• القدر هو تقدير الله للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته أو هو علم الله وكتابته للأشياء ومشيئته وخلقه لها.
والإيمان بالقدر يقوم على أربعة أركان تسمى مراتب القدر وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأفعال العباد داخلة في عموم خلقه ﷿ ولا يخرجها عن ذلك العموم شيء.
ومفهوم هذه المراتب ما يلي:
١ - العلم: فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم، علم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي فلا يتجدد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم.
٢ - الكتابة فنؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة.
٣ - المشيئة فنؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السموات والأرض لا يكون شيء إلا بمشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
٤ - الخلق فنؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل.
وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله تعالى نفسه ولما يكون من العباد فكل ما يقوم به من العباد من أقوال أو أفعال أو تروك فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده والله تعالى قد شاءها وخلقها ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختيارًا وقدرة بهما يكون الفعل ونرى أنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله
[ ٤٩ ]
تعالى لأن العاصي يُقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدَرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره ونؤمن بأن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى لكمال رحمته وحكمته فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبدًاَ لأنه صادر عن رحمة وحكمة وإنما يكون الشر في مقضياته ومع هذا فإن الشر في المقضيات ليس شرًا خالصًا محضًا بل هو شر في محله من وجه، خيرٌُ من وجه أو شر في محله خيرٌُ في محل آخر.
والتقدير ينقسم إلى خمسة أقسام وهي:
١ - التقدير العام لجميع الكائنات.
٢ - التقدير البشري: وهو التقدير الذي أخذ الله فيه الميثاق على بني آدم في عالم الذر.
٣ - التقدير العمري: وهو تقدير كل ما يجري على العبد من لدن نفخ الروح فيه إلى نهاية أجله.
٤ - التقدير السنوي: وهو تقدير ما يجري كل سنة وذلك ليلة القدر من كل سنة.
٥ - التقدير اليومي: وهو تقدير ما يجري كل يوم.
والتقدير البشري يدخل في التقدير العام على مذهب بعض أهل العلم فلا حاجة لذكره والله أعلم.
• ما شاء العبد إن لم يشأ الله لم يكن، وما شاء الله وإن لم يشأ العبد كان.
• ما لم يشأ الله كونه فإنه لا يكون لعدم مشيئته له لا لعدم قدرته عليه.
• أفعال العباد الاختيارية هي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا وهي من العباد فعلًا وكسبًا فالله هو الخالق لأفعالهم وهم الفاعلون لها.
• القدر قدران أحدهما المثبت أو المُبرم وهو ما في أم الكتاب فهذا لا يتغير ولا يتبدَل، والثاني: القدر المعلَق أو المقيًد وهو ما في كتب الملائكة فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات.
• القضاء يعني قضاؤ الله ﷿ به عند وقوعه والقدر يعني تقدير الله الشيء في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق.
• القدر هو نظام التوحيد فمن وحَد الله وآمن بالقدر تمَ توحيده ومن وحَد الله وكذَب بالقدر نقص توحيده.
• التقدير الذي قدَره الله تابع لحكمته ورحمته وما تقتضيه تلك الحكمة من غايات حميدة وعواقب نافعة للعباد في معاشهم ومعادهم.
[ ٥٠ ]
• الله ﷾ أحاط بكل شيء علمًا سواء مما يتعلق بأفعاله ﷿ أو بأفعال عباده فهو مُحيط بها جملة وتفصيلًا بعلمه الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا.
• كل ما سوى الله فهو مخلوق له وكما أن ذوات المخلوقات مخلوقة فكذلك أن صفاتها من أقوالها وأعمالها مخلوقة.
• المستقبل بالنسبة للعبد أُنُف وإن كان بالنسبة لله ﷿ قد سبق به علمه وجرى به قلمه، والله يختص برحمته وفضله من يشاء ولا يمنع ما هو للعبد.
• ينبغي للمؤمن استشعار واستحضار أنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله وأما الإيمان بمراتب القدر فيكفي فيها الإيمان المجمل من غير استشعاره كل حين، بل ينبغي عدم التعمق والوسوسة في مراتب القدر فهو ذريعة الخذلان وسلم الحرمان.
• الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير.
• لا يُحتج بالقدر على الشرع.
• يجوز الاحتجاج بالقدر على وجه الإيمان به والتوحيد والتوكل على الله والنظر إلى سبق قضائه وقدره محمود مأمورٌ به وكذلك الاحتجاج به على نعم الله الدينية والدنيوية، وكذلك إذا فعل ما يقدر عليه من الأسباب النافعة في دينه ودنياه ثم لم يحصل له مراده بعد اجتهاده فإنه إذا اطمأن في هذه الحال إلى قضاء الله وقدره كان محمودًا وكذلك إذا احتج بعد التوبة من الذنب ومغفرة الله له وأيضًا الاحتجاج بالقدر في العذر بالأخطاء الواقعة في حق العبد الخاص.
• حكم الاحتجاج بالقدر على الذنوب وظلم العباد فيما بينهم:
إن اعتذار المذنبين والظالمين واحتجاجهم بالقدر يُنافي التوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي، ويعتبر خللًا في العقيدة، وينقل العبد من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك والكفر، ويؤدي إلى فساد عقيدة الولاء والبراء إلا أن هناك جانب من الاعتذار لا بأس أن يقوم به الإنسان، وهذا الاعتذار هو ما كان في حق العبد الخاص، فإن رسول الله ﷺ كان يعذر في حقه، فإذا كان الخطأ في حقك أنت أيها المسلم، فإن من السنة أن تعذر أخاك المسلم في حقك، فقد قال أنس ﵁: "خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنعه، وكان إذا عاتبني بعض أهله قال الرسول ﷺ: دعوه فلو قُضي
[ ٥١ ]
شيء لكان". فقد كان ﵊ يعذر المسلمين بالقدر للأخطاء التي تكون في حقه، فلم يكن يضربهم ولا يلومهم ولا يقرعهم وهذا إذا كان الوضع يحتمل ذلك.
أما الأشياء التي تكون في حق الله، فلم يكن الرسول ﷺ يعذر فيها أحدًا بالقدر مطلقًا، فإنه لما سرقت المرأة قطع يدها، وما قال الرسول ﷺ أبدًا: هذه المرأة قدر الله عليها بالسرقة، وما ذنبها، إذًا لا نقطع يدها، كلا؛ بل قطع يدها؛ لأن هذا حق من حقوق الله ﷿، وكذلك لما تخلف بعض الناس عن صلاة الجماعة، ما قال الرسول ﷺ هذا قضاء الله وقدره، دعونا نستسلم للقضاء والقدر ولا نعاقب هؤلاء؛ بل قد همَّ بتحريق بيوتهم عليهم، ولما زنت المرأة، وزنى الرجل رجمهما ﷺ، ولم يعذرها بالقدر، وكان رسول الله ﷺ أعرف بالله وبحقه من أن يحتج بالقدر على ترك أمر الله تعالى، ولكنه يقبل هذا إذا كان في حقه، فقد عذر أنس بالقدر في حقه كما ذكرنا وقال: "لو قضي شيء لكان" فصلوات الله وسلامه عليه، أما عذر النفس بالذنوب، أو عذر العباد في تقصيرهم في حقوق الله تعالى، فهذا مزلق عظيم يؤدي إلى معذرة عبدة الأصنام والأوثان، وقتلة الأنبياء، وعذر فرعون وهامان، ونمرود بن كنعان وأبو جهل وأصحابه، وسيؤدي بك الأمر إلى إعذار إبليس وجنوده، وكل كافر وظالم ومتعدٍ لحدود الله.
• الموقف من المصائب ومن المعائب:
أمر الله نبيه إذا أصابته المصائب أن ينظر إلى القدر ولا يتحسر على الماضي بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه فالنظر إلى القدر عند المصائب، والاستغفار عند المعائب ; قال تعالى) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) وقال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) قال علقمة وغيره هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
• الإنسان مخيَر باعتبار ومسيَر باعتبار فهو مخيَر باعتبار أن له قدرة ومشيئة واختيارًا ومسيَر باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل في القدر راجع إليه ولكونه لا يخرج عمَا قدره الله له.
[ ٥٢ ]
• أفعال العبد قسمان أفعال هو مُجبر عليها مسيَر عليها كحركة القلب والهرم ونحوها وأفعال هو مُخيَر فيها وهي مناط التكليف.
• الفرق بين فعل العبد اللاإرادي والفعل الإرادي المُختار:
أن ما وقع باختيار العبد هو مناط التكليف وفعل العبد الاختياري وغير الاختياري هما من جملة القضاء والقدر.
• هل للإنسان قدرة ومشيئة أو لا؟
نعم له مشيئة وقدرة جزئية، ومشيئته وقدرته واقعتان بمشيئة الله ﷿ تابعتان لها.
• للعبد قدرة واختيار ومشيئة لا يُجبره على فعله الاختياري أحد حتى خالقه بل يفعل ما يفعله بمحض إرادته وحسب مشيئته، لكن فعله هذا وإرادته هذه داخله في خلق الله تعالى له كما أنها مسبوقة بعلم الله الأزلي فلا يعمل عملًا إلا وقد سبق تقديره وإرادته في علم الله الأزلي وكتبه عنده في كتابه الذي جرى بما كان ويكون إلى قيام الساعة.
• علم الله كاشف لا مُكره.
• لا تأثير لما سبق في علم الله وكتابته وتقديره على محض اختيار العبد وإرادته.
• كتابة الله المقادير في اللوح المحفوظ هي كتابة علم وليست كتابة إجبار.
• الله ﷿ يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، فعلمه مطلق وقد أحاط بكل شيءٍ علمًا ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وكتابة أفعال العباد الاختيارية في اللوح المحفوظ فرع عن علمه عن الخلق وما سيعملون.
• المكتوب من أعمال العباد الاختيارية واقع لا محالة، لا، لأن المكتوب جبر للعبد بل لأن المكتوب فرع عن علم الله المُحيط بخلقه.
• الله سبحانه منزهٌ عن الشر والشر هو الظلم والظلم هو وضع الشيء في غير محله فإذا وُضع في محله لم يكن شرًا، فعلم أن الشر ليس إليه وأسماءه الحسنى تشهد بذلك والله ﵎ منزهٌ عن نسبة الشر إليه بل كل ما نُسب إليه فهو خير والشر إنما صار شرًا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، وإيجاد الله للعقوبة على ذنب لا يُعد شرًا له بل ذلك عدل منه تعالى وتمكين الله بعض خلقه لفعل الشر وإذنه الكوني به ومشيئته لها هو خير باعتبار حكمة الله ومآلات هذا الإذن الكوني والله له الحكمة البالغة التي يُحمد عليها فهو خير
[ ٥٣ ]
وحكمة ومصلحة علمها من علمها وجهلها من جهلها، هذا وإن كان وقوع هذا الفعل السيء والظلم من العبد يُعد عيبًا ونقصًا وشرًا في حقه.
• ليس في القدر شر وإنما الشر في المقدور والشر ليس في فعل الله وتقديره، وإنما الشر في مفعولات الله لا في فعله والله تعالى لم يقدر هذا الشر إلا لخير وهذه المفعولات والمخلوقات هي شر من وجه وخير من وجه آخر فتكون شرًا بالنظر إلى ما يحصل منها من الأذية ولكنها خير بما يحصل فيها من العاقبة الحميدة.
• الشر لا يُنسب إلى الله تعالى فهو منزه عن الشر ولا يفعل إلا الخير والقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه فإنه علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه وذلك خير محض فالشر إنما هو في المقضي لا في القضاء وفي مفعولات الله لا في أفعاله ﷿.
• الله خالق كل شيء لكن مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه فقد فرق بين
المخلوقات أعيانها وأفعالها كما قال تعالى "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ" وكما قال "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" وقال تعالى "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار"ِ وقال تعالى" وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ" وأمثال ذلك مما يبين الفرق بين المخلوقات وانقسام الخلق إلى شقي وسعيد كما قال تعالى "فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ".
• حكم وصف الله ﷿ بأفعال خلقه السيئة باعتبار أنه خالقها:
لا يجوز وصف الله ﷿ بأفعال خلقه السيئة وإن كان خالقها. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "وكونُه خَلَقَ أفعالَ العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ﷾، كما أنَّه لا يُوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد، وهي خَلْقُهُ وتقدِيرُه، فإنَّه لا يُوصَف إلاَّ بأفعاله، لا يوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها، إنَّما يوصف بما قام به مِن صفاته وأفعاله، والله أعلم" انتهى.
ثم إن الله ﷿ قد تبرأ من الشرك والظلم والكفر وأهله فلذلك توعد الكفار والمشركين والظالمين بالعذاب يوم القيامة، ولكنه قد شاء الكفر والظلم في الحياة الدنيا لحكم ومصالح من وراء ذلك، وفرق بين فعل الله سبحانه وبين ما
[ ٥٤ ]
هو مفعول مخلوق له، وليس في مخلوقه ما هو ظلم منه وإن كان بالنسبة إلى فاعله الذي هو المخلوق هو ظلم، كما أن أفعال الإنسان هي بالنسبة إليه تكون سرقة وزنا وصلاة وصومًا، والله تعالى خالقها بمشيئته، وليست بالنسبة إليه كذلك؛ إذ هذه الأحكام هي للفاعل الذي قام به هذا الفعل، كما أن الصفات هي صفات للموصوف الذي قامت به لا للخالق الذي خلقها وجعلها صفات، والله - تعالى - خلق كل صانع وصنعته كما جاء ذلك في الحديث، وهو خالق كل موصوف وصفته.
ثم صفات المخلوقات ليست صفات له؛ كالألوان والطعوم والروائح لعدم قيام ذلك به، وكذلك حركات المخلوقات ليست حركات له ولا أفعالًا له بهذا الاعتبار؛ لكونها مفعولات هو خلقها، وبهذا الفرق تزول شبه كثيرة.
ولهذا ألزم السلف بعض أهل البدع في القدر أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق وإنما قالت الجلود: ﴿أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ولم تقل: نطق الله بذلك؛ بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره، زورًا كان أو كذبًا أو كفرًا أو هذيانًا تعالى الله عن ذلك؛ ولهذا قال من قال من السلف كسليمان بن داود الهاشمي وغيره ما معناه: إنه على هذا يكون الكلام الذي خلق في فرعون حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كالكلام الذي خلق في الشجرة حتى قالت: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، فإما أن يكون فرعون محقًا، أو تكون الشجرة كفرعون وهذا يستوعب أنواع الكفر؛ ولهذا كان من الأمر البين للخاصة والعامة أن مَنْ قال: المتكلم لا يقوم به كلام أصلا - فإن حقيقة قوله أنه ليس بمتكلم؛ إذ ليس المتكلم إلا هذا؛ ولهذا كان أولوهم يقولون: ليس بمتكلم. ثم قالوا: هو متكلم بطريق المجاز، وذلك لما استقر في الفطر أن المتكلم لابد أن يقوم به كلام وإن كان مع ذلك فاعلا له، كما يقوم بالإنسان كلامه وهو كاسب له. أما أن يجعل مجرد أحداث الكلام في غيره كلاما له - فهذا هو الباطل.
وهكذا القول في الظلم، فَهَبْ أن الظالم من فعل الظلم فليس هو من فعله في غيره، ولم يقم به فعل أصلا، بل لابد أن يكون قد قام به فعل، وإن كان متعديًا إلى غيره، فهذا جواب. ثم يقال لهم: الظلم فيه نسبة وإضافة، فهو ظلم من الظالم، بمعنى أنه عدوان وبغي منه، وهو ظلم للمظلوم، بمعنى أنه بغي واعتداء عليه. وأما من لم يكن معتدي عليه به ولا هو منه عدوان على غيره فهو في حقه ليس بظلم، لا منه ولا له.
[ ٥٥ ]
ثم إن الله سبحانه إذا خلق أفعال العباد فذلك من جنس خلقه لصفاتهم فهم الموصوفون بذلك، فهو سبحانه إذا جعل بعض الأشياء أسود، وبعضها أبيض، أو طويلا، أو قصيرًا، أو متحركًا، أو ساكنًا أو عالمًا، أو جاهلا، أو قادرًا، أو عاجزًا، أو حيًا، أو ميتًا. أو مؤمنًا أو كافرًا، أو سعيدًا، أو شقيًا، أو ظالمًا، أو مظلومًا كان ذلك المخلوق هو الموصوف بأنه الأبيض والأسود، والطويل والقصير، والحي والميت، والظالم والمظلوم، ونحو ذلك، والله سبحانه لا يوصف بشيء من ذلك، وإنما إحداثه للفعل الذي هو ظلم من شخص وظلم لآخر بمنزلة إحداثه الأكل والشرب الذي هو أكل من شخص وأكل لآخر، وليس هو بذلك آكلًا ولا مأكولًا.
ونظائر هذا كثيرة، وإن كان في خلق أفعال العباد لازمها ومتعديها حكم بالغة، كما له حكمة بالغة في خلق صفاتهم وسائر المخلوقات، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، والله تعالى أعلم.
• لا يُعصى الله قسرًا بل بإذنه وهو لا يرضى ذلك ولكنه يأذن به لحكمة.
• الله خلق كل شيء الخير والشر، ولكن الشر لا يُنسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيرًا، فالشر ليس في فعل الله، بل في مفعولاته، أي مخلوقاته، ومخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - شر محض كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.
٢ - خير محض، كالجنة والرسل والملائكة.
٣ - فيه شر وخير، كالإنس والجن والحيوان.
• الشر في المقضي لا في القضاء.
• السيئة ذات شطرين: سبب، وعقوبة جزاءً وفاقًا، فالسبب فهو من العبد لكفره وظلمه وإعراضه والجزاء والعقوبة من الله.
• ليس كل ما يريد الله كونًا، يرضاه ويحبه شرعًا وديانة.
فالإرادة الربانية تنقسم إلى قسمين:
١ - كونية قدرية: وهي مرادفة للمشيئة ولا يخرج عن مرادها شيء أبدًا ولا بد أن تقع.
[ ٥٦ ]
٢ - شرعية دينية: وتتضمن محبة الرب ورضاه ولا يلزم وقوعها فقد تقع وقد لا تقع لأنها تتعلق بفعل العبد الاختياري.
• قد يريد الله أمرًا ويشاؤه، وفي الوقت نفسه لا يحبه إذ أن المراد نوعان:
١ - مراد لنفسه إرادة الغايات ومنه خلق جبريل ﵇.
٢ - مراد لغيره فهو وسيلة إلى غيره مثل خلق إبليس فهو مكروه لله من حيث نفسه وذاته ومُراد له ﷿ من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مُراده فهو سبب لحصول محاب كثيرة فيجتمع الأمران بغضه له وإرادته له ولا يتنافيان.
• كيف يُريد الله أمرًا ولا يحبه أو كيف يجمع بين إرادته له وبُغضه وكراهته؟
إن المراد نوعان: الأول: مراد لنفسه. الثاني: مراد لغيره.
فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مُراد إرادة الغايات والمقاصد والمراد لغيره قد لا يكون مقصودًا لذاته ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروهٌ له من حيث نفسه وذاته مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مُراده فيجتمع الأمران بغضه وإرادته ولا يتنافيان فيُبغض من وجه ويُحب من وجه آخر.
• المحبوب قسمان: محبوب لذاته، محبوب لغيره، والمحبوب لغيره قد يكون مكروهًا لذاته ولكن يُحب لما فيه من الحكمة والمصلحة فيكون حينئذ محبوبًا من وجه ومكروهًا من وجه آخر.
• كون الله لا يريد أمرًا ما لا يعني عدم قدرته عليه فالله ﷿ على كل شيء قدير لكنه لا يفعل إلا ما يريد وفرق بين قدرة الله المطلقة وبين ما يريد فعله.
• الله ﷿ أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وقضاؤه وقدره لا يخرج عنهما وهو أعلم بمصالح عباده منهم وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، والإنسان لا يعلم عاقبة أمره وقضاء الله لعبده المؤمن عطاء وإن كان في صورة منع ونعمة وإن كان في صورة محنة وبلاءه عافية وإن كان في صورة بلية والله يعلم ونحن لا نعلم ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل وكان ملائمًا لطبعه.
[ ٥٧ ]
• لله ﷿ الحكمة البالغة في كل فعل من أفعاله وقد تظهر لنا الحكمة وقد تخفى ولا يلزم أن ندرك حكمته ﷿ في كل شيء أو أن يدرك ذلك كل أحد.
• على المسلم أن يعلم أن لله تعالى في جميع أفعاله حكمًا جليلة ظهرت لنا أو خفيت فالله ﷿ لم يُطلع خلقه على جميع حكمه بل أعلمهم بما شاء وما خفي عليهم أكثر مما يعلموه فأفعال الله وأوامره لا تخلو من الحكم الباهرة العظيمة التي تُحيَر العقول وإن كُنا لا نعلمها على وجه التفصيل لأن عدم العلم بالشيء لا يلزم منه عدمه.
• من حِكم خلق إبليس أن يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات والمتقابلات وأن يكمل الله لأوليائه مراتب العبودية وحصول الابتلاء ليكون محكًا يُمتحن به الخلق ليتبين به الخبيث من الطيب وظهور آثار أسماء الله تعالى ومقتضياتها ومتعلقاتها واستخراج ما في طبائع البشر من الخير بإرسال الرسل ومن الشر بخلق إبليس، وغيرها من الحكم.
• من حِكم خلق المصائب والآلام الدنيوية استخراج عبودية الضراء وهي الصبر كما تستخرج عبودية السراء وهي الشكر وطهارة القلب والخلاص من الخصال القبيحة كآفات القلوب المعلومة من كبر وعجب وفرعنة وقسوة قلب ونحوها والنظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية وإيقاظ المبتلى من غفلته ومعرفة قدر العافية وحصول رحمة أهل البلاء والصلاة من الله والرحمة والهداية وحصول الأجر وكتابة الحسنات وحط الخطيئات والعلم بحقارة الدنيا وهوانها والدخول في زمرة المحبوبين وغير ذلك من الحكم.
• القدر سر الله في خلقه والبحث فيه بحث في بحر عميق مظلم وحيرة عقول وأفهام إلا من سلمه الله تعالى، وكل الخلق سائرون إلى ما خلقهم الله له واقعون فيما قدر عليهم وهو عدل منه جل ربنا وعز.
• الواجب على العبد في باب القدر أن يؤمن بقضاء الله وقدره ويؤمن بشرع الله وأمره ونهيه فعليه تصديق الخبر وطاعة الأمر فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى وعلم أن ذلك بقدر الله.
• أحوال المسلم مع أقدار الله المؤلمة:
١ - الصبر وهو واجب وهو أن يرى هذا المقدور ثقيل عليه لكنه يتحمله وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط.
[ ٥٨ ]
٢ - الرضا وهو مستحب وذلك بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها ولا يتحمل لها حملًا ثقيلًا.
٣ - الشكر وهو أعلى المراتب وذلك بأن يشكر الله ﷿ على ما أصابه من مصيبة حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير السيئات وربما لزيادة الحسنات.
• الشكوى إذا لم تكن على سبيل التسخط وعدم الرضا بالمقدور فلا تُبطل العمل ولا تتعارض مع الصبر ولابد للمصدور أن ينفث، إلا أن الصبر وعدم الشكوى أولى.
• قد يُريد العبد شيئًا والخير في عكسه والرب أعلم بالعبد المسلم من نفسه ولا يريد لعبده إلا ما هو خيرٌ له ولا يأمره إلا بما فيه مصلحة له.
• هناك فرق بين ما أريد بنا وما أريد منا فما أراده الله بنا طواه الله عنَا إلا ما أطلعنا عليه من خلال رسوله وما أرداه منَا أمرنا بالقيام به فلنُشغل أنفسنا فيما أريد منا عن ما أريد بنا ولنحسن الظن بربنا.
• القضاء والقدر يُعالج بالقضاء والقدر.
• المعتدي على النفس أو المال أو البضع أي العرض يسميه العلماء صائلًا، ودفع الصائل بما يندفع به مشروع، ويُدفع بالأخف فما فوقه والأخف كالزجر والتهديد، ويختلف حكم دفع الصائل باختلاف ما يريد الاعتداء عليه، فإن كان يريد أخذ المال فدفعه جائز لا واجب، والمُعتدى عليه مُخيَر بين أن يدفع عن ماله، وبين أن يعطيه المال، وكذا في الدفع عن النفس، وأما في الدفع عن البضع "العرض" فقد قال كثير من العلماء بوجوب الدفع، ومما ينبغي أن يُعلم أن الواجب دفع الصائل بالأخف فالأخف، فلا يجوز قتله إن كان يندفع بما دون ذلك، فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل جاز قتله، ولا إثم على القاتل.
• إذا صال عليك إنسان يريد قتلك أو أخذ مالك أو انتهاك عرضك أو قتل معصوم أو أخذ ماله أو انتهاك عرضه فإنك تدفعه بالأسهل فالأسهل فإن لم يندفع إلا بالقتل فلك قتله.
• الله ﷿ هو الذي سلَط الصائل على العبد بسبب ذنوبه ولا يظلمُ ربَك أحدًا وإن كان هذا الصائل أحيانًا ظالمًا مُستحقًا للعقوبة، فحق الله سبحانه الاستغفار وحق الصائل المُدافعة.
• الله ﷿ قد شرع دفع الصائل ومدافعة الشر.
• الله ﷿ قد شرع مكافأة المُحسن إلينا بالمعروف.
[ ٥٩ ]
• لا مانع من مباشرة الأسباب لكن المحظور أو الممنوع أن يلتفت إليها، ويظن بها التأثير المستقل، فالمسبب هو الله -﷾-، وهو النافع الضار.
• يجب على المسلم فعل الأسباب المشروعة المقدور عليها لتحقيق المراد فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله وإن أتت على خلاف ما يريد تعزَى بقدر الله وعلم أن ذلك كله وقع بقدر الله وخيرة الرب لعبده خيرٌ من خيرة العبد لنفسه.
• إذا جاءت أقدار الله على خلاف ما يُريد المسلم وقد بذل الأسباب المشروعة لتحقيق المراد فليقل قدر الله وما شاء فعل ولا يسترسل مع أحزانه ويعلم أن ربه قضى ما هو خير له ولو بعد حين ولو لم يدركه عقله في الحال.
• السعيد يستغفر من المعائب ويصبر على المصائب والشقي يجزع عند المصائب ويحتج بالقدر على المعائب.
• استحباب الرضا بقضاء الله ﷿ فيه تفصيل نرضى بالقضاء الذي هو فعل الله ﷿ وأما المقضي الذي هو فعل العبد ففيه تفصيل فإن كان مرضيًا لله رضينا به كالطاعات والإيمان وإن كان غير مرضي لله لم نرض به كالمعاصي.