نُشرت سنة ١٩٣٢
دخل علينا (في العام الماضي) زميلنا الأستاذ «فلان» غرفةَ المعلمين (١) وهو مُرْبَدّ الوجه ساخط متذمر يرتجف من الغضب، فألقى الدفتر على المنضدة حنقًا وانتبذ ناحية من الغرفة فقعد فيها، وأمسك برأسه يفكر. فاقتربت منه وجعلت أسأله: ما لك يا؟أخي؟ ماذا عراك؟ قل لنا، حدّثنا، لعله خير إن شاء الله.
قال: لقد ضاع الحياء وذهبت الأخلاق، ولم يبق في التلاميذ من يستحي أو يخجل؛ ولم يبق فيهم إلاّ كل وقح صفيق الوجه، فلعنة الله على هذه المهنة المرذولة!
_________________
(١) وكنت في تلك الأيام، قبل نحو ستين سنة، معلمًا في المدارس الابتدائية، وكذلك كان إخواني: أنور العطار وزكي المحاسني وجميل سلطان وعبد الكريم الكرمي وسليم الزركلي، ومَن هم أصغر سنًا منا كأمجد الطرابلسي وناجي الطنطاوي وصلاح الدين المنجّد وعبد؟الغني الطنطاوي وشكري فيصل، وقد مضى أكثرهم إلى دار البقاء ﵏. قلت: وهذه الحاشية أضافها الشيخ -﵀- إلى طبعة سنة ١٩٨٩ من الكتاب (مجاهد).
[ ١٤٩ ]
قلت: وما ذاك يا أخي؟ ألا تحدثني الحديث؟ هل اجترأ عليك بعض الأولاد؟
قال: وأي جراءة! كنت أقرأ عليهم درس التاريخ، فقلت لهم: "إن الفينيقيين أجدادكم (١) فيجب أن "، فما راعني إلاّ تلميذ منهم خبيث قد انبرى لي فجعل يرد عليّ ويناقشني ويقول: "لا؛ بل إن أجدادنا هم العرب الذين جاؤوا من سفح أبي قبيس وجنبات سلع تحت راية سيد العالم (محمد بن عبد الله ﷺ)، فحملوا إلى هذه البلاد رسالة الله ونشروا فيها نور الإسلام ونفخوا فيها روح الصحراء. ثم لم يقنع هذا الولد الخبيث بجوابي ولم يسكت ولم يَنِ يتكلم ويناقش حتى أخرسته بالقوة. قبّحه الله وقبح مَن لقّنه هذه الآراء! قبحه الله ما أشد وقاحته وأكثر سلاطته! ما جئته بحجّة إلا جاء بثلاث، ولا قلت كلمة إلا قال أربعًا قبح الله من لقّنه هذه الآراء!
قلت: حسبك تقبيحًا يرحمك الله. إن الذي لقّنه هذه الآراء إنما هو أنا! أفلا تراها أرضى للحق ولمصلحة الأمة من آرائك هذه التي جئته بها، والتي جاء بها من قبلك فريق من أعدائنا وخصومنا ففرّقوا كلمتنا وكذبوا على تاريخنا، بفرعونية ابتدعوها في مصر ما أنزل الله بها من سلطان، وفينيقية اخترعوها في الشام، وآشورية سيبتكرونها في العراق، وعفريتية سيأتون بها في فيما لست أدري أين؟ كأنما يرضيهم أن ننتسب للشياطين أو للقردة (أجداد دارون وشيعته) ولا ننتسب لأمة محمد ﷺ فنقرأ تاريخها،
_________________
(١) هذا ما كان في مناهج التاريخ تلك الأيام.
[ ١٥٠ ]
فنملأ الدنيا فخرًا بها وعملًا على إحياء مجدها.
وعدّ يا أخي عن هذا وأخبرني: لماذا تغضب إذا ناقشك تلميذك، وتخشى أن تعود للحق لأنه جاء على لسان تلميذ وتصر على الباطل لأنه خرج من فيك؟ أليس خيرًا لك وأجدر بك وأنت معلم أن تعود إلى الحق وتكافئ صاحبه، وتعلّم التلاميذ أنه لا شيء أحلى من الثبات على الرأي إلاّ الرجوع إلى ما هو خير منه، بدلًا من أن تعلمهم كيف يثبتون على الباطل ويدحضون به الحق؟
- لا، لا. أنا أعدّ هذه الآراء تعدّيًا على حرمة المعلمين وتشجيعًا للتلاميذ على مناوأتهم والمشاغبة عليهم.
قلت: وأنا أعتبر آراءك هذه تعديًا على حرمة الحق وتشجيعًا للتلاميذ على دوس الحقائق التاريخية والعبث بمصلحة الأمة. وهل تراني أقول للتلاميذ: "قوموا شاغبوا على معلميكم أو أفسدوا الدروس حتى لا تتعلموا شيئًا"؟ لا يا صاحبي، أنا أكثر منك غيرة على سير الدروس وتأمين النظام فيها لأني أعلم أن العلم أمضى سلاح في الحياة، ولكني أقول للتلاميذ: "تحرّوا الحق وقدروه حق قدره، واعلموا أن المعلم أكبر من التلميذ ولكن الحق أكبر من المعلم ومن المدير ومن الوزارة ومن جمعية الأمم" وربما ناقشني تلميذي أشد من هذه المناقشة وجَرُؤ عليّ أكثر من هذه الجراءة فأطفئ حدته بسيل من الحجج والبراهين، فيخمد الحق ثورته فلا يلبث أن يقعد معترفًا ويؤوب مستغفرًا. وإذا آنست منه وقاحة أو سوء أدب عاقبته على سوء أدبه ووقاحته لا على حواره ومناقشته.
[ ١٥١ ]
والشرط في ذلك كله التثبت من الحقيقة، والمحافظة على أدب البحث، وقدر المعلم حق قدره، والغيرة على المصلحة، والضنّ بالوقت أن يضيع في الكلام الفارغ. فإذا استكمل التلميذ هذه الشروط وجب عليه (لا سيما تلميذ التجهيز، لا سيما طالب الجامعة) أن يقف عن تلقي ما يعتقد خلافه للحق أو إفساده لمصلحة الأمة، وأن يناقش فيه الأساتذة بأدب، وأن يعلم أن عليه أن يحترم الحق أكثر من احترام الأستاذ، وأن يحب الوطن أكثر من حب المعلم، وأن يخشى تأنيب الوجدان وعقاب الله أكثر من خشية عقاب المدرسة وجزاء الإدارة.
ولقد كان أرسطو (المعلم الأول) يقول: «أفلاطون أستاذي، ولكن الحق غايتي. فإذا اختلف أفلاطون والحق فأنا مع الحق».
* * *
[ ١٥٢ ]