نشرت سنة ١٩٣٥
ذهبت أمس إلى المدرسة الأمينية (١)، وهي المدرسة الإسلامية التي انحَطَمَتْ على جدرانها ثمانية قرون وهي قائمة، وماتت من حولها ثمانمئة سنة وهي حية، ونشأت دول وانقرضت وبدئت تواريخ وختمت وتبدلت الأرض وتغيرت، وهي ماضية في سبيلها، عاكفة على عملها، قد انقطعت عن الأرض من حولها واتصلت بالسماء من فوقها، فعاشت في سماء العلم والناسُ يعيشون في أرض المادة.
_________________
(١) الأمينية: قبلي باب الزيادة المعروف بباب القوافين من أبواب الجامع الأموي، وهي شرقي المجاهدية جوار قيسارية القواسين بظهر سوق السلاح، وكان به بابها (وبابها اليوم من سوق الحرير) وتعرف هذه المحلة قديمًا بحارة العقاب، وهناك دار مسلمة بن عبد الملك، قيل إنها أول مدرسة بنيت بدمشق للشافعية، بناها أتابك العساكر الملقب بأمين الدولة ربيع الإسلام أمين الدين كستكين السفتكي سنة ٥١٤. قلت: وجاء ذكرها في ترجمة الغزالي في طبقات السبكي لما زار دمشق، ودرس بها ابن خلكان وغيره، وكان لها شأن بين مدارس دمشق كبير. جدد عمارتها واستخلص بعض ما سرقه منها الجيران وجعلها مدرسة ابتدائية مدة أربعين سنة الشيخُ شريف الخطيب. وقد توفي ﵀ سنة ١٩٥٩.
[ ٢١٥ ]
دخلتها فإذا هي صامتة ساكنة، لا يُسمع في أبهائها صوت مدرس بدرس أو دارسين بتلاوة، وإذا في كل فصل من فصولها رهط من التلاميذ، متفرقون في زوايا الفصل لا تنفرج شفاههم عن بسمة السرور ولا تلمع عيونهم ببريق الجذل، وإذا الأستاذ صاحب المدرسة قابع في غرفته يفكر حزينًا وينظر آسفًا، وهو الذي لم يألُ العملَ جهدًا، ولم يسئ بالله ظنًا، فلما رآني قام إليّ يحدثني عن المدرسة ويعلمني علمها، فإذا المدرسة قد زلزلت في مطلع هذا العام المدرسيّ لأن الناس قد مالوا عن المدارس الإسلامية وزهدوا فيها، وزاغوا إلى المدارس الأجنبية وأقبلوا عليها، وضنّوا على مدارسنا بدينار واحد في العام ليمنحوا تلك ثلاثة أرباع الدينار في الشهر!
وأفاض الأستاذ في البيان حتى امتلأت نفسي حَزَنًا، فخرجت حزينًا فمررت على «الكاملية» (١) فإذا هي في خطب أشدّ ومصيبة أفدح، فجزت بـ «الجوهرية» (٢) فإذا هي ماتت بعد شيخ الشام،
_________________
(١) هي التنكزية الصغرى، دار قرآن وحديث شرقي حمام نور الدين الشهيد وراء سوق البزورية أنشأها نائب السلطنة تنكز سنة ٧٣٠. قلت: وسميت الكاملية الهاشمية لأن الأستاذ الشيخ كامل القصاب جدد بناءها وجعلها مدرسة ثانوية فكانت حينًا من أرقى مدارس دمشق.
(٢) الجوهرية شرقي تربة أم الصالح داخل دمشق بحارة بلاطة المعروف اليوم بزقاق المحكمة، أنشأها الصدر نجم الدين بن عباس التميمي الجوهري سنة ٦٧٦، وكان بعضهم أواخر القرن الماضي قسمها ثلاث دور. قلت: وقد أعادها مدرسةً وجدد بناءها الشيخ عيد السفرجلاني ﵀ رحمة واسعة. وقد هدمت سنة ١٩٥٨ وصار مكانُها شارعًا.
[ ٢١٦ ]
الشيخ عيد السفرجلاني، وإذا فيها بنات يقرأن ويصحن ويلعبن، فسلكت على «التجارية» (١) فإذا دارها الكبيرة في زقاق الفخر الرازي خلاء قواء وإذا هي قد انقلبت إلى الخيْضَريّة فاتخذت فيها دارًا، ورأيت «الجقمقية» (٢) القاعة التاريخية الجميلة، والمدرسة الأثرية الجليلة فإذا هي قد اتُّخذت دارًا.
فذهبت وأنا أحسّ الألم يقطع في كبدي والأسى يحزّ في قلبي، ووددت لو أن الله قبضني إليه قبل أن أرى مدارسنا الإسلامية لا تستطيع أن تعيش في البلد الإسلامي ولا تجد من يشد أزرها ويأخذ بيدها. وأممت شارع بغداد، أروّح عن نفسي بخضرة البساتين وجمال الكون وانطلاق الهواء ومنظر الجبل، فما راعني إلا أفواج من الناس قد ازدحمت على باب بناء كبير كأنه قلعة من القلاع أو قصر من القصور، حتى لقد كادت تسد بكثرتها الشارع العريض ما راعني إلا الناس على باب «مدرسة اللاييك» يتدافعون ويتزاحمون كأنهم على باب الجنة، فكل يطمع أن يسبق
_________________
(١) مدرسة مستحدثة أسسها طائفة من تجار دمشق، وكانت قبيل الحرب وأوائله أرقى مدرسة ثانوية في دمشق، وكان مديرها والدي الشيخ مصطفى الطنطاوي ﵀.
(٢) هي شمال الجامع الأموي، أسسها سنجر الهلالي وولده شمس الدين فانتزعها الملك الناصر حسن سنة ٧٦١ وأمر بعمارتها، فبنيت بالحجر الأبلق وجاءت في غاية الحسن، واحترقت في فتنة تيمور فجدد بنيانها سيف الدين جقمق وخص الخانقاه بالصوفية وأضاف إليها مدرسة للأيتام وتربة. وفي هذه المدرسة تخرّج أكثر رجال دمشق المعروفين اليوم على يد الشيخ عيد ﵀.
[ ٢١٧ ]
إليها، وكلما فتح الباب لواحد لحظته العيون بالغيظ ورمقته بالحسد. فسألت قومًا أعرفهم ينظرون كما أنظر: ماذا هناك؟
فقالوا: هم المسلمون يريدون أن يسلموا أبناءهم إلى رجال اللاييك ليصبوا في قلوبهم ما يشاؤون من عقائد باطلة في الدين، وعواطف زائفة في الوطنية، وزهادة في اللغة، وكره للتاريخ الإسلامي والقومية العربية، ويدفعون إليهم الأموال الطائلة، وما يشترون بها إلا الكفر لأبنائهم والزيغ والإلحاد، وحبّ الغريب وبغض القريب، وما يشترون إلا أعداء لهم ولأوطانهم يحاربونهم ويغزونهم في أخلاقهم وعقائدهم، وهم قد انحدروا من أصلابهم، وخرجوا من ظهورهم؛ أفرأيت بلاء أشدّ، وخزيًا أكبر، من أن يحاربونا بأبنائنا ويأخذوا على ذلك أموالنا؟
فقلت: لا والله! وسرت، أخشى أن يتمزق والله من الألم كبدي، فمررت على «مدرسة الفرير» فإذا الجموع أكثر والازدحام أشدّ، والمسلمون يرجون الخوري أن يُنسي أبناءهم القرآن ليحفظهم الإنجيل، ويبغّض إليهم محمدًا وأبا بكر وعمر ويحبب إليهم بطرس ولويس ونابليون فسرت مسرعًا، لا يطول بي وقوف فتحرقني نار الحزن، وأخذت طريقي إلى مدرستي أسلك إليها شارع البرلمان، فإذا على باب «مدرسة الفرنسيسكان» أمام الكنيسة الفخمة جمهور من المسلمين لا يحصيهم عدّ، يأخذون بأيدي بناتهم ليدخلوهن إليها فعدت أدراجي إلى شارع الصالحية فأخذت حافلة (الترامواي) إلى مدرستي في حيّ المهاجرين في لحف جبل قاسيون.
ولم يستقر بي في المدرسة مقام حتى أقبل علينا شيخ من
[ ٢١٨ ]
مشايخ المسلمين، على رأسه عمامة بيضاء كأنها برج وحول يده كُمّ كأنه خرج، تتدلى منه سبحة لا يفتأ يعدّ حبّاتها ويلعب بها، وقد يخطئ مرّة فيسبّح عليها، يجرّ بيده ولدًا فخذاه مكشوفتان وعلى رأسه كُمّة (١)، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ أعورة من أعلى وعورة من أسفل؟
قال: وما ذاك؟
قلت: ألم يكفك أن تكشف عورته، وأنت تذكر الله وتتلو كتابه، وتظهر منه ما أمر الله بستره، حتى تضمّ إلى العورة عورة أخرى تجيء من فوق رأسه، فتلبسه القبعة؟
فقال (ولوى لسانه وتفيهق وتشدّق): ما هي بعورة في مذهبنا.
قلت: وما مذهبك يا مولانا؟
قال: مذهب الإمام مالك.
قلت: ذاك لمن لا يفرّق بين عورة الملتحي وعورة الأمرد، هذا الذي في مذهب مالك، لا مع مثل ابنك الذي لا تؤمَن معه الفتنة.
* * *
وتركته وقمت إلى قسم الشهادة الابتدائية أرى التلاميذ، فجعلت أسألهم من هنا وهناك، فقلت: ما شروط الصلاة؟ ومَن يعرفها منكم؟
_________________
(١) الكمة هي (البيريه)، وهي جنس من القبعات.
[ ٢١٩ ]
قالوا: لا نعرفها؛ درس الديانة ليس من دروس الامتحان فلا نحفظه.
قلت: فماذا قرأتم في السنة الماضية؟
قالوا: وماذا نقرأ؟ عندنا ساعة واحدة في الأسبوع.
قلت: فلنبحث في التاريخ، من يحدّثنا عن وقعة اليرموك أو القادسيّة؟
قالوا: ما قرأناها. نحدثك عن سيرة نابليون ووقعة واترلو هذا ما قرأناه وسنقرؤه في هذا العام
* * *
وبعد، فهذا طرف من الحقيقة، وقليل من كثير من الواقع، نسوقه بلا تعليق.
* * *
[ ٢٢٠ ]