في ذكر الزكاة
عن أبي ذَرٍّ، قال: أتيتُ رسولَ الله - ﷺ -، وهو في ظل الكعبة، فقَالَ: "هُمُ الأَخْسَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ورَبِّ الكَعْبَةِ! هُمُ الأخْسَرُونَ، ورَبِّ الكَعْبَةِ! ".
قال: فأخذني غَمٌّ، وجعلتُ أتنفَّس.
قال: قلتُ: هذا شرٌّ حدثَ فيَّ.
قال: قلت: من هم: -فداك أبي وأمي-؟
قال: "الأَكْثَرُوَن أَمْوَالًا؛ إِلا مَنْ قَالَ في عِبَادِ الله هكَذا، وَهكَذَا، وَهكَذَا، وَقَلِيلٌ ما هُمْ".
"ما مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ، فَيَتْرُكُ غَنَمًا، أَوْ إِبلًا، أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زكَاتَهَا، إِلا جَاءَتْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ ما يَكُونُ، وَأَسْمَنَ، حَتَّى تَطَأَهُ بِأَظْلافِهَا، وَتنطحَهُ بِقُرُونِهَا، حَتَّى يُقْضى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يَعُودُ أَوَّلُهَا عَلَى آخِرِهَا" (١).
_________________
(١) رواه مسلم (٩٩٠).
[ ١٤٢ ]
وعن رسولِ الله - ﷺ -، قَالَ: "ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ، لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِح مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَبْهَتُهُ وَجَنْبُهُ، وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّما بَرَدَتْ، رُدَّتْ لَهُ، في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيرى سبيلها؛ إِما إِلَى الجَنَّةِ، وَإِما إِلَى النَّارِ" (١).
إخواني! قولوا للمفرِّط الجاني: قَالَ لك الشيبُ: أما تراني؟ أتى كتابُ المنون، والضعفُ عنواني، وليس في السطور إلا أنك فاني.
اشتهى الربيعُ بن خُثيمٍ حلواءَ، فلما صنع، دعا بالفقراء، فأكلوا، فقَالَ أهلُه: أتعبتنا، ولم تأكل؟! فقَالَ: وهل أكلَ غيري.
عباد الله! إِلَى متى تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، والجيدَ في بيوتكم تدَّخرون، والرديءَ إِلَى الفقراء تخرجون؟ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
حرِّكوا هِمَمكم إِلَى الخير، وحُثُّوا عزائمكم على الجد، وأدلجوا، والتفتوا عن الحرص على المال، وعَرِّجوا، وآثروا الفقير بما تؤثرون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
يا حريصًا ما يستقر!
يا طالب الدنيا ما يقر!
_________________
(١) رواه مسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة -﵁-.
[ ١٤٣ ]
إن كنت تصدِّق بالثواب، فتصدَّق (١) في السرِّ بالمحبوب المصون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
أما المسكينُ أخوكَ من الوالدَيْن، كيف كففتَ عن إعطائه اليدين؟
كيف تحثُّ على النفل، والزكاةُ [عليك] دَيْن، وأنتم فيها تتأولون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
يا وحيدًا عن قليلٍ في رمسه! يا مستوحشًا في قبره بعدَ طولِ أُنسه! لو قَدَّمَ خيرًا، نفعَه في حبسه، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
تجمع الدينارَ إِلَى الدينار لغيرِك، وينساك من أخذَ من خيرِك، ولا تتزوَّدُ منه شيئًا لسيرِك؛ هذا هو الجنون، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
* * *