إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا، وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أمّا بعد:
فقد روى ابنُ أبي الدُّنيا عن بكر بن عبد الله المُزني -﵀-: أنه قال: ما مِنْ يومٍ أخرجه اللهُ إلى أهل الدُّنيا إلا يُنادي: ابنَ آدمَ! اغتنمني، لعلَّه لا يومَ لك بعدي، ولا ليلةٍ إلا تُنادي: ابنَ آدم! اغتنمني، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدي.
وروى عن الحسن: أنه كان يقول: يا بنَ آدمَ! اليومُ ضيفُك، والضيفُ مُرْتَحِلٌ، يَحْمَدُك أو يَذُمُّك، وكذلك الليل.
ومن هنا حَرَصَ السَّلَفُ الصالح أشدَّ الحرصِ على الأوقات خصوصًا فيها الأعمال التي حَبَاها اللهُ تعالى بمزيد فضلٍ ونَوَالٍ على غيرها من القُربات؛ مِنْ صلاةٍ وصيام وذكرٍ وقيامٍ ونحوِها مِنَ المَبرَّات، وقد خصَّ اللهُ -﷾- كلَّ وقت منها بوظيفة من الوظائف التي تُؤدَّى
[ ٥ ]
في الشهور والأيام والسَّاعات، فالسعيدُ مَنِ اغتنمها، والشَّقيُّ مَنْ فَرَّط بها وحُرِمَها.
وقد صنَّفَ الحافظُ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ كتابًا بديعًا لا مثيلَ له في المحافظة على تلك الأوقات، واغتنام فعلِ الوظائف الموظَّفة لكلِّ واحدة منها، سماه: "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"، انتهج فيه نَهْجَ ابنِ القيم -﵀- في كثيرٍ من كلامه وجمله، وتأثَّر بوعظ الإمام ابن الجوزي -﵀-.
ثم جاء الإمامُ يُوسفُ بنُ عبد الهادي فَنَهلَ من مَعينِ هذه المدرسة العظيمة، واقتبس من جواهر كلامهم عُيونًا من الحِكَم والَآداب والمواعظ، وأودعه كتابَه الذي سمَّاه: "معارفَ الإنعامِ وفضل الشُّهور والأيام"؛ فجاءت جملُ كتابهِ رقيقةً عَذْبة، سَهْلة واضحة، مُوقِظة للمقصَّرين والغافلين، مَشْحَذَة للعابدين والصالحين، داعيةً إلى السِّباق واللَّحاق بِرَكْبِ الأنبياء والصِّدِّيقين، ولسانُ حالِ تلك العبارات قائل:
مضى أمسُكَ الماضي شهيدًا معدلًا وأعقبه يومٌ عليكَ جديدُ
فيومُكَ إِنْ أغنيتَهُ عادَ نفعُهُ عليكَ وماضي الأمسِ ليسَ يعودُ
فإن كنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً فَثَنِّ بإحسانٍ وأنتَ حَميدُ
[ ٦ ]
فلا تُرْجِ فِعْلَ الخير يومًا إلى غَدٍ لعلَّ غدًا يأتي وأنتَ فَقيدُ
وللهِ درُّ القائلِ:
قطعتَ شهورَ العامِ لَهْوًا وغَفْلَةً ولم تحترِمْ فيما أتيتَ المُحرَّما
فلا رَجَبًا وافيتَ فيه بحقِّهِ ولا صُمْتَ شهرَ الصَّومٍ صَومًا متمَّما
ولا في ليالي عشرِ ذي الحِجَّةِ الذي مَضَى كنتَ قوَّامًا ولا كنتَ مُحْرِمَا
فهلْ لكَ أنْ تمحو الذنوبَ بعَبْرةٍ وتبكي عليها حَسْرَةً وتندُّما
وتستقبلَ العامَ الجديدَ بتوبةٍ لعلَّكَ أنْ تمحوْ بها ما تَقَدَّما
* * *
هذا وقد تمَّ -بفضل الله تعالى- الوقوفُ على النسخة الخطيَّة الفريدة لهذا الكتاب، وهي النسخةُ المحفوظة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، تحت رقم (١٤٦٣)، وتقع في (٧٥) لوحة.
وهي بخطِّ المؤلف المعروف بغرابة الشَّكْل، وصعوبةِ القراءة،
[ ٧ ]
وتُعَدُّ هذه النسخة مِنْ أصعبِ كتب الإمام ابن عبد الهادي التي كتبها بخطِّه؛ ذلك أنَّه ألَّفَ كتابَه هذا في مُقْتَبل عُمره -ولعلَّه من أوائل ما صنَّف-؛ إذ كان عُمره تسعةَ عشر عامًا تقريبًا، إلى جانب رَداءة النسخة الخطيَّة وتعرُّضِها للرُّطوبة، وكثرة التصحيفات والتحريفات فيها.
وقد حصل فيها خَرْمٌ قليل في أولها تضمَّن الكلامَ عن صدر الفصل الأول من الكتاب وهو شهر رمضان المبارك.
وقد أُثبت في آخرها سماعاتُ الكتاب لعددٍ من أولاد المؤلف وتلامذته بخط يده.
* * *
* هذا وقد تمَّ تحقيقُ هذا الكتاب وفق الخطة الآتية:
١ - نسخُ الأصل المخطوط اعتمادًا على النسخة الخطيَّة المُشَار إليها آنفًا، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
٢ - معارضةُ المنسوخِ بالمخطوط؛ للتأكُّد من صحة النصِّ وسلامته.
٣ - مقابلة المنسوخ بالمصادر المطبوعة التي نَقَل عنها المؤلف؛ وأكثرها من كتابي ابنِ الجوزي المسمَّى بـ: "التَّبصرة"، وابنِ رجب الحنبلي المسمَّى بـ: "لطائف المعارف"، وذلك للتأكد من سلامة النص ومعناه.
[ ٨ ]
٤ - عزوُ الآيات القرآنية الكريمة في صُلْب النص، وإدراجها برسم المصحف الشريف.
٥ - تخريجُ الأحاديث النبوية الشريفة تخريجًا لائقًا بالنصِّ المحقق.
٦ - ضبطُ الأحاديثِ والأشعارِ والأقوال بالشكلِ المناسب.
٧ - كتابة مقدمةٍ للكتاب مشتملةٍ على ترجمة مختصرة للمؤلف، وتَقْدِمة موجزة للكتاب.
هذا وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم.
حَرَّرَهُ
نُورُ الدِّيْن طَالِبْ
١٧ / صفر/ ١٤٣٢ هـ
٢٢/ ١ / ٢٠١١ مـ
[ ٩ ]