• الله ﷿ رحيم واسع الرحمة وحكيم يُنزل الأمور منازلها ويعطي كل أحد بحسب حاله ومقامه، قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) اشترك هؤلاء الثلاثة في الإيمان وفي اصطفاء الله لهم من بين الخليقة وفي دخول الجنة وافترقوا في تكميل مراتب الإيمان وفي مقدار الاصطفاء من الله وميراث الكتاب وفي منازل الجنة ودرجاتها بحسب أوصافهم.
وهم ثلاث مراتب كلية:
الأول: ظالم لنفسه. الثاني: مقتصد. الثالث: سابق بالخيرات.
أما الظالم لنفسه فهو المؤمن الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وترك من واجبات الإيمان ما لا يزول معه الإيمان بالكلية وهذا القسم ينقسم إلى قسمين القسم الأول: من يرد القيامة وقد كُفَر عنه السيئات كلها إما بدعاء أو شفاعة أو آثار خيرية ينتفع بها في الدنيا أو عُذَب في البرزخ بقدر ذنوبه ثم رُفع عنه العقاب وعمل الثواب عمله فهذا من أعلى هذا القسم.
القسم الثاني: من ورد القيامة وعليه سيئات فهذا توزن حسناته وسيئاته ثم هم بعد هذا النوع ثلاثة أنواع:
النوع الأول: من ترجح حسناته على سيئاته فهذا لا يدخل النار بل يدخل الجنة برحمة الله.
النوع الثاني: من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهؤلاء هم أصحاب الأعراف وهي موضع مرتفع بين الجنة والنار يكونون عليه ويلبثون فيه ما شاء الله ثم بعد ذلك يدخلون الجنة.
النوع الثالث: من رجحت سيئاته على حسناته فهذا قد استحق دخول النار إلا أن يمنع من ذلك مانع من شفاعة الرسول - ﷺ - له أو أحد أقاربه أو معارفه أو تدركه رحمة الله المحضة بلا واسطة وإلا فلا بد له من دخول النار يُعذب فيها بقدر ذنوبه ثم مآله إلى الجنة ولا يبقى في النار أحد في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل.
أما المقتصد فهو الذي أدى الواجبات وترك المحرمات ولم يُكثر من نوافل العبادات وإذا صدر منه بعض الهفوات بادر إلى التوبة، فيُعاد إلى مرتبته فهؤلاء أهل اليمين فهؤلاء سلموا من عذاب البرزخ وعذاب النار وسلم لهم إيمانهم وأعمالهم فأدخلهم الله بها الجنة.
[ ٥ ]
وأما السابق إلى الخيرات فهو الذي كمل مراتب الإسلام وقام برتبة الإحسان فعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه وبذل ما استطاع من النفع لعباد الله فكان قلبه ملآن من محبة الله والنصح لعباد الله فأدى الواجبات والمستحبات وترك المحرمات والمكروهات وفضول المباحات المنقصة لدرجته فهؤلاء هم صفوة الصفوة وهم المقربون.
علمًا أن أصحاب هذه المراتب كلٌ على حسب درجته وبينهما تفاوت عظيم.
• مراتب أعمال الناس من حيث ميزان الشرع:
المرتبة الأولى: العمل الصالح المشروع الذي لا كراهة فيه: فهو سنة الرسول - ﷺ - الباطنة والظاهرة والغالب على هذا الضرب هو أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.
المرتبة الثانية: العمل الصالح من بعض وجوهه أو أكثرها إما لحُسن القصد أو لاشتماله مع ذلك على أنواع من المشروع، وهذا الضرب كثير جدًا في طرق المتأخرين ومن عامة المسلمين أيضًا، فقد يكون الشخص الواحد في العمل الواحد آثمًا من جهة وفي ذات الوقت مُحسنًا مأجورًا من جهة أخرى.
المرتبة الثالثة: ما ليس صلاح أصلًا إما لكونه تركًا للعمل الصالح مطلقًا أو لكونه عملًا فاسدًا محضًا.
فأفضل هذه المراتب بلا شك الأولى ثم الثانية أما الثالثة فأعاذنا الله منها.
• أولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور وتركوا المحظور وصبروا على المقدور.
• هناك فرق بين القوة العلمية والقوة العملية والعلم شيء والتحلي بالعلم شيء آخر والناس مع هاتين القوتين (العلمية والعملية) أربعة أقسام:
القسم الأول: من الناس من تكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة العلمية أغلب القوتين عليه ويكون ضعيفًا في القوة العملية يُبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاه فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك الجهَال في التخلَف وفارقهم في العلم وهذا هو الغالب على أكثر النفوس المنشغلة بالعلم والمعصوم من عصمه الله ولا قوة إلا بالله.
القسم الثاني: ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضي هذه القوة السير والسلوك والزهد في الدنيا والرغبة في
[ ٦ ]
الآخرة والجد والتشمير في العمل ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات في العقائد والانحرافات في الأعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات فداء هذا من جهله وداء الأول من فساد إرادته وضعف عقله وهذا حال أكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم.
القسم الثالث: من كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله ورُجي له النفوذ وقوي على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته فإن القواطع كثيرة شأنها شديد ولا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين ولو شاء الله لأزالها وذهب بها ولكن الله يفعل ما يريد.
القسم الرابع: فإذا كان السير ضعيفًا والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفًا والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء إلا أن يتداركه الله برحمة منه.
• العلماء ثلاثة عالم بالله دون أمره وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله وعالم بالله عالم بأمر الله وهذا هو الراسخ في العلم.
[ ٧ ]