الجوانب التربوية لوصايا لُقْمَان
فِي هَذَا الْبَحْث نتناول جَوَانِب التربية الإسلامية المتضمنة لوصايا لُقْمَان لِابْنِهِ وَفِيمَا يَلِي بَيَان ذَلِك:
أَولا: الدعْوَة إِلَى غرس عقيدة التَّوْحِيد:
إِن المتدبر لكتاب الله ﷾ والمتأمل فِي آيَاته الْبَينَات يَتَّضِح لَهُ تميز الْمِنْهَاج الرباني بمفاهيم تربوية لَا يجد لَهَا مثيلا فِي المناهج وَالنّظم والنظريات التربوية البشرية تستهدف تِلْكَ المفاهيم الربانية خير الْإِنْسَان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة جَمِيعًا، وينطلق الْمِنْهَاج الرباني نَحْو بِنَاء الْقيم الإسلامية الَّتِي تتظافر للوصول بالإنسان إِلَى الصّلاح والإصلاح وشجب كل صور الْفساد فِي النَّفس والمجتمع لتحَقّق لَهُ بذلك كَمَاله الإنساني.
إِن الْمِنْهَاج الرباني وَاضح فِي أهدافه وغاياته ليتَمَكَّن الْمُسلم من اتِّبَاع هَدْيه، وَهُوَ مُؤمن بمقاصده الْعَظِيمَة، وموقن بِالْخَيرِ الَّذِي يعود عَلَيْهِ نتيجة التَّمَسُّك بِهِ وَالْعَمَل بأوامره وَاجْتنَاب نواهيه، وَمن هُنَا فَإِن منهاج التربية الإسلامية يركز على غرس الْحق وَالْعدْل وَالْإِحْسَان والإخاء والمساواة وَالْعَفو وَالرَّحْمَة وَالْمَعْرُوف والاستقامة وَالصَّبْر وَغير ذَلِك من أَفعَال الْخَيْر وَصَالح الْأَعْمَال.
والأسرة الْمسلمَة هِيَ الْمدرسَة الأولى الَّتِي تقوم بتوجيه وتربية الْأَبْنَاء تربية صَالِحَة.
فالأبناء أَمَانَة فِي أَعْنَاقهم يسْأَلُون عَنْهُم أَمَام الله تَعَالَى، قَالَ الله ﷿:
[ ٤٣٩ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١
وَبِنَاء على مَا سبق وَجب على الْآبَاء أَن يوضحوا لأبنائهم معالم التربية الصَّحِيحَة، ويبينوا لَهُم الصَّالح من الضار، وَالْحق من الْبَاطِل، فَإِن غفلوا أَو قصروا فِي أَدَاء ذَلِك نَشأ أبناؤهم نشأة لَا تحمد عقباها وَلَا يُرْجَى خَيرهَا وَكَانَ الْإِثْم على الْآبَاء أَولا.
فالأبوان هما المسؤولان فِي الدرجَة الأولى عَن انحراف أبنائهم خلقيًا واجتماعيًا وعقديًا، وَقد قَالَ الرَّسُول ﷺ: "مَا من مَوْلُود إِلَّا يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ أَو يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تنْتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء"٢ وَفِي هَذَا دلَالَة وَاضِحَة على أَن الْمَوْلُود يُولد على فطْرَة الإِسلام، لَكِن تَأْثِير الْأَبَوَيْنِ وأسلوب تربيتهما هما اللَّذَان يوجهان عقيدة هَذَا الطِّفْل نَحْو الْيَهُودِيَّة أَو النَّصْرَانِيَّة أَو غَيرهمَا. وَمن هُنَا كَانَت مهمة الْأَبَوَيْنِ فِي التربية من الأهمية بمَكَان فالطفل يحاكي أَبَوَيْهِ فِي جَمِيع سلوكهما ومعتقداتهما وأخلاقهما.
فَأول وَاجِب يجب على الْأَبَوَيْنِ الْقيام بِهِ والاهتمام بأَمْره دون كلل، هُوَ غرس عقيدة التَّوْحِيد فِي نفس الطِّفْل وتوجيه عواطفه نَحْو حب الله وَرَسُوله وإخباره بِأَن الله يجب أَن يكون أحب إِلَيْهِ من أمه وَأَبِيهِ وَنَفسه، والإِيمان بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه غَيره وبملائكته وَرُسُله، وتوحيد الله فِي الألوهية والربوبية والقوامة وَالسُّلْطَان والحاكمية لِأَن الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ الموجه لسلوك الْإِنْسَان والدافع لَهُ إِلَى اتجاه الْخَيْر، والنصير لَهُ من حَيْثُ الْعِنَايَة وَالرِّعَايَة والتوفيق، كَمَا أَنه الَّذِي
_________________
(١) سُورَة التَّحْرِيم: آيَة ٦.
(٢) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ مَعَ فتح الْبَارِي ٣/٢١٩ كتاب الْجَنَائِز ٢٣ بَاب إِذا أسلم الصَّبِي رقم الحَدِيث ١٣٥٨ - ١٣٥٩، وَمُسلم: صَحِيح مُسلم ٤/٢٠٤٧ كتاب الْقدر ٤٦ بَاب كل ٦ رقم الحَدِيث ٢٦٥٨ وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
[ ٤٤٠ ]
يصرفهُ عَن طَرِيق الشَّرّ ويجعله متحليًا بالفضائل وَحسن الْخلق١ وَالْمَقْصُود بِالْإِيمَان أَي الإِيمان بِمَا أوجب الله تَعَالَى فِي قَوْله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه﴾ ٢. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣.
وَأما السّنة فقد ذكرت أَرْكَان الْإِيمَان مجتمعة فِي حَدِيث جِبْرِيل ﵇، عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ: "بَيْنَمَا نَحن عِنْد رَسُول الله ﷺ ذَات يَوْم إِذْ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب، شَدِيد سَواد الشّعْر، لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر، وَلَا يعرفهُ منا أحد، حَتَّى جلس إِلَى النَّبِي ﷺ فأسند رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّد! أَخْبرنِي عَن الإِسلام. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "الإِسلام أَن تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّد رَسُول الله، وتقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتصوم رَمَضَان، وتحج الْبَيْت إِن اسْتَطَعْت إِلَيْهِ سَبِيلا. قَالَ: صدقت، قَالَ: فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه، قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن الْإِيمَان. قَالَ: أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر، وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره" الحَدِيث٤.
إِن الْإِيمَان بِاللَّه هُوَ الموجه للسلوك وَالضَّابِط لَهُ والمتصل اتِّصَالًا وثيقًا بِالْأَعْمَالِ الصادرة من الإِنسان فَإِن التربية الإِسلامية ترْبط دَائِما بَين الْعَمَل
_________________
(١) عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٨٩ - ٩٢.
(٢) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (٢٨٥) .
(٣) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٧٧) .
(٤) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١/٢٥٩ كتاب الْإِيمَان، بَاب بَيَان الْإِيمَان والإِسلام وَالْإِحْسَان (١) رقم الحَدِيث (١) .
[ ٤٤١ ]
والسلوك ثمَّ بَين الْعَمَل الصَّادِر من هَذَا الْإِيمَان وَبَين الْجَزَاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ١.
وَيَقُول تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ٢.
وَهُنَاكَ آيَات كَثِيرَة تقرن الْإِيمَان بِالْعَمَلِ، فالإيمان الْحق هُوَ الْإِيمَان الَّذِي يصدر عَنهُ السلوك وينبع مِنْهُ الْعَمَل الصَّالح وَيخرج مِنْهُ الْخلق الْكَرِيم، فَحسن الْخلق والإخاء والمودة وَاجْتنَاب الْكَبَائِر والتمسك بالفضائل يجب أَن تصدر عَن هَذِه العقيدة٣
وَالرَّسُول ﷺ يَقُول: "لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ وَلَا دين لمن لَا عهد لَهُ " ٤.
وَيَقُول ﷺ فِي سلوك الْمُؤمن نَحْو جَاره وَنَحْو نَفسه: "من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يُؤْذِي جَاره " ٥.
كَمَا يتحدث عَن أثر الْإِيمَان فِي تجنب الرذائل وارتباط الْإِيمَان بالسلوك سَاعَة فعل الْعَمَل كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث الشريف: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِين يَزْنِي وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يشرب الْخمر حِين يشرب وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يسرق حِين يسرق وَهُوَ مُؤمن" الحَدِيث٦.
_________________
(١) سُورَة الْكَهْف: آيَة (١٠٧) .
(٢) سُورَة الْعَصْر: آيَة (١ - ٣) .
(٣) انْظُر عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٨٩ـ ٩٩.
(٤) أَحْمد بن حَنْبَل: مُسْند أَحْمد ٣/١٣٥.
(٥) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ على فتح الْبَارِي ٩/٢٥٢ كتاب النِّكَاح (٦٧) بَاب الوصاة بِالنسَاء (٨٠) رقم الحَدِيث ٥١٨٥.
(٦) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ على فتح الْبَارِي ١٢/٥٨ كتاب الْحُدُود (٨٦) بَاب الزِّنَا وَشرب الْخمر، وَقَالَ ابْن عَبَّاس: ينْزع مِنْهُ نور الْإِيمَان (١) رقم الحَدِيث ٦٧٧٢.
[ ٤٤٢ ]
وكما ورد فِي الحَدِيث الآخر "لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ أَو قَالَ لجاره مَا يحب لنَفسِهِ" ١.
فالعقيدة لابد أَن تنعكس على الْإِنْسَان وسلوكه فَإِذا آمن إِيمَانًا يقينيًا بِاللَّه سُبْحَانَهُ وبعلمه ومراقبته الدائمة لعَبْدِهِ كَانَ هَذَا الْإِيمَان محددًا لسلوك الْمُسلم كفرد وسلوك الْجَمَاعَة كأمة مسلمة. فالعقيدة لابد أَن تترجم فِي حَيَاة الْفَرد الَّذِي يعلم بِأَن الله يطلع على سره ونجواه وَأَن أَفعاله مَكْتُوبَة وَهُوَ محاسب عَلَيْهَا، ولابد أَن تترجم فِي حَيَاة الْجَمَاعَة فتبني نظام حَيَاتهَا وفْق هَذِه العقيدة الَّتِي آمَنت بهَا٢من كل مَا سبق يَتَقَرَّر أَنه لَا سَعَادَة لهَذِهِ النَّفس الإِنسانية وَلَا استقامة لَهَا إِلَّا إِذا ارتبطت كَافَّة جوانبها بعقيدة التَّوْحِيد، وَمن هُنَا يجب على المربي الْمُسلم أَن يرْبط كل جَوَانِب التربية بِهَذَا الأَصْل الاعتقادي لما لَهُ من أهمية كبرى فِي حَيَاة الْإِنْسَان النفسية، وتوحد نوازعه وتفكيره وأهدافه وَتجْعَل كل عواطفه، وسلوكه وعاداته قوى متضافرة متعاونة ترمي كلهَا إِلَى تَحْقِيق هدف وَاحِد هُوَ الخضوع لله وَحده والشعور بألوهيته وحاكميته وَرَحمته وَعلمه لما فِي النُّفُوس وَقدرته وَسَائِر صِفَاته٣.
ثَانِيًا: بر الْوَالِدين:
إِن عطف الْآبَاء على الْأَبْنَاء من أبرز صور الرَّحْمَة، وَهُوَ يفْرض على الْأَبْنَاء أَن يقابلوا رَحْمَة والديهم لَهُم بِأَن يرعوهم - كبارًا فيخفضوا لَهُم جنَاح الذل من الرَّحْمَة، وَالدُّعَاء لَهُم بالمغفرة وَالرَّحْمَة بهم.
_________________
(١) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٣٧٥ - ٣٧٦ كتاب الْإِيمَان (١) بَاب الدَّلِيل على أَن من خِصَال الْإِيمَان أَن يجب لِأَخِيهِ الْمُسلم (١٧) رقم الحَدِيث ٧١
(٢) عَبَّاس مَحْجُوب: أصُول الْفِكر التربوي فِي الْإِسْلَام ص ٩١ - ٩٢.
(٣) النحلاوي: أصُول التربة الإسلامية وأساليبها ص ٨٠.
[ ٤٤٣ ]
إِن عطف الْوَالِدين على أَوْلَادهم عَطاء لَا يقدر بِثمن وَلَا ينْتَظر مِنْهُ الْعِوَض، إِنَّه فطْرَة فطر الله الْوَالِدين عَلَيْهَا، وَلذَلِك كَانَ برهما من أعظم الْوَاجِبَات وَفِي مُقَدّمَة الصلات الاجتماعية، كَمَا كَانَ عقوقهما من الْكَبَائِر المقاربة للشرك بِاللَّه، وَلِهَذَا ورد الْأَمر بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فِي مَوَاضِع كَثِيرَة من كتاب الله ﷿ عقب الْأَمر بِعبَادة الله وَحده، وَالنَّهْي عَن الْإِشْرَاك بِهِ.
فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾ الْآيَة ١
فَفِي الْآيَة الْكَرِيمَة يَأْمر الله تَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَينْهى عَن الشّرك بِهِ ثمَّ يتبعهُ الْأَمر بِالْإِحْسَانِ للْوَالِدين وبرهما لما لَهما من الْفضل على الابْن مُنْذُ أَن كَانَ نُطْفَة فِي رحم أمه حَتَّى صَار كَبِيرا يعْتَمد على نَفسه.
ويعرض لُقْمَان الْحَكِيم فِي وَصيته لِابْنِهِ العلاقة بَين الْوَالِدين وَالْأَوْلَاد فِي أسلوب رَقِيق، وَفِي صُورَة موحية بالْعَطْف والرقة، وَمَعَ هَذَا فَإِن رابطة العقيدة مُقَدّمَة على تِلْكَ العلاقة الْوَثِيقَة٢.
وَلِهَذَا كَانَ شكر الْوَالِدين بعد شكر الله ﷿ لِأَنَّهُ الْمُنعم الأول٣.
وَوَصِيَّة الْإِنْسَان بِوَالِديهِ تتمثل فِي طاعتهما مِمَّا لَا يكون شركا ومعصية لله تَعَالَى٤. وَبِمَعْنى آخر أَن طَاعَة الْوَالِدين لَا تكون فِي ركُوب كَبِيرَة، وَلَا فِي ترك فَرِيضَة على الْأَعْيَان، وَتلْزم طاعتهما فِي الْمُبَاحَات٥.
مِمَّا سبق يُمكن القَوْل أَن علاقَة الْأَبْنَاء بالوالدين يجب أَن تكون علاقَة قَوِيَّة
_________________
(١) سُورَة النِّسَاء: آيَة ٣٦.
(٢) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٨.
(٣) الْمرجع السَّابِق.
(٤) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٣.
(٥) الْمرجع السَّابِق ١٤/٦٤.
[ ٤٤٤ ]
مَبْنِيَّة على التَّقْدِير والاحترام ذَلِك أَن فَضلهمْ على أبنائهم لَا يدْرك مداه وَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يقدره، وَمن هُنَا كَانَ توصية الْأَبْنَاء بآبائهم تَتَكَرَّر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَالسّنة المطهرة لما فِي ذَلِك من حَاجَة لتذكيرهم بِوَاجِب الجيل الَّذِي نفق رحيقه كُله حَتَّى أدْركهُ الْجَفَاف، وَلِهَذَا يَجِيء الْأَمر بالإِحسان إِلَى الْوَالِدين فِي صُورَة قَضَاء من الله يحمل معنى الْأَمر الْمُؤَكّد بعد الْأَمر الْمُؤَكّد بِعبَادة الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ١.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ مَا يُفِيد أَن أول مرتبَة من مَرَاتِب الرِّعَايَة وَالْأَدب أَلا يَنِدَّ من الْوَلَد مَا يدل على الضجر والضيق، وَمَا يمشي بالإِهانة وَسُوء الْأَدَب ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وَهِي مرتبَة أَعلَى إيجابية أَن يكون كَلَامه لَهما بالإكرام والاحترام.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ وَهنا يشف التَّعْبِير ويلطف، ويبلغ شغَاف الْقلب وحنايا الوجدان فَهِيَ الرَّحْمَة ترق وتلطف حَتَّى وَكَأَنَّهَا الذل الَّذِي لَا يرفع عينا وَلَا يرفض أمرا وكأنما للذل جنَاح يخفضه إِيذَانًا بِالسَّلَامِ والاستسلام.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ فَهِيَ الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يرعاها الْولدَان، وهما الْيَوْم فِي مثلهَا من الضعْف وَالْحَاجة إِلَى الرِّعَايَة والحنان٢.
_________________
(١) سُورَة الْإِسْرَاء: الْآيَتَانِ (٢٣ - ٢٤) .
(٢) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٤٤٥ ]
وَمِمَّا لاشك فِيهِ أَن الْإِنْسَان لَا يَفِي وَالِديهِ حَقّهمَا عَلَيْهِ مهما أحسن إِلَيْهِمَا، لِأَنَّهُمَا كَانَا يحسنان إِلَيْهِ حينما كَانَ صَغِيرا وهما يتمنيان لَهُ كل خير ويخشيان عَلَيْهِ من كل سوء ويسألان الله لَهُ السَّلامَة وَطول الْعُمر، ويهون عَلَيْهِمَا من أَجله كل بذل مهما عظم ويسهران على رَاحَته دون أَن يشْعر بِأَيّ تضجر من مطالبه، ويحزنان عَلَيْهِ إِذا آلمه أَي شَيْء، أما الْوَلَد فَإِذا قَامَ بِمَا يجب عَلَيْهِ من الْإِحْسَان لوَالِديهِ فَإِن مشاعره النفسية نَحْوهمَا لَا تصل إِلَى مثل مشاعر أَنفسهمَا الَّتِي كَانَت نَحوه وَلَا تصل إِلَى مثل مشاعره هُوَ نَحْو أَوْلَاده إِلَّا فِي حالات نادرة جدا١.
ويتحقق حق الْوَالِدين على الْأَوْلَاد بطاعتهما ماداما يأمران بِالْخَيرِ، فَإِن أمرا بِمَعْصِيَة الله فَلَا تجوز طاعتهما، إِذْ لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق وَلَكِن لَا يسْقط حَقّهمَا فِي الْمُعَامَلَة الطّيبَة والصحبة الْكَرِيمَة٢.
فَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ أَنَّهَا قَالَت: "قدمت أُمِّي وَهِي مُشركَة - فِي عهد قُرَيْش ومدتهم إِذْ عَاهَدُوا النَّبِي - ﷺ - مَعَ أَبِيهَا، فاستفتيت النَّبِي فَقلت: إِن أُمِّي قدمت وَهِي راغبة، قَالَ: "نعم، صلي أمك"٣.
وَفِي حَدِيث آخر: أَتَتْنِي أُمِّي راغبة فِي عهد النَّبِي ﷺ، فَسَأَلت النَّبِي ﷺ، آصلها؟ قَالَ: نعم ٤الحَدِيث.
من الْحَدِيثين السَّابِقين يتَبَيَّن أَن حق الْأَبَوَيْنِ قَائِم وَلَو كَانَا الْكَافرين، وعَلى الابْن يحسن صحبتهما دون أَن يطيعهما فِي مَعْصِيّة الله ﷿، فطاعة الله لَا تقدم عَلَيْهَا طَاعَة لأحد مهما كَانَ ذَا حق٥.
_________________
(١) عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٢.
(٢) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٨.
(٣) صَحِيح البُخَارِيّ على الْفَتْح ١٠/٤١٣ كتاب الْأَدَب (٧٨) بَاب صلَة الْمَرْأَة أمهَا وَلها زوج (٨) رقم الحَدِيث ٥٩٧٩.
(٤) صَحِيح البُخَارِيّ على الْفَتْح ١٠/٤١٣ كتاب الْأَدَب (٧٨) بَاب صلَة الْوَالِد الْمُشرك (٧) رقم الحَدِيث ٥٩٧٨.
(٥) عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٩.
[ ٤٤٦ ]
من الْبَيَان السَّابِق للْوَصِيَّة الثَّانِيَة وَالَّتِي تتَعَلَّق ببر الْوَالِدين يَتَقَرَّر أَن من أول الْوَاجِبَات الَّتِي يجب على الطِّفْل الْمُسلم أَن يتعلمها الشُّكْر للْوَالِدين وَيكون هَذَا بعد الإِيمان بِاللَّه ﷾ وَحده وَالشُّكْر لَهُ، وَلِهَذَا جعل لُقْمَان شكر الْوَالِدين بعد شكر الله ﷿ وَالْإِيمَان بِهِ اعترافًا بحقوقهما ووفاء بمعروفهما.
ثَالِثا: التربية على الإِيمان بقدرة الله ﷿:
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
فِي الْآيَة الْكَرِيمَة يعلم لُقْمَان ابْنه مدى قدرَة الله تَعَالَى، حَيْثُ قيل: إِن الْحس لَا يدْرك للخردلة ثقلا، إِذْ لَا ترجح ميزانًا. أَي لَو كَانَ للْإنْسَان رزق مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل فِي هَذِه الْمَوَاضِع جَاءَ الله بهَا حَتَّى يَسُوقهَا إِلَى من هِيَ رزقه، أَي لَا تهتم للرزق حَتَّى تشتغل بِهِ عَن أَدَاء الْفَرَائِض، وَعَن إتباع سَبِيل من أناب إليّ٢.
وَالْآيَة الْكَرِيمَة السَّابِقَة توجه الْإِنْسَان إِلَى قدرَة الله الواسعة وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما وأحصى كل شَيْء عددا، فسبحانه وَتَعَالَى لَا شريك لَهُ. وَهُنَاكَ آيَات بَيِّنَات من كتاب الله ﷿ تدل على سَعَة علم الله وَقدرته الْعَظِيمَة فَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣.
_________________
(١) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٦) .
(٢) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٦.
(٣) سُورَة الْأَنْعَام: آيَة (٥٩) .
[ ٤٤٧ ]
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
وَكَانَ تَوْجِيه لُقْمَان لِابْنِهِ بقدرة الله ﷾ وإطلاعه على سَعَة علمه عزوجل عِنْدَمَا قَالَ ابْن لُقْمَان لِأَبِيهِ: يَا أَبَت إِن عملت الْخَطِيئَة حَيْثُ لَا يراني أحد كَيفَ يعلمهَا الله؟ فَقَالَ لُقْمَان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ﴾ فمازال ابْن لُقْمَان يضطرب حَتَّى مَاتَ٢.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَل﴾ ٣، إِشَارَة إِلَى دقة الْحساب وعدالة الْمِيزَان مَا يبلغهُ هَذَا التَّعْبِير المصور حَبَّة من خَرْدَل، صَغِيرَة ضائعة لَا وزن لَهَا وَلَا قيمَة ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَة﴾ أَي صلبة محشورة فِيهَا لَا تظهر وَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهَا ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ فِي ذَلِك الكيان الهائل الشاسع الَّذِي يَبْدُو فِيهِ النَّجْم الْكَبِير ذُو الجرم الْعَظِيم نقطة سابحة أَو ذرة تائهة ﴿أَو ْفِي الأَرْض﴾ ضائعة فِي ثراها وحصاها لَا تبين ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فَعلمه يلاحقها وَقدرته لَا تفلتها٤. وَيُرَاد من ذَلِك الْأَعْمَال، الْمعاصِي والطاعات، أَي إنْ تَكُ الْحَسَنَة أَو الْخَطِيئَة مِثْقَال حَبَّة يَأْتِ بهَا الله، أَي لَا تفوت الْإِنْسَان الْمُقدر وُقُوعهَا مِنْهُ، وَبِهَذَا الْمَعْنى يتَحَصَّل فِي الموعظة الترجية والتخويف٥.
وَيدْرك الْإِنْسَان من مَعْرفَته لقدرة الله ﷿ مراقبة الله الدائمة لَهُ فِي كل تصرف، مراقبة الله لَهُ فِي الصَّغِيرَة والكبيرة، وَفِي الْجَهْر والخفاء.
وَلذَا فَهُوَ يراقب الله وهم يعْمل فَلَا يعْمل شَيْئا بِغَيْر إخلاص، لَا يعْمل شَيْئا يقْصد الشَّرّ لَا يعْمل مستهترًا وَلَا مستهينا بالعواقب، وَلَا يعْمل
_________________
(١) سُورَة فاطر: آيَة (١١) .
(٢) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٧.
(٣) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٦) .
(٤) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٨٩.
(٥) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٦٧.
[ ٤٤٨ ]
شَيْئا لغير الله، فَالله ﷾ يحاسبه على النِّيَّة بعد الْعَمَل وعَلى الْإِخْلَاص فِيهِ.
فَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله يَقُول: "إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل إمرىء مَا نوى " ١.
هَذَا وَالله لَا يقبل أَن يكون شَيْء من الْعَمَل لغير وَجهه.
فَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَاله، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: "لَا شَيْء لَهُ". فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول لَهُ رَسُول الله ﷺ: "لاشيء لَهُ. ثمَّ قَالَ: إِن الله لَا يقبل من العَبْد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا وابتغي بِهِ وَجهه" ٢.
وَكَذَلِكَ يراقبه وَهُوَ يفكر ويحس فَالله يعلم السِّرّ وَمَا أخْفى من السِّرّ الهاجسة فِي بَاطِن النَّفس لم يطلع عَلَيْهَا أحد لِأَنَّهَا مطمورة فِي الأعماق يراقبه فَلَا يحس بإحساس غير نظيف، يراقبه فينظف مشاعره أَولا بِأول لَا يحْسد وَلَا يحقد، وَلَا يكره للنَّاس الْخَيْر، وَلَا يتَمَنَّى أَن يحرمهما مِنْهُ ويستحوذ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يشتهى الشَّهَوَات الْبَاطِلَة وَالْمَتَاع الدنس، وَحين تُوجد فِي الْقلب هَذِه الحساسية المرهفة تجاه الله، لتستقيم النَّفس ويستقيم الْمُجْتَمع وتستقيم جَمِيع الْأُمُور، ويعيش الْمُجْتَمع نظيفًا من الجريمة، نظيفًا من الدنس، نظيفًا من الأحقاد لِأَنَّهُ لَا يتعامل فِي الْحَقِيقَة بعضه مَعَ بعض وَإِنَّمَا يتعامل أَولا مَعَ الله٣. وَبِنَاء على مَا سبق ذكره يَنْبَغِي على الْآبَاء والأمهات وَكَذَلِكَ العاملين فِي
_________________
(١) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ مَعَ الْفَتْح ١/٩ كتاب بَدْء الْوَحْي، بَاب كَيفَ كَانَ بَدْء الْوَحْي (١) الحَدِيث رقم (١) .
(٢) سنَن النَّسَائِيّ ٦/٢٥ كتاب الْجِهَاد، بَاب من غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر، رقم الحَدِيث٣١٤٠.
(٣) مُحَمَّد قطب: مَنْهَج التربية الإسلامية ا/٦٨ - ٦٩.
[ ٤٤٩ ]
مجَال التربية والتعليم أَن يغرسوا فِي قُلُوب أبنائهم وتلاميذهم مراقبة الله تَعَالَى فِي أَعْمَالهم وَسَائِر أَحْوَالهم، لتصبح هَذِه المراقبة الإلهية سلوكا لَازِما لَهُم فِي كل تصرفاتهم وَيتم ذَلِك بترويض الْوَلَد على مراقبة الله وَهُوَ يعْمل فيتعلم الْإِخْلَاص لله ﷿ فِي كل أَقْوَاله وأعماله وَسَائِر تَصَرُّفَاته وَيكون مِمَّن شملهم الْقُرْآن بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ ١.
وَكَذَلِكَ ترويضه على مراقبة الله وَهُوَ يفكر ليتعلم الأفكار الَّتِي تقربه من خالقه الْعَظِيم وَالَّتِي بهَا ينفع نَفسه ومجتمعه وَالنَّاس أَجْمَعِينَ.
وَأَيْضًا ترويضه على مراقبة الله وَهُوَ يحس. فيتعلم كل إحساس نظيف وليتربى على كل شُعُور طَاهِر.. وَهَذَا النمط من التربية والمراقبة قد وَجه إِلَيْهِ المربي الأول ﵊ فِي إجَابَته السَّائِل عَن الْإِحْسَان: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك " ٢.
وَهَذِه الظَّاهِرَة من الترويض والتعليم كَانَت ديدن السّلف الصَّالح فِي ترويضهم لأولادهم وتأديبهم عَلَيْهَا٣.
وحينما ينهج المربون فِي تربية الْأَوْلَاد هَذَا النهج ويسير الْآبَاء والأمهات فِي تَأْدِيب الْأَبْنَاء على هَذِه الْقَوَاعِد يَسْتَطِيعُونَ بِإِذن الله تَعَالَى فِي فَتْرَة يسيرَة من الزَّمن أَن يكوّنوا جيلًا مُسلما مُؤمنا بِاللَّه معتزًا بِدِينِهِ، مفتخرًا بتاريخه وأمجاده، ويستطيعون كَذَلِك أَن يكوّنوا مجتمعًا نظيفًا من الْإِلْحَاد والميوعة والحقد، ونظيفًا من الجريمة٤.
_________________
(١) سُورَة الْبَيِّنَة: آيَة (٥) .
(٢) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٢٧٢ كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان (١)، رقم الحَدِيث (١) .
(٣) عبد الله علوان: تربية الْأَوْلَاد فِي الْإِسْلَام ٢/١٥٩ - ١٦٠.
(٤) الْمرجع السَّابِق ٢/١٦١.
[ ٤٥٠ ]
رَابِعا: التَّوَجُّه إِلَى الله تَعَالَى بِالصَّلَاةِ، والتوجه إِلَى النَّاس بالدعوة إِلَيْهِ تَعَالَى وَالصَّبْر فِي سَبِيل الدعْوَة ومتاعبها:
أ - الْأَمر بِإِقَامَة الصَّلَاة:
يَقُول لُقْمَان لِابْنِهِ كَمَا ورد فِي قَول الْحق ﵎: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ١.
فرض الله ﷾ على عباده عبادات لَهَا أَثَرهَا فِي تَهْذِيب سلوك الْإِنْسَان، وَإِصْلَاح الْقُلُوب وَمن هَذِه الْعِبَادَات الصَّلَاة، وَهِي الرُّكْن الثَّانِي من أَرْكَان الْإِسْلَام وعموده الَّذِي لَا يقوم إِلَّا بِهِ فقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "رَأس الْأَمر الْإِسْلَام وعموده الصَّلَاة وذروة سنامه الْجِهَاد فِي سَبِيل الله" الحَدِيث٢.
وَالصَّلَاة هِيَ أول مَا أوجبه الله تَعَالَى على عباده من الْعِبَادَات، وَفد فرضت على النَّبِي ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ من مَكَّة إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى ثمَّ عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء، يَقُول أنس ﵁: "فرضت الصَّلَاة على النَّبِي لَيْلَة أسرى بِهِ خمسين، ثمَّ نقصت حَتَّى جعلت خمْسا ثمَّ نُودي يَا مُحَمَّد: إِنَّه لَا يُبدل القَوْل لدىّ، وَإِن لَك بِهَذِهِ الْخمس خمسين" ٣.
_________________
(١) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٨) .
(٢) التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٥/١٢ كتاب الْإِيمَان (٤١) بَاب مَا جَاءَ فِي حُرْمَة الصَّلَاة (٨) رقم الحَدِيث (٢٦١٦) .
(٣) الْمرجع السَّابِق: ١/٤١٧ أَبْوَاب الصَّلَاة، بَاب مَا جَاءَكُم فرض الله على عباده من الصَّلَوَات رقم الحَدِيث (٢١٣) . وَانْظُر كَذَلِك أَحْمد ابْن حَنْبَل: مُسْند الإِمَام أَحْمد ٣/١٦١.
[ ٤٥١ ]
وَهِي أول مَا يُحَاسب عَلَيْهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة وَقد ثَبت عَن رَسُول الله ﵇ أَنه قَالَ: "إِن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله صلَاته فَإِن صلحت فقد أَفْلح وأنجح، وَإِن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر " الحَدِيث١.
وَقد بلغ من عناية الْإِسْلَام بِالصَّلَاةِ أَن أَمر بالمحافظة عَلَيْهَا فِي الْحَضَر وَالسّفر، والأمن وَالْخَوْف قَالَ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
إِن المتمعن بالعبادات الَّتِي فَرضهَا الله ﷾ - على النَّاس - عُمُوما، وَالصَّلَاة خُصُوصا يدْرك أَثَرهَا التربوي فِي إشراقة النُّفُوس، وطمأنينة الْقُلُوب، وَإِصْلَاح الْفَرد وَالْجَمَاعَة، وَمن هَذِه الْآثَار التربوية مَا يَلِي:
١ - إِقَامَة الصَّلَاة دَلِيل على صدق الْإِيمَان، وعَلى تقوى الله، وعَلى مَا يتمتع بِهِ صَاحبهَا من بره بعهده وقيامه على الْحق وإخلاصه لله، قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ٣٤.
٢ - الصَّلَاة مَنْهَج متناسق لتربية الرفد والمجتمع يصل بهما إِلَى قمة السمو الأخلاقي، قَالَ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ الْآيَة٥٦.
٣ - الصَّلَاة تمد الْمُؤمن بِقُوَّة روحية تعينه على مُوَاجهَة المشقات والمكاره
_________________
(١) التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٢/٢٧٠ أَبْوَاب الصَّلَاة، بَاب مَا جَاءَ أَن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة الصَّلَاة (٣٠٥)، رقم الحَدِيث (٤١٣) .
(٢) سُورَة الْبَقَرَة: الْآيَتَانِ (٢٣٨ - ٢٣٩) .
(٣) سُورَة الْمُؤْمِنُونَ: الْآيَتَانِ (١ - ٢) .
(٤) عبد الفتاح عاشور: مَنْهَج الْقُرْآن فِي تربية الْمُجْتَمع ص ١٩٣.
(٥) سُورَة العنكبوت: آيَة (٤٥) .
(٦) عبد الفتاح عاشور: مَنْهَج الْقُرْآن فِي تربية الْمُجْتَمع ص ١٩٤.
[ ٤٥٢ ]
فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.
٤ - الصَّلَاة غذَاء روحي لِلْمُؤمنِ يُعينهُ على مقاومة الْجزع والهلع عِنْد مَسّه الضّر، وَالْمَنْع عِنْد الْخَيْر والتغلب على جَوَانِب الضعْف الإنساني، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ٢.
٥ - إِن الصَّلَاة سَبَب لمحو الْخَطَايَا وغفران الذُّنُوب فقد ثَبت عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: " أَرَأَيْتُم لَو أَن نَهرا على بَاب أحدكُم يغْتَسل فِيهِ كل يَوْم خمْسا مَا تَقول ذَلِك يبْقى من دَرَنِه؟ قَالُوا: لَا يبْقى من دَرَنِه شَيْئا، قَالَ: "فَذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بِهِ الْخَطَايَا" ٣.
٦ - إِن فِي الصَّلَاة غذَاء للروح لَا يُغني عَنهُ علم وَلَا أدب فالصلوات الْخمس هِيَ وجبات الْغذَاء اليومي للروح كَمَا أَن للمعدة وجباتها اليومية يُنَاجِي الْمُصَلِّي فِيهَا ربَّه فتكاد تشف روحه وتصفوا نَفسه فَتسمع كَلَام الله الَّذِي يَقُود: "قسمت الصَّلَاة بيني وَبَين عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ: فَإِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله رب الْعَالمين. قَالَ تَعَالَى: حمدني عَبدِي، وَإِذا قَالَ: الرَّحْمَن الرَّحِيم. قَالَ الله تَعَالَى: أثنى علىّ عَبدِي، وَإِذا قَالَ: مَالك يَوْم الدّين. قَالَ: مجدني عَبدِي وَقَالَ مرّة: فوض إليّ عَبدِي، فَإِذا قَالَ: إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين. قَالَ: هَذَا بيني وَبَين عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ. فَإِذا قَالَ: اهدنا الصِّرَاط
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٥٣) .
(٢) سُورَة المعارج: الْآيَات (١٩ - ٢٠ - ٢١ - ٢٢ - ٢٣) .
(٣) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٢/١١، كتاب مَوَاقِيت الصَّلَاة (٩)، بَاب الصَّلَوَات الْخمس كَفَّارَة (٦)، رقم الحَدِيث (٥٢٨) .
[ ٤٥٣ ]
الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين، قَالَ: هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ"١.
٧ - فِي الصَّلَاة تدريب للْمُسلمِ على النظام وتعويد لَهُ على الطَّاعَة وَيظْهر هَذَا وَاضحا فِي صَلَاة الْجَمَاعَة إِذْ يقف الْمُسلمُونَ فِي صُفُوف مُسْتَقِيمَة متلاصقة فَلَا عوج وَلَا فرج، الْمنْكب إِلَى الْمنْكب، والقدم إِلَى الْقدَم، فَإِذا كبّر الإِمَام كبّروا، وَإِذا قَرَأَ أَنْصتُوا، وَإِذا ركع ارْكَعُوا، وَإِذا سجد اسجدوا، وَإِذا سلم سلمُوا.
فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "أما مَا يخْشَى أحدكُم أَو لَا يخْشَى أحدكُم إِذا وَقع رَأسه قبل الإِمَام أَن يَجْعَل الله رَأسه رَأس حمَار أَو يَجْعَل الله صورته صُورَة حمارٍ"٢.
٨ - فِي صَلَاة الْجَمَاعَة دعم لعاطفة الْأُخوة وتقوية لروابط الْمحبَّة وَإِظْهَار للقوة فبالاجتماع تذْهب الضغائن وتزول الأحقاد وتتآلف الْقُلُوب وتتحد الْكَلِمَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَة٣.
ب - بعد مَا أَمر لُقْمَان ابْنه بالإِيمان بِاللَّه وَعدم الْإِشْرَاك بِهِ، وَالْقِيَام ببر الْوَالِدين والثقة بعدالة الْجَزَاء والتوجه إِلَى الله بِالصَّلَاةِ، أمره بِالْقيامِ بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لما فِي ذَلِك من آثَار حب الْفَضِيلَة وأساس من أسس صَلَاح الْمُجْتَمع الإنساني بِالْإِضَافَة إِلَى أَن ممارسته يوقظ الشُّعُور وينبه الضَّمِير ويخيف الْمُقدم على الْمُنكر، وَإِذا تضامن النَّاس فِي ذَلِك - كَمَا
_________________
(١) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٤/٣٤٥، - كتاب الصَّلَاة (٤) بَاب وجوب قِرَاءَة الْفَاتِحَة
(٢) ، الحَدِيث ٣٨/٣٩٥.
(٣) البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٢/١٨٢، كتاب الْأَذَان (١٠)، بَاب إِثْم من رفع رَأسه قبل الإِمَام ٣١ رقم الحَدِيث (٦٩١) .
(٤) سُورَة التَّوْبَة: آيَة (١١) .
[ ٤٥٤ ]
هُوَ الْوَاجِب شرعا - وَوجد تضامن النَّاس على الْفَضِيلَة فَلَا تضيع بَينهم، وَوجد تضامنهم على استنكار الرذيلة فَلَا تُوجد بَينهم١.
لَا شكّ أَن الله ﷿ جعل هَذِه الْأمة المحمدية خير أمة أخرجت للنَّاس، كَمَا جعل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر منَاط هَذِه الْخَيْرِيَّة مَعَ الإِيمان بِاللَّه ﷿، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.
وَجَاء فِي الحَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان" ٣.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "مَا من نَبِي بَعثه الله فِي أمة قبلي إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بسنته ويقتدون بأَمْره ثمَّ أَنَّهَا تخلف من بعدهمْ خلوف يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ويفعلون مَا لَا يؤمرون فَمن جاهدهم بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل" ٤
فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر ومحاولة تَغْيِير الْمُنكر بِالنَّصِيحَةِ وبالطرق العملية المثمرة مساهمة جليلة فِي صِيَانة الْمُجْتَمع وتقويمه وإصلاحه، وكل مساهمة فِي إصْلَاح المجتمعات الإنسانية وتقويمها وصيانتها أَعمال أخلاقية فاضلة.
_________________
(١) عَليّ حسن العريض: فتح الرَّحْمَن فِي تَفْسِير سورتي الْفَاتِحَة ولقمان ص ٩٢.
(٢) سُورَة آل عمرَان: آيَة (١١٠) .
(٣) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٣٨٠، كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان كَون النَّهْي عَن الْمُنكر من الْإِيمَان (٢٠)، رقم الحَدِيث ٧٨/٤٩.
(٤) الْمرجع السَّابِق: ٢/٣٨٤، رقم الحَدِيث. ٨٠/٥٠.
[ ٤٥٥ ]
فَالْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وإنكاره ومحاولة تَغْيِيره من مَكَارِم الْأَخْلَاق الإيمانية لما فِيهَا من خدمَة اجتماعية، وصيانة للمجتمعات عَن الانزلاق فِي مزالق الانحراف، وَلذَلِك حرص الْإِسْلَام حرصا شَدِيدا على جعل كل الْمُسلمين وَالْمُسلمَات حرّاسًا لأسوار الْفَضَائِل وتعاليم الدّين الحنيف فَمن جَاهد مِنْهُم المنحرفين بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤمن وَمن جاهدهم بِقَلْبِه فَهُوَ مُؤمن وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك من الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل.
فوظيفة حراسة الْمُجْتَمع لحمايته من الانحراف وَظِيفَة اجتماعية لَا يجوز التخلي عَنْهَا فِي أَي حَال من الْأَحْوَال فَإِذا حدث ذَلِك تعرضت الْأمة كلهَا للعقوبة الْعَامَّة١.
وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن حُذَيْفَة، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليوشكن الله أَن يبْعَث عَلَيْكُم عقَابا مِنْهُ ثمَّ تَدعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَاب لكم" ٢.
جـ - تتطلب الدعْوَة إِلَى الله تَعَالَى الصَّبْر من الدَّاعِي فِي سَبِيل مَا يلقاه من أَعدَاء دَعوته، ذَلِك لِأَن النَّاس أَعدَاء لما جهلوا، وتحويلهم من عقيدة اعتنقوها فَتْرَة من الزَّمن، وَلَو كَانَت بَاطِلَة إِلَى عقيدة أُخْرَى لم يألفوها وَإِن كَانَت هِيَ الْحق، أَمر صَعب على النُّفُوس، وَلِهَذَا أوصى لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ يَقُول الْحق ﵎ على لِسَان لُقْمَان ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٣، لِأَن الْإِنْسَان عِنْدَمَا يتَعَرَّض لدَعْوَة النَّاس إِلَى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لابد أَن يتَصَدَّى لَهُ أهل الشَّرّ، ويناله مِنْهُم أَذَى وَلَو كَانَ قَلِيلا، فَأمر لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ عَلَيْهِ.
_________________
(١) عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٦٣٠ - ٦٣٢.
(٢) التِّرْمِذِيّ: الْجَامِع الصَّحِيح ٤/٤٦٨، كتاب الْفِتَن (٣٤)، بَاب مَا جَاءَ فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر (٩)، رقم الحَدِيث (٢١٦٩) .
(٣) سُورَة لُقْمَان: آيَة ١٧١.
[ ٤٥٦ ]
يَقُول سيد قطب فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: "وَهَذَا هُوَ طَرِيق العقيدة المرسوم. تَوْحِيد الله، وشعور برقابته، وتطلع إِلَى مَا عِنْده، وثقة فِي عدله، وخشية من عِقَابه. ثمَّ انْتِقَال إِلَى دَعْوَة النَّاس وَإِصْلَاح حَالهم، وَأمرهمْ بِالْمَعْرُوفِ، ونهيهم عَن الْمُنكر، والتزود قبل ذَلِك كُله للمعركة مَعَ الشَّرّ، بالزاد الْأَصِيل زَاد الْعِبَادَة لله والتوجه إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ ثمَّ الصَّبْر على مَا يُصِيب الداعية إِلَى الله، من التواء النُّفُوس وعنادها، وانحراف الْقُلُوب وإعراضها. وَمن الْأَذَى تمتد بِهِ الْأَلْسِنَة وتمتد بِهِ الْأَيْدِي. وَمن الِابْتِلَاء فِي المَال والابتلاء فِي النَّفس عِنْد الِاقْتِضَاء" إِن ذَلِك من عزم الْأُمُور"وعزم الْأُمُور قطع الطَّرِيق على التَّرَدُّد فِيهَا بعد الْعَزْم والتصميم"١،
وَالصَّبْر فِي اللُّغَة: يَعْنِي الْحَبْس والكف٢.
أما فِي الِاصْطِلَاح: فَهُوَ قُوَّة خلقية من قوى الْإِرَادَة تمكن الْإِنْسَان من ضبط نَفسه لتحمل المتاعب والمشقات والآلام وضبطها عَن الاندفاع بعوامل الضجر والجزع والسأم والملل والعجلة والرعونة وَالْغَضَب والطيش وَالْخَوْف والطمع والأهواء والشهوات والغرائز٣.
وبالصبر يتَمَكَّن الْإِنْسَان بطمأنينة وثبات أَن يضع الْأَشْيَاء فِي موَاضعهَا، ويتصرف فِي الْأُمُور بعقل واتزان وَينفذ مَا يُرِيد من تصرف فِي الزَّمن الْمُنَاسب، بالطريقة الْمُنَاسبَة الحكيمة، وعَلى الْوَجْه الْمُنَاسب الْحَكِيم، بِخِلَاف عدم الصَّبْر الَّذِي يدْفع إِلَى التسرع والعجلة فَيَضَع الإِنسان الْأَشْيَاء فِي غير موَاضعهَا، ويتصرف برعونة فيخطئ فِي تَحْدِيد الزَّمَان، ويسيء فِي طَريقَة
_________________
(١) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.
(٢) الفيروز آبادي: الْقَامُوس الْمُحِيط ٥٤١.
(٣) عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية ٢/٢٩٣.
[ ٤٥٧ ]
التَّنْفِيذ، وَرُبمَا يكون صَاحب حق أَو يُرِيد الْخَيْر فيغدو جانيًا أَو مُفْسِدا وَلَو أَنه اعْتصمَ بِالصبرِ لَسلِم من كل ذَلِك١.
لهَذَا أوصى لُقْمَان ابْنه بِالصبرِ، لِأَن الصَّبْر على المصائب يبْقى للْفِعْل نوره، وَيبقى للشَّخْص وقاره، وَلذَا كَانَ الصَّبْر من الْآدَاب الرفيعة والأخلاق القويمة، وَصفَة من صِفَات الْمُؤمن، وسمة من سمات المبشرين بِالْأَجْرِ الْعَظِيم من الله ﷿ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٢.
نخلص مِمَّا سبق أَن لُقْمَان وَصيته هَذِه رتب الْأُمُور بِحَسب أهميتها للداعية حَيْثُ بدأها بتربية النَّفس على طَاعَة الله ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاة﴾ ثمَّ ثنى بدعوة الآخرين ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ثمَّ أَمر بِالصبرِ على مَا يُصِيبهُ وَتحمل مَا يتَعَرَّض لَهُ من الْأَذَى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك﴾ .
وَهَكَذَا يربَّي لُقْمَان ابْنه على مَنْهَج الْعِبَادَة، حَيْثُ أَن الْعِبَادَة فِي الإسلامِ تربي الْإِنْسَان الْمُسلم على الوعي الفكري الدَّائِم، وَهَذَا مَا يَجعله إنْسَانا منطقيًا واعيًا فِي كل أُمُور حَيَاته، ومنهجيًا لَا يقوم بِعَمَل إِلَّا ضمن خطة ووعي وتفكير، إِلَى جَانب ذَلِك فَهُوَ فِي يقظة دائمة يراقب الله فِي كل أَعماله٣.
وَإِضَافَة إِلَى مَا سبق فَإِن الْعِبَادَة تربي فِي الإِنسان الْمُسلم الشُّعُور بِالْعِزَّةِ والكرامة، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْآيَة ٤.
فضلا عَن تَرْبِيَته على قدر من الْفَضَائِل الثَّابِتَة الْمُطلقَة، لَا تقف عِنْد حُدُود الأَرْض أَو الْقَوْم والمصلحة القومية، إِنَّهَا أَخْلَاق الْإِسْلَام الَّتِي تصلح لكل زمَان وَمَكَان، وَبِهَذَا الْمنْهَج الرباني الْمُرْسل لِلْعِبَادَةِ يرتبط الْإِنْسَان الْمُسلم بإخوانه
_________________
(١) الْمرجع السَّابِق.
(٢) سُورَة الزمر: آيَة (١٠) .
(٣) عبد الرَّحْمَن النحلاوي: أصُول التربية الإسلامية ص ٥٤ - ٥٥.
(٤) سُورَة المُنَافِقُونَ: آيَة (٨) .
[ ٤٥٨ ]
الْمُسلمين ارتباطًا واعيًا منظمًا قَوِيا مَبْنِيا على عاطفة صَادِقَة، وثقة بِالنَّفسِ عَظِيمَة ١.
خَامِسًا: الْآدَاب الاجتماعية:
يستطرد لُقْمَان فِي وَصيته الَّتِي يحكيها الْقُرْآن هُنَا إِلَى آدَاب الداعية إِلَى الله، فالدعوة إِلَى الْخَيْر لَا تجيز التعالي على النَّاس والتطاول عَلَيْهِم باسم قيادتهم إِلى الْخَيْر، وَمن بَاب أولى يكون التعالي والتطاول بِغَيْر دَعْوَة إِلَى الْخَيْر أقبح وأرذل٢.
وَلِهَذَا لما أَمر لُقْمَان ابْنه بِأَن يكون كَامِلا فِي نَفسه، مكملا لغيره، كَانَ يخْشَى بعْدهَا من أَمريْن، أَحدهمَا: التكبر على الْغَيْر بِسَبَب كَونه مكملا بِهِ. وَالثَّانِي: التَّبَخْتُر فِي النَّفس بِسَبَب كَونه كَامِلا فِي نَفسه٣.
يَقُول تَعَالَى حِكَايَة عَن لُقْمَان وَهُوَ يعظ ابْنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ٤.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ٥.
فَمن الْآيَتَيْنِ الكريمتين السابقتين يَتَّضِح أَن الْآدَاب المتضمنة فِي تِلْكَ الموعظة هِيَ كالتالي:
_________________
(١) ) ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس﴾ ينْهَى لُقْمَان ابْنه عَن الْكبر، وَالْمعْنَى أَن لَا تعرض بِوَجْهِك عَن النَّاس إِذا كلمتهم، أَو كلموك احتقارًا مِنْك لَهُم واستكبارًا
(٢) عبد الرَّحْمَن النحلاوي: الْمرجع السَّابِق ص ٥٥ - ٥٧.
(٣) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.
(٤) الْفَخر الرَّازِيّ: التَّفْسِير الْكَبِير ٢٥/١٤٩.
(٥) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٨) .
(٦) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٩) .
[ ٤٥٩ ]
عَلَيْهِم، وَلَكِن ألن جَانِبك وابسط وَجهك إِلَيْهِم١. والصعر دَاء يُصِيب الْإِبِل فيلوي أعناقها والأسلوب القرآني يخْتَار هَذَا التَّعْبِير للتنفير من الْحَرَكَة المشابهة للصعر حَرَكَة الْكبر والازورار وإمالة الخد للنَّاس فِي تعال واستكبار٢.
يَقُول الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: "هُوَ أَن تلوي شدقك إِذا ذكر الرجل عنْدك كَأَنَّك تحتقره، فَالْمَعْنى: أقبل عَلَيْهِم متواضعًا مؤنسا مستأنسا، وَإِذا حَدثَك أَصْغَرهم فأصغ إِلَيْهِ حَتَّى يكمل حَدِيثه، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِي ﷺ يفعل٣.
وَبِنَاء على مَا تقدم يُمكن القَوْل بِأَن التكبر لَيْسَ من أَخْلَاق الْمُؤمن، فَلَو عرف المتكبر حَقِيقَة نَفسه أَي أَن أَوله نُطْفَة قذر، وَآخره جيفة مُنْتِنَة يخجل من نَفسه، ووقف عِنْد حَده، وأخلص الْعِبَادَة لرَبه وتواضع لخالقه، لِأَن الإِنسان كلما تواضع لله رَفعه الله، وَكلما تكبر عَلَيْهِ وَضعه وقصمه، وَفد أكد النَّبِي ﷺ هَذَا الْمَعْنى بقوله: "مَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه الله" ٤.
وَقَالَ أَيْضا: "ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَة: وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زَان، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر" ٥.
كَمَا يظْهر من الْعرض السَّابِق أَن أولى الْأَخْلَاق الَّتِي يرغب لُقْمَان فِي غرسها فِي ابْنه عدم التكبر على النَّاس، والتواضع لَهُم.
_________________
(١) ابْن كثير: تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم ٣/٤٤٦.
(٢) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.
(٣) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧٠.
(٤) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ١٦/٣٧٨، كتاب الْبر والصلة والآداب (٤٥)، بَاب اسْتِحْبَاب الْعَفو والتواضع (١٩)، رقم الحَدِيث ٦٩/٢٥٨٨.
(٥) مُسلم: صَحِيح مُسلم بشرح النَّوَوِيّ ٢/٦٤٧، كتاب الْإِيمَان (١)، بَاب بَيَان غلظ تَحْرِيم
(٦) ، رقم الحَدِيث ١٧٢/١٠٧.
[ ٤٦٠ ]
٢ -) ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا ﴾ المرح يَأْتِي فِي اللُّغَة بِمَعْنى شدَّة الْفَرح والنشاط١. حَتَّى يُجَاوز قدره، وَيَأْتِي أَيْضا بِمَعْنى التَّبَخْتُر والإختيال فَقَوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ هُوَ بِمَعْنى وَلَا تمش فِي الأَرْض مشْيَة تبختر واختيال وَلذَلِك ختم الله الْآيَة بِمَا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أَي لَا يحب كل مختالٍ على النَّاس مستكبر عَلَيْهِم بمشيته بَينهم أَو بإعراضه عَنْهُم، وَلَا يحب كل فخور على النَّاس بِنَفسِهِ أَو بِمَا أَتَاهُ الله من قُوَّة أَو مالٍ أَو نسبٍ أَو جاهٍ أَو ذكاء قلب أَو جمال وَجه وَحسن طلعة٢.
وَلَو عقل المستكبرون الَّذين يختالون ويمشون فِي الأَرْض مرحًا لعرفوا إِن هَذَا الْعَمَل يصغرهم، ويقلل من شَأْنهمْ عِنْد الله وَعند النَّاس فَالله لَا يحب الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ على عباده وَلَا يحب الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَالنَّاس أَيْضا يكْرهُونَ من يستكبر عَلَيْهِم ويكرهون كل ظَاهِرَة تدل على الْكبر فِي الْأَنْفس إِذا رأوها من غَيرهم٣.
٣ -) ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾ بَعْدَمَا نهى لُقْمَان ابْنه عَن مَشْيه المرح وصعر الخد أمره بالمشية المعتدلة القاصدة، فَقَالَ تَعَالَى على لِسَان لُقْمَان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وَالْقَصْد هُنَا من الاقتصاد وَعدم الإِسراف وَعدم إِضَاعَة الطَّاقَة فِي التَّبَخْتُر والتثني والاختيال وَمن الْقَصْد كَذَلِك لِأَن المشية القاصدة إِلَى هدف لَا تتلكأ وَلَا تتخايل وَلَا تتبختر، إِنَّمَا تمْضِي لقصدها فِي بساطة وانطلاق٤.
وَلَقَد نهى الله تَعَالَى الْمُسلم أَن يسير مسرع الخطى وَهُوَ يَلْهَث، كَمَا نَهَاهُ أَن يبطئ فِي مَشْيه وَهُوَ خامل كسول، إِنَّمَا عَلَيْهِ أَن يتوسط فِي مَشْيه فَخير الْأُمُور أوسطها.
_________________
(١) الفيروز آبادي: الْقَامُوس الْمُحِيط ٣٠٨.
(٢) عبد الرَّحْمَن الميداني: الْأَخْلَاق الإسلامية وأسسها ١/٦٧٦.
(٣) الْمرجع السَّابِق ١/٦٧٨.
(٤) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.
[ ٤٦١ ]
فَإِذا وضعت أسس التربية على أساس من التوازن والاعتدال كَمَا أوضحتها النظرة الإسلامية لعتدل الْأَمر وَمَا تحولت الْوَسَائِل إِلَى غايات، وَمَا انحرفت بِنَا الطَّرِيق بَين غلو وتقصير وإفراط وتفريط. والتربية الإِسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بَين إشباعات النَّفس ومطالبها وَبَين عفتها وقناعتها، وَهَذَا وَارِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ الْآيَة١.
وسياسة الِاعْتِدَال فِي العملية التربوية إِنَّمَا تتركز على علم النَّفس من الْأَهْوَاء والشهوات، فَإِذا مَالَتْ إِلَى الاغترار عولجت بالتواضع حَتَّى يتم الِاعْتِدَال أَو يتم التوازن، وَإِذا مَالَتْ إِلَى الْهوى كَانَ عالجها الاسْتقَامَة، فَأَي من الْعُيُوب والآفات النفسية إِنَّمَا هِيَ تَمْرَة فجة للتربية الْخَاطِئَة وَالنَّقْص فِي الْأَدَب والأخلاق، وكل شَيْء فِي هَذَا الْوُجُود يسير على هدي من الِاعْتِدَال والتوازن والاتساق والتناسب والتناسق ماعدا الْإِنْسَان. فالإنسان وَإِن كَانَ فِي الأَصْل فِي خلقه على الْفطْرَة السليمة إِلَّا أَنه يبتعد عَن هَذِه الْفطْرَة إِذا افْتقدَ إِلَى التربية الإسلامية الصَّحِيحَة، وَهنا يخلط بَين اشباعاته ومطالبه فَيُطَالب بحقوقه ويتغافل عَن واجباته وَبِذَلِك ينحرف عَن طَرِيق القوامة والاستقامة الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى أساسًا لشريعة الْإِسْلَام ومنهاجه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الْآيَة٢.
فالوسط الإسلامي هُوَ التوازن فِي الْفِكر والسلوك والتطبيق٣.
من أجل ذَلِك طلب لُقْمَان ابْنه أَن يتوسط فِي مشيته، وَالْمرَاد من ذَلِك أَن تكون مشيته مَا بَين الْإِسْرَاع والبطء أَي لَا تدب دَبِيب المتماوتين ولاتثب وثب الشطار٤.
_________________
(١) سُورَة الْإِسْرَاء: آيَة (٢٩) .
(٢) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة (١٤٣) .
(٣) حسن الشرقاوي: نَحْو تربية إسلامية ص ١٣٠ - ١٣١.
(٤) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧١.
[ ٤٦٢ ]
٤ -) ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، أغضض من صَوْتك أَي أنقص مِنْهُ، أَي لَا تتكلف رفع صَوْتك وَخذ مِنْهُ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ، فَإِن الْجَهْر بِأَكْثَرَ من الْحَاجة تكلّف يُؤْذِي، وَالْمرَاد بذلك التَّوَاضُع١.
وغض الصَّوْت فِيهِ أدب وثقة بِالنَّفسِ واطمئنان إِلَى صدق الحَدِيث وقوته، وَمَا يزعق أَو يغلظ فِي الْخطاب إِلَّا سيئ الْأَدَب أَو شَاك فِي قيمَة قَوْله، أَو قيمَة شخصه، يحاول إخفاء هَذَا الشَّك بالحدة والغلظة والزعاق٢.
والأسلوب القرآني يرذل هَذَا الْفِعْل ويقبحه فِي صُورَة منفرة محتقرة بشعة حِين يعقب عَلَيْهِ بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
فيرتسم مشْهد مضحك يَدْعُو إِلَى الهزء والسخرية، مَعَ النفور والبشاعة وَلَا يكَاد ذُو حس يتَصَوَّر هَذَا المشهد المضحك من وَرَاء التَّعْبِير الْمُبْدع، ثمَّ يحاول شَيْئا من صَوت هَذَا الْحمير٣.
يَقُول الْقُرْطُبِيّ: فِي هَذِه الْآيَة دَلِيل على تَعْرِيف قبح ردع الصَّوْت فِي المخاطبة، والملاحاة٤ بقبح أصوات الْحمير لِأَنَّهَا عالية، وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "وَإِذا سَمِعْتُمْ نهيق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه من الشَّيْطَان فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانا" ٥.
_________________
(١) سُورَة لُقْمَان: آيَة (١٩) .
(٢) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧١.
(٣) سيد قطب: فِي ظلال الْقُرْآن ٥/٢٧٩٠.
(٤) الْمرجع السَّابِق.
(٥) الملاحاة: الملاومة والمباغضة. البُخَارِيّ: صَحِيح البُخَارِيّ بشرح فتح الْبَارِي ٦/٣٥٠، كتاب الْخلق (٥٩)، بَاب خير مَال الْمُسلم (١٥)، رقم الحَدِيث (٣٣٠٣) .
[ ٤٦٣ ]
وَقد رُوِيَ: إِنَّه مَا صَاح حمَار وَلَا نبح كلب إِلَّا أَن يرى شَيْطَانا.
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: صياح كل شَيْء تَسْبِيح إِلَّا نهيق الْحمير.
وَقَالَ عَطاء: نهيق الْحمير دُعَاء على الظلمَة.
وَهَذِه الْآيَة أدب من الله تَعَالَى بترك الصياح فِي وُجُوه النَّاس تهاونًا بهم أَو بترك الصياح جملَة.
وَكَانَت الْعَرَب تَفْخَر بجهارة الصَّوْت الجهير وَغير ذَلِك، فَمن كَانَ مِنْهُم أَشد صَوتا كَانَ أعز، وَمن كَانَ أَخفض كَانَ أذلّ حَتَّى قَالَ شَاعِرهمْ:
جهير الْكَلَام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم
ويعدو على الأين عدوى الظليم ويعلو الرِّجَال بِخلق عمم
فَنهى الله ﷾ عَن تِلْكَ الْخلق الْجَاهِلِيَّة بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَي لَو أَن شَيْئا يهاب صَوته لَكَانَ الْحمار، فجعلهم فِي الْمثل سَوَاء١.
يَتَّضِح من الْوَصَايَا الَّتِي وصّى بهَا لُقْمَان ابْنه أَنَّهَا تجمع أُمَّهَات الحكم، وتستلزم مَا لم يذكر مِنْهَا، وكل وَصِيَّة يقرن بهَا مَا يَدْعُو إِلَى فعلهَا إِن كَانَت أمرا وَإِلَى مرتكبها إِن كَانَت نهيا. فَأمره بِأَصْل الدّين وَهُوَ التَّوْحِيد، وَنَهَاهُ عَن الشّرك وَبَين لَهُ الْمُوجبَة لتَركه. وَأمره ببر الْوَالِدين وَبَين لَهُ السَّبَب الْمُوجب لبرهما وَأمره بشكره وشكرهما ثمَّ احْتَرز بِأَن مَحل برهما وامتثال أوامرهما مالم يأمرا بِمَعْصِيَة وَمَعَ ذَلِك فَلَا يعقهما بل يحسن إِلَيْهِمَا، وَإِن كَانَ لَا يطيعهما إِذا جاهداه على الشّرك. وَأمر بمراقبة الله وخوّفه الْقدوم عَلَيْهِ وَأَنه لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة من الْخَيْر وَالشَّر إِلَّا أَتَى بهَا. وَأمره بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإِقَامَة الصَّلَاة وبالصبر اللَّذين يسهل بهما كل أَمر كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ .
_________________
(١) الْقُرْطُبِيّ: الْجَامِع لأحكام الْقُرْآن ١٤/٧٢.
[ ٤٦٤ ]
وَنَهَاهُ عَن التكبر وَأمره بالتواضع، وَنَهَاهُ عَن البطر والأشر والمرح وَأمره بِالسُّكُونِ فِي الحركات والأصوات، وَنَهَاهُ عَن ضد ذَلِك١.
فحقيق من أوصى بِهَذِهِ الْوَصَايَا أَن يكون مَخْصُوصًا بالحكمة، مَشْهُورا بهَا، وَلِهَذَا من منّة الله تَعَالَى على عباده أَن قصر عَلَيْهِم من حكمته مَا يكون لَهُم بِهِ أُسْوَة حَسَنَة٢.
فالوصايا السَّابِقَة هِيَ مَنْهَج الْآدَاب السامية الَّتِي يُؤَدب الله عباده ذَلِك لِأَن فِي امتثالها سعادتهم وفلاحهم دنيا وآخرة هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة أُخْرَى فَإِنَّهُم يرَوْنَ آثارها التربوية فِي تَوْجِيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زِيَادَة الألفة والمحبة بَينهم كَمَا يُؤَدِّي هَذَا إِلَى تماسك مجتمعهم.
_________________
(١) عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ: تيسير الْكَرِيم الرَّحْمَن فِي تَفْسِير كَلَام المنان ٦/٧٩.
(٢) الْمرجع السَّابِق ٦/ ٧٩ - ٨٠.
[ ٤٦٥ ]