في فضل شوّال
خَرَّجَ مسلمٌ من حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ، عن النبي - ﷺ -، قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ" (١).
وقد روي من حديث أبي هريرةَ، مرفوعًا: "مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ مُتَتَابِعَة، كَأَنَّما صَامَ السَّنَةَ" (٢)، وطريقه ضعيف.
وعن الشعبيِّ، قَالَ: لأَنْ أصومَ يومًا بعدَ رمضانَ، أحبُّ إليَّ من أن أصوم الدهرَ كلَّه.
وأما صيامُ شوال، ففي حديثِ رجلٍ من قريش، سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقول: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا، وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ، دَخَل الجَنَّة" خرجه الإمامُ أحمدُ، والنَّسائيُّ (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١١٦٤) عن أبي أيوب الأنصاري -﵁-.
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧٦٠٧) عن أبي هريرة -﵁-.
(٣) رواه النسائي (٢٧٧٨) والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٤١٦) عن عريف من عرفاء قريش، عن أبيه.
[ ٢٩ ]
يا طَالِبَ الدُّنْيا إِلَى كَمْ خَلْفَهَا تَجْرِي، أَما سَمِعْتَ واعِظَ زجري، أتعلمُ أنك تعيشُ إِلَى الفَجْرِ، فكم مِنْ متلذِّذِ عيشٍ طيِّب غدا منه إلى القبرِ، [] ولكن لا يدري متى يَسْري.
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ الله نِعْمَةً عَلَيَّ لَهُ فى مِثْلِها يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلا بِفَضْلِهِ وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ العُمْرُ
عن ثوبانَ: أن رسولَ الله - ﷺ - قَالَ: "صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَاُم سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ" (١).
يا هذا! مَنْ للقبر وأنت واني، إِلَى متى هذا التواني؟ أَتَحْسَبُ أَنَّكَ لَسْتَ بِفانٍ، وَها أَنْتَ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ دَاني، أتدْرِي إِلَى النَّارِ تَسْكُنُ أَمْ إِلَى الجِنَانِ؟
عِيدِي مُقِيمٌ وَعِيدُ الناسِ مُنْصَرِفُ وَالقَلْبُ مِنِّى عَنِ اللَّذَّاتِ مُنْحَرِفُ
وَلِي قَرِينَانِ مالِي مِنْهُما خَلَفٌ طُولُ الحَنِينِ وَعَيْنٌ دَمْعُهَا يَكِفُ
يا مَنْ يفرح في العيد بتزيين لباسِه، ويوقن بالموتِ وما استعدَّ لِبَاسِه، ويعتبر بإخوانه وأقرانه وجُلاَّسه، وكأنه قد أمنَ سرعةَ اختلاسِه، كيف تقرّ بالعيد عينُ مطرودٍ عن الصلاح؟! كيف تضحك سِنُّ مردودٍ عن
_________________
(١) رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢١١٥).
[ ٣٠ ]
الفلاح؟! كيف يُسَرُّ من يُصِرُّ على الفِعَال القِباح؟! كيف لا يبكي من فاته جزيلُ الأرباح؟
فَاكْدَحْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ في غَفَلٍ وَلا تَكُنْ جَاهِلًا بِالحَقِّ مُرْتَابا
إِنَّ المَنِيَّةَ مَوْرُودٌ (١) مَنَاهِلُهَا لا بُدَّ مِنْهَا وَلَوْ عُمِّرْتَ أَحْقَابا
يا مَنْ وفا رمضان على أحسنِ حال! لا تغيرن بعدَه في شوال، يا مَنْ رأى العيد وصل إليه! متى تشكر المنعمَ وتُثني عليه؟
تصدَّر أقوامٌ لمحوِ العواقب، ففعلوا عمل مراقب، وجاوزوا الفرائض إِلَى طلب المناقب.
* * *
فصلٌ