نُشرت سنة ١٩٣٤
احسبوا معي يا قرّائي الأعزاء؛ لأني -كما تعلمون أو كما لا تعلمون- لا أحسن الحساب ولا أعلم أن خمسة وستة ثلاثة عشر إلاّ بعد ساعة كاملة أقضيها في حل هذه المسألة وربما خرجت بعد هذا التفكير ومعي فيها قولان: فهي على قول اثنا عشر، وعلى قول هذه الثلاثة عشر المشؤومة، واللهُ أعلم بالصحيح.
احسبوا معي يا سادة: مئتان وخمسون ورقة، في كل ورقة خمسة حمير وخمسة أفراس، فكم هو الحاصل؟ لست أدريه على التحقيق، ولكنه -من غير شك- أكثر من ألف حمار وألف فرس! وليست هذه الدواب في إصطبل ولا في خان ولا في مزرعة، ولكنها في رأسي ولا مؤاخذة!
نعم، في رأسي؛ فقد دعوني إلى لجنة الفحص وجعلوا موضوع الإنشاء حوارًا بين حمار وفرس (١)، وأرادوني وأرادوا زملائي الكرام على قراءة مئتين وخمسين مقالة في هذا الموضوع
_________________
(١) كان هذا موضوع الإنشاء في امتحان الشهادة الابتدائية تلك السنة. ولا ندري متى ينتهي مدرّسو الإنشاء من هذه الموضوعات «الخنفشارية»!
[ ٢٧٥ ]
«الحماري»، فجعلوني أحسّ أنّ في رأسي ألف حمار وألف فرس تتعادى وتترافس وتصهل وتنهق، وتضرب بأرجلها جوانب رأسي وتدخل في أذني وأنفي، وأراها في أحلامي طائرة من حولي تضاحكني وتباسطني بنهيق من نغم الصبا الحماري أو بعناق على الطريقة الحمارية.
ولست ألوم في اختيار هذا الموضوع لأنهم أكّدوا لي أن الموظف لا يحقّ له أن يلوم رؤساءه ولو بدا له أن هذا اللوم حق، ولكني أقول إن هذا الموضوع لم يعجبني. ولا يعنيهم أن يعجبني أو لا يعجبني ما دمت -في نظر القانون- لا يمكن أن أفهم شيئًا في هذا الباب لأني معلّم ألف باء تاء ثاء في مدرسة زاكية الحورانية! وأقول إنه أضحكني كثيرًا وأضحك زملائي أنّ أحد الطلاب كان رقيقًا أكثر من اللازم فجعل الفرس والحمار يتعاتبان عتابًا رقيقًا، ثم يعتذر أحدهما للآخر ويصافحه ويعانقه ويقدّم له «بردونًا» حماريًا وأنّ أحد الطلاب كان سمجًا أكثر من اللازم فجعل بين الحمار والفرس حوارًا أودع فيه كل ما يعرف من ألفاظ السباب والشتائم البلدية موجهة إلى حضرات الأساتذة الكرام أعضاء اللجنة وحجّته بأن الحمار رفس الفرس فقتله وأنّ أحد الطلاب أراد أن يتفاصح فجعل الفرس الأصيلة فرسًا «قصيلة» ولها «يدتان» و«رجلتان» و«عينتان»!
* * *
لا ألوم أحدًا، ولكني كتبت لأتنفّس الصعداء بعد هذا العناء الطويل والبلاء المستطيل، ولأهنئ إخواني الطلاب لا بنجاحهم وحملهم الشهادة (فليس هذا بالأمر المهم، وليس يعنيني كثيرًا
[ ٢٧٦ ]
أن تزيد قائمة المغترين مئة اسم أو مئتين) ولكني أهنئهم بأنهم لا يزالون تلاميذ، لا يعرفون -بعدُ- ما هو عناء الفحص. والتلميذ يوم الفحص يحسب أنه وحده الخائف الحذر، في حين أن هؤلاء التلاميذ الكبار، هؤلاء الفاحصين، أشدّ منه خوفًا وحذرًا. هو يخاف من السّقوط، والسقوط أمر تافه ما دام التلميذ قد حفظ دروسه وقام بالواجب عليه، وهم يخافون من الظلم، والظلم أمر خطير لا يستطيع الرجل الشريف أن يُقدِم عليه.
والتلميذ يكتب ورقة واحدة، يصبّ فيها ما شاء من هراء وهَذَيان، ثم يذهب إلى بيته فيؤمن ويؤمن أبوه وأمه أنه قد أجاد وأحسن وبذّ الكاتبين، وهم مجبورون على قراءة هذه الأوراق كلها وحشو أدمغتهم بهذا الهراء وهذا الهذيان وفهمه وإدراكه، وتقديره بعلامة من علامات الامتحان. وهو إذا سقط يزعم ويزعم أهله أنه قد ظُلم وأن الفاحصين قد تحاملوا عليه وانتقموا منه، وهم إذا أسقطوا تلميذًا سقطت عليهم اللعنات والشتائم ورُفعت أكفّ العجائز في ظلمة الليل تدعو الله أن ينتقم "ممن كان سبب سقوطك يا ولدي، الله يخرب بيته، الله يعدمه أولاده، الله يبعث له العمى والكساح"! أي أن جزاء هذا الفاحص المسكين، الذي أجهد نفسه وأتعب ضميره وأضاع وقته، أن يخرب بيته فيبقى في الشارع، ويموت أولاده فيغدو منفردًا ثاكلًا حزينًا، ويذهب بصره فلا يعرف عدوًا من صديق ولا يعرف أين الطريق، ويصبح مُقعَدًا لا يقدر على حِراك
والغريب أن هذا السخف لم يختص به العجائز، بل تجاوزهم إلى مدير مدرسة بيني وبينه بعض الجفاء وتلاميذه مقصرون جدًا
[ ٢٧٧ ]
فسقطوا في الفحص، فلم يرَ سبيلًا إلى ستر تقصيرهم وإخفاء عجزهم إلاّ بأن ينسب إليّ الخطأ. وأغرب من هذا أن كثيرًا من أصدقائي قد سألوني أن أضمن لهم نجاح طائفة من الطلاب، ولم يروا في هذا بأسًا، وغضبوا حين لم ينجح هؤلاء الطلاب مع أنني أحقّ بالغضب منهم وأولى أن أثور لكرامتي التي يعبثون بها بهذا الطلب الذي لا يختلف في شيء عن قولهم لي لو قالوا: أنت رجل خائن قد تعوّدت الخيانة، فنرجو أن تخون أمانتك هذه المرة أيضًا من أجل خاطرنا!
على أن الذي جرأ الناس على هذه الطلبات وعوّدهم عليها هو إصغاء بعض المعلمين ومن بيدهم أمر الفحص إليها، واستجابتهم لها. ولو رفضوها واستنكروها وغضبوا منها لتراجَع الناس وفهموا أن المعلم ليس لصًا ولا خائنًا، ولا يختصّ زيدًا بالخير ولا عَمْرًا بالشر، ولو اضطرته إلى ذلك الصداقة المتينة أو العداء الأكيد.
والخلاصة أني أحمد الله على نجاتي من هذا العناء وعلى عودتي إلى نفسي وهدوئي ومطالعاتي، وأرجو أن تكون هذه آخرَ مرة أُدعى فيها إلى مثل هذا العناء. وأحسب أنهم لن يدْعوني كرّة أخرى، وأحسبني قد أتعبتهم كما أتعبوني.
* * *
وبعد، فإني أحمد الله على انتهاء هذه المفازة الامتحانية، وأُهنّئ من فاز من الطلاّب، وأرجو لمن سقط نجاحًا قريبًا، وليغفر الله لمن ملأ رؤوسنا خيلًا وحميرًا.
* * *
[ ٢٧٨ ]