أُذيعت سنة ١٩٥٨
ورد عليّ في بريد هذا الأسبوع كتاب من أخ من أوساط الموظفين، كتب إليّ ثائرًا فائرًا، يذم الدهر ويشكو الزمان لأن مرتبه وهو الذكي العالِم المستقيم (كما يقول عن نفسه) لا يبلغ ربع ما يناله زميل له ليس له ربع ذكائه ولا علمه، وكلما طالَبَ منعوه ما هو حق له وحرموه منه، فكان تحكّم بشر مثله في رزقه أشدَّ عليه من ضيق الرزق إلى آخر ما قال.
ولقد مرّ بي -أنا- مثل هذه المحنة، حين خطبت أيام الحكم العسكري في الشام، من بضع سنوات، تلك الخطبة التي حملها المذياع من منبر مسجد الجامعة السورية إلى آفاق الأرض (١)، فأغضبت عليّ الحكومة حتى نال مني الحاكمون في منصبي وفي رزقي.
وقعدت عشيةً مَغيظًا محنقًا، لا لنقص المرتب وضياع
_________________
(١) أحسب أن الخطبة المقصودة هي تلك التي ألقاها الشيخ -﵀- بمناسبة «رقصة السماح» التي أقيمت في دمشق سنة ١٩٥١. راجع الحلقة ١٣٦ في الجزء الخامس من «الذكريات» (مجاهد).
[ ٧٥ ]
المنصب، بل غضبًا لحريتي وكرامتي، وأنَفَة من أن يتحكم فيّ إنسان مثلي ويُملّك التصرف في عملي وفي رزقي. وأظلم عليّ الليل وأنا مستغرق ذاهل، أداري من نفسي غضبة أخشى أن تتفجّر تفجّر القنبلة وكان في غرفتي شعبة من الرادّ، فسمعت القارئ يقرأ حتى بلغ قوله تعالى: ﴿نَحنُ قَسَمْنا بينهم معيشتَهم في الحياةِ الدُّنيا﴾، فتنبّهت إليها كأني ما سمعتها قطّ، وكأنما نزل بها جبريل الساعة على قلب محمد ﷺ، وأحسست أنها جاءت بردًا على كبدي وسلامًا، فسكت عني الغضب وامَّحَتْ عن عيني الغشاوة، ورأيت حقيقة القدر رأي العين. وقلت: يا رب، إن كنت أنت الذي قدّر وقسم وأنت الذي أعطى ومنع فأنا راضٍ بما قسمت لي.
* * *
أسمعت؟ أسمعت يا أخي؟
هو الذي قسّم المعاش، هو الذي قدّر الأرزاق، وما يملك هؤلاء الناس عطاء ولا منعًا. ما الناس إلاّ وسائط، فهل تغضب على محاسب الدائرة في أول الشهر إذا أعطاك مئة وأعطى الرئيس مئتين؟ وما ذنبه حتى تغضب عليه؟ أهو الذي وضع المِلاكات وحدّد الرواتب، أم هو منفذ لما قُرّر من قبل وأُمضي؟
هذا هو مَثَلك ومثل من تظن أنهم أعطوك أو منعوك وأنهم قدّموا غيرك وأخّروك؛ إن هم إلاّ محاسِبون، أما الذي قرر جداول الأرزاق من الأزل وحدّد مقاديرها فهو الله رب العالمين، فما كان لك فسوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك. أتستطيع أن تنال ليرة من راتب زميلك مهما كنت قويًا
[ ٧٦ ]
وكان ضعيفًا؟ ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو أجمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف.
فإذا لم يكن لك كل ما تريد، فلماذا لا تريد كل ما يكون فتستريح وتريح؟ وهذه هي نعمة الإيمان بالقدَر. وليس معنى الإيمان أن تستلقي على ظهرك وتنتظر أن ينزل عليك رزقك من السقف، فإن السماء (كما قال عمر) لا تمطر ذهبًا ولا فضة، بل أن تجِدّ وتسعى وتعمل للدنيا كأنك تعيش فيها أبدًا، وأن تجمع المال من كل وجه حلال، وأن تضرب في آفاق الأرض وتأخذ بأسباب الرزق ولا تدّخر جهدًا هو في طاقة البشر لا تبذله للغنى. فإن لم تصل -بعد ذلك كله- إلى ما طلبت فلا يدفعك اليأس إلى الانتحار ولا يُسْلمك الغم إلى المرض، بل تعزَّ وارْضَ، وقل: لقد عملت ما عليّ ولكن الله لم يكتب لي النجاح، وأنا راضٍ بقضاء الله.
هذه هي حقيقة الإيمان في دين الإسلام، ليست تسييبًا وكسلًا كما يظنها العوام وأشباه العوام. وأنت تعرف قصة الرجل الذي ترك ناقته على باب المسجد ودخل على رسول الله ﷺ، فلما خرج لم يجدها فرجع فقال: يا رسول الله، ناقتي! تركتها وتوكلت على الله فضلّت. فقال رسول الله ﷺ: «قيِّدْها وتوكل على الله» (١).
_________________
(١) من الحديث الذي رواه الترمذي عن أنس؛ قال رجل: يا رسول الله، أعقلُها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل» (مجاهد).
[ ٧٧ ]
هذا هو الإيمان. إن الله جعل الكسب مَنوطًا بالعمل، والنبات مقرونًا بالحرث والزرع، والشفاء موقوفًا على الطب والعلاج. فمن قعد وطلب الربح لم يربح، ومن أراد الحصاد ولم يزرع لم يحصد، ومن طلب الشفاء ولم يتداوَ لم يُشْفَ. والله لا يُبَدّل قوانين الكون وسنن الوجود إرضاء لكسول أو خَمول. فاعمل وادأب، وخذ وطالب، ولا تسكت عن حقك ولا تقصّر في ابتغائه، ولكن لا تدع اليأس يدخل عليك والحقد الأسود يأكل قلبك، ولا تقل: ما لفلان وفلان؟ فلقد كنت يومًا مثلك؛ أجد من هم دوني ومن كانوا تلاميذي قد حازوا الجاه والمال وبلغوا أعلى المناصب فأتألم، ثم قلت لنفسي: "يا نفس ويحك، ومن أعطاك العهد على أن تكوني أبدًا فوق الناس، أوَليس خيرًا لك يا نفس أن أدخل على وزير أو كبير فيجلّني ويراني مثله، من أن أدخل على من يستصغرني ويراني دونه، أوَلست في خير؟ أوَلا أتقلّب في النعم؟
وبرئت من مرض الحسد فاسترحت، وصرت أنظر إلى نعم الله عليّ فأراني لا أستحق بعضها. وهأنذا اليوم لا أشكو شيئًا وأعبّ السعادة، والله، عبًّا.
وليس في الدنيا أحدٌ لا يجد من هو أفضل منه في شيء ومن هو أقلّ منه في أشياء. إن كنت فقيرًا ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضًا أو معذَّبًا ففيهم من هو أشدّ منك مرضًا وأكثر تعذيبًا، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتبصر من هو تحتك؟ إن كنت تعرف مَن نال من المال والجاه ما لم تنله أنت وهو دونك ذكاء ومعرفة وخُلقًا، فلمَ لا تذكر مَن أنت دونه
[ ٧٨ ]
أو مثله في ذلك كله وهو لم ينل بعض ما نلت؟
وفلسفة الرزق أدقّ من أن تُدرَك وأبعد من أن تنال. وانظر إلى الناس ترَ منهم الغوّاصين الذين جعل الله خبزهم وخبز عيالهم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء، والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي الفضاء، ومَن كان خبزه مخبوءًا في الصخر الأصمّ فلا يناله إلاّ بتكسير الصخر، ومَن رزقه في مجاري المياه الوسخة أو المناجم العميقة التي لا ترى وجه الشمس ولا بياض النهار، ومَن يأخذه بيده أو برجله أو بلسانه أو بعقله، ومَن لا يصل إلى الخبز إلاّ ببذل روحه وتعريض مهجته للهلاك، كلاعب (السِّرْك) الذي يترصّده الموت في كل مكان، فإن لم يدركه ساقطًا على رأسه أدركه وهو بين أنياب الأسد أو تحت أرجل الفيل!
فاحمد الله أن جعل رزقك على مكتبك، تصل إليه وأنت قاعد على كرسيّك، لم يجعله في رؤوس الجبال، ولا في أعماق البحار، ولا في مواجهة الأسد والنمر.
وهذه المزايا التي تقول إن الله أعطاكها: مَزيّة الفهم والجِدّ والدأب والاستقامة والأمانة، أليست نِعَمًا تستحق أن تحمد الله عليها؟ أوَترضى أن تزداد مالًا وأن تكون عييًا غبيًا، أو جاهلًا أو خاملًا، أو لصًا أو مجرمًا؟ فلا تأسف إذا أُعطيت هذه النعم كلها وحُرمت المال الوفير، بل ائسَفْ إن حُرِمتَها وأُعطيتَ أموال قارون.
وهل السعادة -يا أخي- بالمال؟ ما المال إن لم تُشرَ به
[ ٧٩ ]
متعة عيش، أو لذة نفس، أو مكرمةٌ يبقى ذكرها، أو صالحةٌ ينفع أجرها؟ المال وسيلة، فإن لم يُتوسَّل به إلى نعيم الدنيا أو سعادة الآخرة كان ورقًا مصوَّرًا أو معدنًا برّاقًا. كالذي زعموا أنه كان له دعوتان مستجابتان، فدعا ربه أن يجعل كل شيء تمسّه يده ذهبًا، فأعطيها فكاد يطير عقله من الفرح، وانطلق يلمس كل ما يجد فيحوّله ذهبًا، حتى جاع فأخذ الصحن ليأكل فصار ما فيه من الطعام ذهبًا، وعطش فحمل الكأس ليشرب فصار ما فيها من الماء ذهبًا، فقعد جوعان عطشان، فأقبلت ابنته تواسيه، فعانقها، فصارت تمثالًا من الذهب. فدعا ربه الدعوة الثانية: أن يعيد كل شيء كما كان، لأنه أدرك أن الرغيف للجائع والكأس للعطشان والبنت للأب خيرٌ من ملء الأرض ذهبًا.
وأنت تستطيع بمُرَتّبك القليل -إن أحسنت التصرف فيه واستشعرت الرضا به- أن تكون أسعد ممن له الآلاف المؤلفة من الليرات. وأنا أعرف رجالًا يدخل على الواحد منهم في يومه ما لا يدخل عليّ في السنة والسنتين من المال، وأنا أعيش عيشًا أرفه وأرغد مما يعيشون: لا آكل أطيب مما يأكلون ولا ألبس أفضل مما يلبسون ولا أُمتِّع نفسي أكثر مما يتمتعون، ولكن أرضى أكثر مما يرضون.
ولي بعد ذلك لذائذ هم محرومون منها: لذة المطالعة أمام المدفأة في ليالي الشتاء، ولذة التفكير الحالم في الفراش قبل النوم، ولذة المناظرة في مجالس العلم والأدب، ولذة المحاضرة في النوادي والإذاعات. وهم يحتاجون إليّ؛ يسألونني فأعلمهم ويجيئون إليّ فأحكم بينهم، وأنا لا أحتاج إلى واحد منهم لأنهم
[ ٨٠ ]
إنما يَفْضُلونني بالمال، وأنا لا أطمع في أموالهم ولا أرضى أن آخذ منهم. وأنا إن أردت القناعة والرضا وجدت من المال ما يكفيني، وإن لم أقنع ولم أرضَ لم تكفني أموال الدنيا.
وما يصنع بالمال مَن يدخل عليه في شهره العشرة الآلاف، والعشرون والخمسون، من كبار التجّار والموسرين؟ أيمكن أن يلبس الرجل عشر بذلات معًا؟ أو أن يأكل عشرين رغيفًا في غداء؟ أو ينام على خمسة أسرة في وقت واحد؟ إلاّ أن يكون الإنفاق في السرف والترف والفسوق والعصيان، وهذا شيء ليس له حدود، ويمكن أن ينفق المرء في ليلة واحدة على الخمر والعهر ما جمعه في عشر سنين ويمكن أن يشعل دخينته (سيكارته) بورقة أمّ مئة ليرة، ولكن هذه كلها أفعال السفهاء المجانين، ونحن نتكلّم عن العقلاء من الناس.
ولقد بقيت مرة وحدي في المحكمة الشرعية القديمة، فقعدت أمام البحرة (١) وأردت أن تمتلئ حتى يفيض الماء من جوانبها، ففتحت «السّباع» كلها، فتدفق الماء ولكنها لم تمتلئ، فعجبت وقمت أفتش فوجدت «الهارب» الكبير مفتوحًا، فسددته ففاض الماء.
فعلمت أنه ليس العبرة بفتح «السبع» ولكن بسدّ «الهارب»؛ العبرة بتقليل المصروف لا بتكثير الوارد. فلا تَاسَ على نفسك
_________________
(١) البحرات: البِرَك التي تكون في بيوت الشام القديمة، فيصب الماء إليها من تماثيل من النحاس على هيئة السّباع، لذلك يسمى مصب الماء «السبع» ومجراه «الهارب».
[ ٨١ ]
إن قلّ مرتبك وارضَ فإن الرضا هو السعادة، يفتش عنها الناس ويبحث عنها الفلاسفة ويهيم بها الأدباء، وهي تحت أيديهم، كالذي يفتش عن نظّاراته في كل مكان ويسأل عنها في الدار كل إنسان، والنظارات على عينيه!
السعادة بالرضا والإيمان.
* * *
واعلم -بعدُ- أن كل حال إلى زوال، فلا يفرحْ غني حتى يطغى ويبطر ولا ييأسْ فقير حتى يعصي ويكفر، فإنه لا فقر يدوم ولا يدوم غنى، وكم من رجال نشؤوا على فرش الحرير وشربوا بكؤوس الذهب، وورثوا كنوز المال، وأذلوا أعناق الرجال وتعبّدوا الأحرار، فما ماتوا حتى اشتهوا فراشًا من صوف يقي الجنب عَضَّ الأرض ورغيفًا من خبز يحمي البطن من قرص الجوع. وآخرون قاسوا المِحَن والبلايا وذاقوا الألم والحرمان وطووا الليالي بلا طعام، فما ماتوا حتى ازدحمت عليهم النعم وتكاثرت الخيرات، وصاروا من سُراة الناس. وهل في الدنيا غني لم يكن -يومًا- أو لم يكن أبوه أو جدّه فقيرًا؟ وكم في الدنيا من فقير صار أو صار ولده أو حفيده ربّ الملايين!
فلا ييأس أحد؛ فربما صار ابنُ فرّاش المحكمة رئيسَها وصار ابنُ الرئيس فرّاشها، وغدا ولد صاحب الأرض فلاحًا يشتغل بطعام يومه. وإنما هي الأيام يداولها الله بين الناس، ككرة الملعب: ما تكون بيدك إلاّ ريثما تنتقل إلى غيرك. والعمر كله ماضٍ، فهل يبقى لك المال إن ذهبت الحياة؟
[ ٨٢ ]
وسيسوّي الموت بين الأحياء جميعًا: الغني والفقير في نظر الدود سواء، والمالك والأجير، والصعلوك والأمير، والكبير والصغير؛ كلهم يصير إلى البلى والانحلال، ثم يلقى السعادة الدائمة أو الشقاء الخالد.
قم في المقبرة تَلْقَ قبرًا يشمخ بأنفه كِبرًا على القبور، يُزْهى بالرخام المجزَّع المنقوش (١) ويضحك بالزهر والورد، وآخر متعثرًا بالطين يئن تحت أقدام السائرين، وقبرًا ثالثًا قد مات كما مات من فيه فعاد القبر ترابًا في الأرض تتفاوت المظاهر ولكن اتحدت البواطن، فما فيها كلها إلاّ رمم بالية وعظام نخرة، لا تختلف رمة عن رمة ولا عظام عن عظام، ولا تميز جمجمة الملك من جمجمة الصعلوك ولا ساق القاضي الذي حكم من ساق المجرم الذي حُكِمَ، وما ردَّ قبرٌ الحياةَ على ميت ولو كان قبر الإمبراطورة شاهجهان (٢).
ما يبقى للميت إلاّ الذكر في الدنيا والعمل للآخرة. وما الذكر -إن حققت- وما الشهرة إلاّ خدعة كبرى ليس وراءها شيء، سراب. والعمل الصالح هو وحده الباقي.
* * *
_________________
(١) أعاد الشيخ ﵀ نشر هذه المقالة في سلسلة «صور وخواطر» التي نشرها في جريدة «الشرق الأوسط» سنة ١٩٨٨، وفي هذا الموضع من المقالة أضاف حاشية قال فيها: "مع أن بناء القبور وتعليتها لا يجوز في دين الإسلام" (مجاهد).
(٢) تاج محل، أجمل بناء شيد على ظهر هذه الأرض.
[ ٨٣ ]