المبحث الأول
وَصَايَا لُقْمَان لِابْنِهِ
يتَنَاوَل هَذَا المبحث بَيَان الْوَصَايَا الْقيمَة الَّتِي أوصى بهَا لُقْمَان ابْنه كي يَتَّضِح لنا أهميتها فِي تربية الْأَبْنَاء على أسسها القويمة كَمَا حددها – لُقْمَان - لِابْنِهِ، ذَلِك الْأَب الرَّحِيم الَّذِي أَتَاهُ الله الْحِكْمَة فَهُوَ ينظر إِلَى ابْنه نظرة شَفَقَة وَعطف، حَتَّى لَا يَقع فِي مهاوي الزيغ والضلال، وَلِهَذَا كَانَت وَصَايَاهُ من الأهمية بمَكَان، وَقد بَينهَا لنا الْقُرْآن الْكَرِيم بأسلوبه ومعانيه المعجزة الخالدة، فَكَانَت وَصَايَاهُ أنموذجا يتوافر فِيهِ الْإِخْلَاص وَالصَّوَاب، وعَلى الأباء أَن يسلكوا مسلكه فِي تنشئة أبنائهم تنشئة إسلامية صَحِيحَة وفْق مَا تعرضه الْآيَات الْكَرِيمَة من كتاب الله عزوجل وَالَّتِي ذكرت بهَا وَصَايَا لُقْمَان. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ
[ ٤٣٦ ]
اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ١.
من خلال الْعرض السَّابِق للآيات الْكَرِيمَة يُمكن توضيح الْوَصَايَا فِي النقاط التالية:
الْوَصِيَّة الأولى:
تَوْحِيد الله وإفراده بِالْعبَادَة لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ذَلِك فَهُوَ الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ وَحده - ﷾ - ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
الْوَصِيَّة الثَّانِيَة:
برَّ الْأَبْنَاء لِآبَائِهِمْ ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْه ﴾ الْآيَة.
الْوَصِيَّة الثَّالِثَة:
أَن يراقب العَبْد الله ﷾ فِي حركاته وسكناته وَجَمِيع أَعماله، فَالله عزوجل لَا تخفى عَلَيْهِ خافية لَا فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾ الْآيَة.
الْوَصِيَّة الرَّابِعَة:
الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وَالصَّبْر على تحمل المشاق فِي سَبِيل ذَلِك ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ الْآيَة.
_________________
(١) سُورَة لُقْمَان: الْآيَات ١٢ - ١٩.
[ ٤٣٧ ]
الْوَصِيَّة الْخَامِسَة:
التَّوَاضُع لعباد الله والإقبال عَلَيْهِم بِوَجْه طليق والابتعاد عَن مظَاهر الْكبر والغرور، وخفض الصَّوْت أثْنَاء الحَدِيث مَعَهم وَعدم رَفعه ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾ الْآيَة ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك﴾ الْآيَة
تِلْكَ هِيَ وَصَايَا لُقْمَان الْحَكِيم لِابْنِهِ ذكرهَا لنا الْقُرْآن الْكَرِيم للتفكر وَالِاعْتِبَار فَهَل من مدَّكر، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ١
_________________
(١) سُورَة ق الْآيَة ٣٧.
[ ٤٣٨ ]