الفصل [الأوّل]
في ذكر الموت
عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "أَكْثِروا ذِكْرَ هادِمِ اللَّذَّات" (١)
قَال الربيعُ بن أبي راشدٍ: لو فارق ذكرُ الموت قلبي، لفسدَ (٢).
قال مجاهد: ما من ميتٍ إلا عُرض عليه جلساؤه، إن كانوا أهلَ، أو كانوا أهلَ لهوٍ (٣).
ويجتمع على ابن آدم ستُّ شدائد:
الشدة الأولى: مفارقةُ المالِ والولدِ والدنيا.
الشدة الثانية: [] الأعمال.
الشدة الثالثة: حسراتُ الفوت حين لا يمكن الاستدراك، وهي أشدُّ شدة.
_________________
(١) رواه النسائي (١٨٢٤)، والترمذي (٢٣٠٧)، وابن ماجه (٤٢٥٨).
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٧٥).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٩٧٧).
[ ١٩٢ ]
الشدة الرابعة: معاينة المَلَك، وهي حالة عظيمة.
الشدة الخامسة: ألمُ الموت، ومنها قوله - ﷺ -: "إِنَّ لِلمَوْتِ سَكَرَاتٍ" (١).
الشدة السادسة: نزولُه القبر، وسؤاله.
وفي الآخرة، وفيه أربعة شدائد:
الشدة الأولى: القيامُ من قبورهم، وما يقع بهم من العَرَقِ وشخوصِ الأبصار.
الشدة الثانية: الحساب.
الشدة الثالثة: المرور على الصراط.
الشدة الرابعة: الميزان.
المَوْتُ بحرٌ هائِلٌ مَوْجُهُ تَضِلُّ فيهِ حِيلَةُ السَّابِحِ
لا يَنْفَعُ الإنْسَانَ في قَبْرِهِ غيرُ (٢) التُّقَي وَالعَمَلِ الصَّالِحِ
كان سليمانُ التيميُّ إذا مات في الحي ميتٌ، لم ينم تلك الليلةَ.
وكان يحيى بن أبي كثيرٍ إذا شاهدَ جنازةً، لم يَتَعَشَّ تلك الليلةَ. (١)
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٨٤) عن عائشة -﵂-.
(٢) في الأصل: "إلا" بدل "غير".
[ ١٩٣ ]
إِخْوَاني! تذكروا ما لا ينساكم، وتفكروا فيما لابدَّ يلقاكم، وعمِّروا القبور، فإنّها مأواكم، وأخروا الغرور، فكم غرَّ دنياكم، واعتبروا بمن سواكم بسواكم.
دخل سابقٌ البربريُّ على عمرَ بن عبد العزيزِ، فقال له: عِظْني وازجر، فأنشده:
إِذَا أَنْتَ لمَ ترحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى وَوَافَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مِنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمتَ عَلَى أَنْ لا يمُونَ شَرِيكَه وَأَرصَدتَ قَبْلَ المَوْتِ ما كَانَ أَرصَدَا
فبكى عمرُ، وسقط مغشيًا عليه.
[ ١٩٤ ]