في التحذير من الغرور
عن ابن مسعودٍ: أن النبيَّ - ﷺ - قرأ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، قيل: وكيف ذلك؛ قال: "يُدخِلُ النُّورَ في قَلْبِهِ، فَيَنْفَتِحُ لَهُ"، قيل: وما علامة ذلك؟ قال: "التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالإنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ، وَالاِسْتِعْدَادُ لِلمَوْتِ قَبْلَ نزولِهِ" (١).
قَالَ أبو الجواد المغربي: كنت ببيت المقدس جالسًا، وإذا قد طلع شابّ، والصبيان حوله يرمونه بالحجارة، ويقولون: مجنون، فدخل المسجد، وجعل ينادي: اللَّهُمَّ أَرِحْني من هذه الدار، فقلت له: هذا كلام حكيم.
فقَالَ: ليس بي جنون وولق، بل قَلَق وفَرَق، ثم أنشأ يقول:
هجَرتُ الكِرَى في حُبِّ مَنْ جَادَ بِالنِّعم وَعِفْتُ الكَرَى شَوْقًا إِلَيْه فَلَمْ أَنَمْ
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "قصر الأمل" (١٣١)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٦٣).
[ ١٨٧ ]
ومَوَّهْتُ دَهْرِي بِالجُنُونِ عَنِ الهوَى لِأكتُمَ ما بِي مِنْ هوَاهُ فَما انكتَمْ
فَلَمَّا رَأَيْتُ الشَّوْقَ وَالحُبَّ بَائِحا كَشَفْتُ طِبَاعِي ثُمَّ قُلْتُ نَعَمْ نَعمْ
فَإِنْ قِيلَ مَجْنُونٌ فَقَد جَنَّنِي الهوَى وَإِنْ قِيلَ مِسْقَامٌ فَما بِيَ مِنْ سَقم
وَحَقِّ الهوَى وَالحُبِّ وَالعَهْدِ بَيْنَنَا وَحُرْمَةِ رُوحِ الأنْسِ في حِنْدِسِ الظُّلَمْ
لَقَد لامَنِي الوَاشُونَ فِيكَ جَهالَةً فَقُلْتُ لِطَرفي أَفْصَحَ العُذْرُ فَاحْتَشَمْ
فَعَاتَبَهم طَرْفي بِغَيْرِ تَكَلُّمٍ وَأَخْبَرَهُم أَنَّ الهَوَى يُورِثُ السَّقَمْ
فَبِالحِلْمِ يا ذَا المَنِّ لا تُبْعِدَنَّنِي وَقَرِّبْ مُرَادِي مِنْكَ يا بَارِئَ النَّسم
فقلت له: أحسنتَ، لقد غلطَ من سَمَّاك مجنونًا، فنظر إلي وبكى، وقال: أَوَ لا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ قلت: بلى، أخبرني.
فقال: طَهَّروا الأخلاق، ورضُوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، واتَزّرَوا با لصدق، وارتَدَوْا بالإشفاق، وشَمَّروا تشمير الجهابذة الحُذَّاق، حَتَّى اتصلوا بالواحدِ الرزَّاق، فشرَّدَهم في الشواهق، وغيبهم عن الخلائق، لا تُؤويهم دار، ولا يقرهم قرار، فالنظر إليهم اعتبار، ومحبتُهم افتخار، وهم صفوةُ الأبرار، ورهبانٌ أخيار، مدحَهم
[ ١٨٨ ]
الجبار، ووصفهم النبيُّ المختار، إن حضروا، لم يعرفوا، وإن غابوا، لم يفتقدوا، كان ماتوا، لم يشهدوا. ثم أنشأ يقول:
كُنْ مِنْ جَمِيعِ الخَلْقِ مُسْتَوْحِشًا مِنَ الوَرَى تَسْرِي إِلَى الحَقِّ
وَاصْبرْ فَبِالصَّبْرِ تنالُ المُنَى وَارضَ بِما يَجْرِي مِنَ الرِّزْقِ
وَاحْذَز مِنَ النُّطْقِ وَآفَاتِه فَاَفَةُ المُؤمِنِ في النُّطْقِ
وَجِدَّ في السَّيْرِ مُجِدًَّا كَما شَمَّرَ أَهْلُ السَّبْقِ لِلسَّبْق
أولئك الصَّفْوَةُ مِمَّنْ سَمَا (١) وَخِيرَةُ الله مِنَ الخَلْق
قَالَ: فأنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هاربًا، فأنا متأسفٌ عليه.
يا مَنْ جمعَ الأموال ورباها، وأقرضَها، ثم أكل رِباها، وعلا من المحرمات على رُباها، وافتخر بماله وجمعَه وباهى، كأنك بأشلائِك والقبرُ قد حواها، والترابُ قد أكلها وأبداها، ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
• • •
_________________
(١) في الأصل: "تسمى".
[ ١٨٩ ]