ما يرضي الله قبل أن يوصي.
وذلك بأن تنظر أولًا: فإن كان لك ذرّية ضعفاء وكان مالك قليلًا لا يكفيهم هم، فالأحسن أن تترك المال لهم ولا تكتبه لزيد أو لعمرو أو لمسجد أو مستشفى وتدَعَ ذريتك يحتاجون الناس. وأنا أعرف رجلًا فقيرًا متكسبًا من عمله ترك ثلاث زوجات وعشرًا من الولد وأوصى بثلث ماله للخير، فجاء الوصي فجرّع الأولاد العلقم وعذّبهم في المحاكم وأخذ المال، فلم يعلم إلاّ الله ماذا صنع به، وأولاد الميت يحتاجون إلى عُشره ليعيشوا به.
وإذا كنت موسرًا وأحببت أن تجعل من مالك قسطًا للخير فقدّمه بين يديك، يكن ذلك خيرًا لك في الدنيا والآخرة. وما تعطيه في حياتك وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى (كما جاء في الحديث) أفضل مما توصي به.
[ ١٦٥ ]
وإذا لم تحب أن تنفقه في حياتك وأردت أن توصي به فحسن، الوصية مطلوبة على أن تجعلها في وجوه الخير وفيما هو طاعة وبرّ باتفاق العلماء. فاجعل وصيتك أن يكون التجهيز والتكفين وما إلى ذلك على الوجه الشرعي، وأن تنظر -بعد- فإذا كان في أقربائك محتاج فاكتب له شيئًا معينًا باسمه، والأقرباء أولى بالمعروف، ولا يقبل الله صَدَقة عبد وفي قرابته محاويج. فإذا فرغت من أقربائك فلمن يلوذ بك من جيرانك ولمن له حق عليك، إذا كان فقيرًا محتاجًا. فإن فضل شيء فاجعله عند من هو مستحق له. هذا بعد أن توصي بشيء لمن يحجّ عنك إن لم تكن حججت الحجة الواجبة، وما بقي جعلته للفقراء المحتاجين.
وقد صار عندنا الآن -بحمد الله- جمعيات للبر والخير أمينة موثوق بها. وقد حدّثتكم عن جمعية النهضة الإسلامية في حماة، وفي دمشق، وفي حمص جمعية البر والخدمات الاجتماعية، وهي مؤسسة من عشر سنين ولها دار للعجزة ولها مستشفى مجاني ولها دار للمكفوفين لتعليمهم وتربيتهم، وقد نقّت حمصًا من السائلين والشحّاذين فلا تلقى فيها اليوم سائلًا. وفي دمشق جمعيات كثيرة لها اتحاد عام تشمل أحياء البلد كلها. وأنا أعلن للملايين التي تسمعني أن هذه الجمعيات موضع ثقة، وهي تعالج المرضى وتسعف الفقراء وتعلّم الطلاّب، وتقوم بكل أنواع البرّ، فمن أراد أن يوصي بشيء للخير فليسلّمه إلى واحدة منها.
ورأس الأمر كله في الوصية أن تحرص على حسن اختيار الوصي، وألاّ تغترّ بالزي والكلام بل تعتمد على التجربة والاختبار، لأن في الناس كثيرين يتزيّون بزي الصالحين
[ ١٦٦ ]
المصلحين وهم من المفسدين العاصين، وآخرين يلبسون لباس العلماء العاملين وهم من الجَهَلة الدجّالين الذين يأكلون الدنيا بالدين.
يا أيها السامعون: إن أمر الوصايا من الأمور الاجتماعية الخطيرة، وإننا إذا اتبعنا بها سبيل الشرع ووضعنا هذه الأموال في مواضعها ولم ننفق شيئًا منها على البدع الممنوعة شرعًا، لا على الآس والأكاليل ولا على الدعوات والولائم التي يُدعى إليها الأغنياء ويُطرد الفقراء، ولا على الصباحيات والعصريات والختمات والتهاليل، ولا على الخميس والأربعين والسنوية كان منها باب عظيم من أبواب الإصلاح.
وأسأل الله أن يوفقنا جميعًا إلى ما فيه رضاه.
* * *
[ ١٦٧ ]