• التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله.
• الله ﷿ لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين والله يريد
العبد لمنفعة نفسه والخلق يريدون العبد لمنفعة أنفسهم والله غني حميد.
• ينبغي للمسلم التفكر بالمخلوق وعدم التفكير في الخالق لأن التفكير مبناه على
القياس والخالق ﷻ ليس له شبيه ولا نظير.
• شروط قبول العمل الصالح عند الله هي: الإسلام، الإخلاص، المتابعة
للرسول - ﷺ - في العمل المُراد قبوله، وهذه الشروط كل من أتى بها قبل الله عمله ولو كان مبتدعًا أو فاسقًا، ومن كان لعمله أصل في الشرع ودخلت عليه البدعة فإن كانت البدعة الداخلة على العمل مخلة بشروط صحته فهو مردود وإلا فلا.
• الإنسان مسئول عن عمله بـ (لِم) و(كيف)؟ لِم: الإخلاص، كيف:
المتابعة.
• الصرط المستقيم مبني على قاعدة (إياك أُريد بما تريد) ومعناها (إياك أُريد
أي الله وهو الإخلاص- بما تريد -أي متابعة الرسول-).
• عبادة الله هي كمال المحبة له مع كمال الذل له فلا يستحق المحبة والذل التام
إلا الله.
• الإيمان أصل له شعب متعددة كل شعبة منها تسمى إيمانًا وكذلك الكفر
ذو أصل وشعب متعددة كل شعبة منها تسمى كفرًا، لكن لا يلزم من انتفاء بعض هذه الشعب انتفاء أصل الإيمان كما لا يلزم من وجود بعض
[ ٨٠ ]
شعب الكفر في المسلم وجود أصل الكفر وانتفاء ما يضاده فقد يكون الإنسان مؤمنًا وعنده بعض شعب الكفر ولا يكون بها كافرًا كما أنه قد يكون كافرًا وعنده بعض شعب الإيمان ولا يكون بها مؤمنًا إلا أن هذه الشعب تتفاوت فمنها ما هو ناقض لأصل الإيمان محقق لأصل الكفر كالاستهزاء بالدين ومنها ما ليس كذلك، وشعب الإيمان قسمان قولية وفعلية وشعب الكفر نوعان قولية وفعلية ومن شعب الإيمان ما يوجب زوالها زوال الإيمان وأصله بالكلية كترك النطق بالشهادتين مع القدرة عليها وترك الصلاة مُطلقًا وكذلك شعب الكفر منها ما يوجب فعلها أو قولها زوال الإيمان وأصله بالكلية كقول كلمة الكفر وسب الله ورسوله اختيارًا والسجود للصنم والاستهانة بالمصحف.
• الإيمان ذو أصل وشعب متعددة وكل شعبة منه تسمى إيمانًا وأعلاها لا إله إلا
الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادة ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق ومنها شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يلحق بشعبة الشهادة ويكون إليها أقرب ومنها ما يلحق بشعبة إماطة الأذى ويكون إليها أقرب. وكذلك الكفر ذو أصل وشعب فكما أن شعب الإيمان إيمان فشعب الكفر كفر فالطاعات كلها من شعب الإيمان كما أن المعاصي كلها من شعب الكفر، وإن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان وهذا من أعظم أصول أهل السنة بشرط ألا يكون الكفر والشرك والفجور والنفاق مما يناقض أصل الإيمان وما هيته.
• من كان همَه الآخرة فالله ﷿ هو مالك يوم الدين ومن كان همه الدنيا فلا
يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه وإن كان هذا المتحرك أو الساكن أحيانًا قد لا يعلم أن تحرَكه أو سكونه لم يكن دون إذن الله ﷿ له.
• من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به فلم
ينتفع ابتُلي بالانشغال بما يضره فمن ترك عبادة الرحمن ابتلي بعبادة الأوثان ومن ترك محبة الله وخوفه ورجائه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد ومن ترك الحق ابتلي بالباطل ولا يظلم ربك أحدًا.
• سبب ابتلاء الله للعبد بالإعراض عنه: الله يذيق عبده ألم الحجاب عنه
[ ٨١ ]
وزوال ذلك الأنس به والقُرب منه ليمتحن عبده فإن أقام العبد على الرضا والحال واطمأنت نفسه وسكنت إلى غيره علم أنه لا يصلح فوضعه في مرتبته التي تليق به وإن استغاثه به سبحانه استغاثة الملهوف ودعاه دعاء المضطر رد الله عليه أحوج ما هو محتاج إليه فعظمت به فرحته وتمت به نعمته وعلم العبد حينئذٍ مقدار ربه فعضَ على شرعه بالنواجذ وثنَى عليه بالخناصر.
• من عمل بما يعلم ورَثه الله علم ما لم يعلم.
• المأمور (الواجب) يفعل منه الإنسان ما استطاع والمحظور (المحرم) يجتنبه
الإنسان كله وعلى هذا فلا يكون ما يُفعل من المحرم عند الضرورة حرامًا بل هو حلال مباح.
• خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطَلع عليها الناس والله أعلم.
• من أحبه الله تعالى لا بد من ابتلائه كبر هذا البلاء أو صغر وهو على قدر
دينه وذلك لتمحيص هذا العبد وتطهيره من درن الذنوب والتعلق بغيره، علمًا أن هذا البلاء المقصود منه إصلاح العبد وليس إتلافه وللعلم أيضًا لا منافاة بين البلاء والحياة الطيبة.
• مما يُعين على الصبر ملاحظة حُسن الجزاء وانتظار روح ولذة الفرج.
• طريق الجنة محفوف بالمكاره.
• القنوط من رحمة الله واليأس من روحه من أعظم الخطايا وبعدها
الأمن من مكر الله وهذا الذنبان هما أعظم الذنوب بعد الشرك.
• من أصلح باطنه (موضع نظر الله) أعانه الله على إصلاح ظاهره
(موضع نظر الخلق).
• لا يحسن المبالغة في محاسبة النفس لأن ذلك قد يؤدي إلى انقباضها
وانكماشها.
• النفس إن لم تُشغل بالطاعة شغلت صاحبها بالمعصية.
• المُنعم بالذات هو الله تعالى وما سواه فهو مُنعم لمُقابل يُريده منك أو من ربه أو
من غيرك بغض النظر عن هذا المقابل فقد يكون محمودًا، والخلق كلهم لا يُريدونك إلا لأنفسهم ولا أحد يُريدك لنفسك وهو غنيٌ عنك غير الله تعالى.
[ ٨٢ ]
• الله ﷿ هو ربَّ السَّماواتِ السَّبْعِ، وربَّ العرشِ العظيمِ ورَبَّ السَّماواتِ
السَّبْعِ وَما أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرَضينَ السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَما أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّياحِ وَما ذَرَيْنَ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُميتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، فالخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْه، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْه، ونحن بِه وَإِلَيْه، ﵎، والله ﷿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن والعلي الأعلى المتعال العظيم المجيد الكبير السميع البصير العليم الخبير الحميد العزيز القدير القادر المقتدر القوي المتين الغني الحكيم الحليم العفو الغفور الغفار التواب الرقيب الشهيد الحفيظ اللطيف القريب المجيب الودود الشاكر الشكور السيد الصمد القاهر القهار الجبار الحسيب الهادي الحكم القدوس السلام البر الوهاب الرحمن الرحيم الكريم الأكرم الرءوف الفتاح الرازق الرزاق الحي القيوم الرب الملك المليك الواحد الأحد المتكبر الخالق الخلاق البارئ المصور المؤمن المهيمن المحيط المقيت الوكيل الكافي الواسع الحق الجميل الرفيق الحي الستير الإله القابض الباسط المعطي المقدم المؤخر المبين المنان الولي المولى النصير الشافي مالك الملك جامع الناس نور السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام بديع السماوات والأرض لا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، وربنا ﷿ هو الهادي فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى، ولا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى، ولا مقرب لما باعد، ولا مباعد لما قرب، وهو المنعم بالذات، فلا معطي ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط، وكل ما خطر ببالك فالله ﷿ بخلاف ذلك، فالله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، أولٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء،لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، حيٌّ لا يموت، قيومٌ لا ينام، خالقٌ بلا حاجة، رازقٌ بلا مؤنة، مميتٌ بلا مخافة، باعثٌ بلا مشقة، ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا، كذلك لا يزال عليها أبديًا، ليس بعد خلق الخالق استفاد اسم (الخالق)، ولا بإحداث البرية استفاد اسم (الباري)، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم آجالًا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنّا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده، وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى.
[ ٨٣ ]
وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء، وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر)، فلما أوعد الله بسقر لمن قال: (إن هذا إلا قول البشر)، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر، والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة)، وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﵌ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﵌، وردَّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا، ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية. ليس في معناه أحد من البرية، وهو فوق العالم ومحيطٌ به، والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي ﵌، وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى)، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى، والحوض الذي أكرمه الله تعالى به –غياثًا لأمته- حق، والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما رُوي في الأخبار، والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق، وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد، ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسرٌ لما خُلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بعلم الله قضاؤه، والشقي من شقي بعلم الله وقضاؤه، وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه لا يُسأل عما يفعل لكمال حكمته لا لقهره وهم يسألون. فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من
[ ٨٤ ]
الكافرين، فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى وهي درجة الراسخين في العلم والله ﷿ لا يُسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الذي لا يُرد ولا يُمانع ولا يُغالب ولأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود.
ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رُقم.
فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائنٌ، ليجعلوه غير كائن –لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه.
فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض، ولا معقب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: (وخلق كل شيء فقدره تقديرًا)، وقال تعالى: (وكان أمر الله قدرًا مقدورًا).
فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًا كتيمًا وعاد بما قال فيه أفاكًا أثيمًا، والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.
ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم الله موسى تكليمًا، إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا، ونؤمن بالملائكة والنبيين.
والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين، ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين.
ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله، ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، ما لم يستحله ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله.
ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نقنطهم والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة والإيمان: قولٌ باللسان وعملٌ بالأركان وعقدٌ بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشرع والبيان كله حق والإيمان درجات، والتفاضل بين أهله بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى.
والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن.
[ ٨٥ ]
والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى.
ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.
وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النار
لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون.
وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين "مؤمنين" وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته اللهم يا وليّ الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به.
ونرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا.
ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى، ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا من وجب عليه السيف، ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم،
ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة، ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة، ونقول: الله أعلم، فيما اشتبه علينا علمه، ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين: برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما، ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين، ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد، والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به –فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات –فهي قبل الفعل، وبها يتعلق
[ ٨٦ ]
الخطاب، وهو كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها).وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد.
ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله". نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين، وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر، والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى.
ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير.
وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أولًا لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبشرهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين –أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر- لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة ونرى الجماعة حقًا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) وقال تعالى (ورضيت لكم الإسلام دينًا) وهو بين الغلو والتقصير.
وبين التشبيه والتعطيل وبين الجبر والقدر وبين الأمن والإياس فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه
[ ٨٧ ]
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، وبالله العصمة والتوفيق.
• الواجب على المسلم أن يعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه، وعرشه فوق
سماواته، وأنه بائن من خلقه جل وعلا ليس حاّلًا فيهم، فهو العلي الأعلى، فوق جميع مخلوقاته ﷾ وتقدس وكيفية العلو لا يعلمها إلا الله تعالى، وذلك أن الله تعالى لا يُقارن بمخلوقاته، فهو فوقها جميعًا، وفوقيته ليست كفوقية الأشياء فيما بينها، وقد أثبتها لنفسه وإذا كان ذهن الإنسان أضعف من أن يدرك هذه الفوقية، ولا يمكن أن يتصورها في المخلوقات التي بين يديه، فليعلم أن الله على كل شيء قدير، وليُسلِّم بما أخبر الله به، ويترك الخوض فيما لا يستطيع أحد الوصول إلى كنهه عالمين أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية صفاته تعالى بل نعتقد أن كل ما دار بخلد إنسان في كيفية صفة الرب تعالى فالله تعالى منزه عنه، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله تعالى، وكذا لا يعلم كيف صفاته إلا هو سبحانه، فمن خاض في كيفية صفات الرب فقد تعاطى ما لا علم له به وما لا سبيل إلى العلم به وقال على الله بغير علم، وهذا من أكبر الكبائر، قال تعالى (ليس كمثله شىء وهو السميع البصير)، فعلى هذا يجب على المسلم أن يؤمن بعلو الله على خلقه ذاتًا وقدرًا وقهرًا وعليه كذلك التوقف في الإيمان بلوازم هذا العلو الذي لم ينص عليها كتاب أو سنة بنفيها أو إثباتها، ناهيك لو كانت هذه اللوازم باطلة كما هو الحال في كثير من الشبهات، ولنقف حيث وقف السلف ﵏ الذين هم أعلم بالله تعالى منا مثبتين لله ما أثبته لنفسه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، نافين عنه ما نفاه عن نفسه، وهذا الذي قررناه هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة.
• مذهب أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته أن ما أثبته الله تعالى لنفسه
وأثبته له نبيه ﵊، فهو ثابت له على حقيقته بلا تمثيل ولا تعطيل، والصفات كلها من باب واحد قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
• كروية الأرض أمر متفق عليه، وأما دوران الأرض حول نفسها، ثم حول
المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية بأكملها حول المجرة، كل ذلك أضحى حقيقة علمية، فدوران الأرض حول نفسها ينتج منه الليل والنهار، ودوران القمر حولها ينتج منه الشهر القمري، ودوران الأرض حول الشمس ينتج عنه الفصول الأربعة.
[ ٨٨ ]
• مكان الجنة والنار:
لا شك أن النار موجودة الآن كما أن الجنة موجودة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لكن ينبغي أن يُعلم أن نصوص الكتاب والسنة لم تعين تحديد مكان لهما بصريح العبارة.
• أول المخلوقات العرش وهو سابق في الخلق للقلم.
• حقيقة العرش والكرسي:
قد دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن العرش حق، وأن الله تعالى مستو عليه، وأنه أعلى المخلوقات وسقفها، وأنه مقبب وله قوائم.
وأما الكرسي في قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴿البقرة:٢٥٥﴾، فقيل: هو العرش ذاته، وقيل: هو علم الله، وقيل: هو موضع القدمين من العرش، وأنه بين يدي العرش كالمرقاة إليه، فهو غير العرش، وهذا القول هو الأقرب والراجح، والله تعالى أعلم.
• هل العرش كالقبة على العالم أم كالفلك المستدير؟
لا شك أن العرش هو أعلى المخلوقات وسقفها ولكن اختُلف في صفة العرش فقيل: أن العرش فلك مستدير محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع، وهذا مذهب طائفة من أهل الكلام، وهذا ليس براجح؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة.
وعلى كل تقدير فالعرش فوق سواء كان محيطًا بالأفلاك أو غير ذلك ; فيجب أن يُعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق - ﷾ - في غاية الصغر ; لقوله تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية.
وليعلم المسلم بأن السكوت عن الكلام في العرش وأنه كالقبة أو فلك مستدير محيط بالكائنات خير من الخوض في ذلك، والجدل وكثرة الحديث فيه، فإن الخوض في ذلك والتعمق فيه من شره الفكر، واستشراف العقل إلى إدراك أمر غيبي لا يُعلم إلا بالتوقف، فينبغي الوقوف عند النقل وخاصة أن الحديث الذي استدل به من استدل على أن العرش مقبب وله قوائم إسناده ضعيف وعلى فرض صحته فهو لا يدل على أن العرش كالقبة فوق السماوات من جانب واحد، فإن السماوات محيطة بالأرض،
[ ٨٩ ]
ومع ذلك فهي كالقبة بالنسبة لكل جماعة على سطح الأرض من الجهة التي تليهم إلا أن هذه المذهب هو ظاهر كلام أهل السنة المتأخرين وهو الأرجح لأن العرش ثبت أن له قوائم بالأدلة الصحيحة وأن الملائكة تطوف من حوله - علمًا بأن متقدموا أهل السنة لم يفصحوا بتفصيل في ذلك في أن العرش هو كالقبة فوق العالم، أو أنه ليس مستديرًا من كل جهة فلذلك فليسعنا ما وسعهم.
وهنا تنبيه مهم: يجب أن يعلم المسلم أن استواء الله على العرش ليس لحاجته
إليه، ولا لكون العرش حاملًا له، فإن السماء فوق الأرض ومحيطة بها، ولم يلزم أن تكون السماء في قيامها وتماسكها محتاجة إلى الأرض، ولا أن تكون الأرض حاملة لها، فالله مستو على عرشه، وهو مستغن عنه وعما فيه من الكائنات، وهو فوق عباده حقيقة، محيط بهم إحاطة تليق بجلاله لا كإحاطة الفلك بما فيه من الكائنات، والجميع قائم بحوله وقوته ابتداء ودواما، محفوظ بعنايته ورعايته، جلت قدرته، وتعالت عظمته علوا كبيرا.
• قطعي الوحي وقطعي العقل لا يتعارضان أبدًا، فقطعي العقل يؤيد قطعي
الوحي، فإن حدث تعارض بين العقل والنقل فالقطعي منهما يقضي على الظني، وإن حدث تعارض بين ظني الوحي وظني العقل فظني الوحي مقدم، حتى يثبت العقلي أو ينهار وهذا على قول وأما القول الآخر فالمقدم منهما هو الراجح مطلقًا.
• الله ﷿ قبل أن يخلق مخلوقاته كان في عماء، كما أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء.
• سبب تعليق قلب العبد بالله تعالى مطلوب شرعًا؟
لأنه لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذن الله ﷿ وكل ما يُصيب العبد من سراء أو ضراء لا يكون إلا بعد إذن الله ﷿ ومشيئته وإرادته، علمًا بأن الشر لا يُنسب إلى الله سبحانه باعتبار رضاه به وأمره به لكنه يُنسب إليه باعتبار الخلق فالله خالق كل شيء، والله ﷿ بائن عن خلقه لكنه بحكمته يُجري أقداره على عبده من خلال خلقه، وهؤلاء الخلق ماهم إلا وسائط لإرادة الله تعالى بعبده وهذه الوسائط قسمان وسائط مباشرة محمودة، ووسائط غير مباشرة، فأما الوسائط المباشرة المحمودة فهم الذين يُصيبون العبد بالسراء أو
[ ٩٠ ]
الضراء بأمر الله الكوني أو الشرعي المباشر كالملائكة وعباد الله المتقين القائمين بشرعه والرياح والجبال وما يعلم جنود ربك إلا هو ولإيضاح الصورة نضرب مثالًا على الوسائط المباشرة المحمودة لإرادة الله بعبده السراء: كالرجل الصالح الذي يُحسن للعبد بشفاعة أو صدقة أو إعانة ونحو ذلك من ألوان الإحسان طاعة لله ﷿ وطمعًا في ثوابه، مثال آخر ملائكة الرحمة حينما تُريد قبض روح العبد وتبشره بروح وريحان وجنة نعيم ونحو ذلك. ومثال الوسائط المباشرة المحمودة لإرادة الله بعبده الضراء جزاءً وفاقًا: كالرجل الصالح الذي يُقيم الحد على العبد الذي أصاب حدًا من حدود الله. مثال آخر ملائكة العذاب حينما تريد قبض روح العبد وتبشيرها له بالعذاب ونحو ذلك.
أما القسم الثاني فهي الوسائط الغير مباشرة وهم الذين يُصيبون العبد بالسراء أو الضراء بأمر الله الكوني الغير مُباشر لهم، وقد تكون هذه الوسائط مذمومة مستدرجة كالشياطين والظالمين والكفار ونحوهم أو تكون وسائط غير مذمومة كأن يقيَض الله لك من ينتفع من تجارتك وتنتفع منه بالبيع والشراء ونحو ذلك أو يُسلَط الله عليك من يظلمك وهو متأول معذور عند الله. مثال الوسائط المذمومة الغير مباشرة لإرادة الله بعبده السراء: كالرجل الكافر يحوط وينصر قريبه العبد المؤمن الداعي إلى الله كما كان من أبي طالب حين دافع عن النبي - ﷺ -.وكذلك عطف الوالدين الكافرين على ولدهما ومثال الوسائط غير المباشرة لإرادة الله بعبده الضراء المذمومة كتسليط شياطين الإنس والجن على العبد بالحبس والتضييق والسحر والمس ونحو ذلك علمًا أن هذه الوسائط (مُستدرجة) مذمومة وهي ظالمة.
وكيفية تعامل المسلم مع هذه الوسائط ما يلي:
من صنع إليك معروفًا كافئه ومن أرادك بسوء فدافعه.
أما كيفية تعامل المسلم مع الله ﷿: المسلم إذا ابتُلي صبر وإذا أُنعم عليه شكر وإذا أذنب استغفر.
وعلى هذا فالمعطي للعبد والمانع حقيقةً هو الله وما بالعبد من نعمة فمن الله وما به من سوء فبسبب ذنوبه، والله ﷿ لا يظلم أحدًا من خلقه ولكن الخلق أنفسهم يظلمون وهنا ننبه إلى أن ما أصاب الأنبياء من مصائب ليس بسبب ذنوبهم ولكن رفعة لهم ثم إنه من قال أن ما أصاب الأنبياء من ضراء هو نقمة عليهم وليس نعمة لهم بل الحق هو أن هذه المصائب هي عين رحمتهم والنعمة لهم
[ ٩١ ]
باعتبار مآل هذه المصائب وعلى هذا فمصائب الأنبياء والصالحين المتبعين لهم ليست من المصائب أصلًا بل هي من الفضل والنعمة لهم ولكن لقصور نظرنا قد لا نُدرك هذه الحقيقة وصدق الله (كلا بل تحبون العاجلة).
وخلاصة القول: أقبل على الله واصدقه يصدقك وتعرف عليه في الرخاء يعرفك وقت الشدة واحفظه يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك فما أخطأك لم يكن ليُصيبك وما أصابك لم يكن ليُخطئك رُفعت الأقلام وجفت الصحف.
• بيان حقيقة جزاء لله لخلقه: الله ﷿ واحدٌ أحد لم يكن له كفوًا أحد بائن
عن خلقه فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن وما يشاء الخلق إلا أن يشاء الله رب العالمين وقد أحاط الله بكل شيءٍ علمًا وهو على كل شيءٍ قدير فما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة قد سبق به علمه وجرى به قلمه في اللوح المحفوظ من غير جبرٍ لنا فيما خيَرنا فيه فلقد هدانا النجدين وطريق الخير والشر ولا يظلم ربَُنا أحدًا، والخير كله بيديه والشر ليس إليه باعتبار سببه فالشر يقع من مفعولاته ومخلوقاته ابتداءً ومنه سبحانه جزاءً وفاقًا إن لم يتجاوز ويعفُ وهو لا يسمَى في هذه الحالة شرًا أصلًا بل حكمة وعدلًا، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة على خلقه وأفعال الله كلها خيرات محض لا شر فيها بوجه من الوجوه وإنما الشر قائم بمفعوله المُباين له لا بفعله الذي هو فعله وفرقُ بين الفعل والمفعول أما باعتبار خلق الشر وإيجاده والإذن به فهو إليه سبحانه لحكمة هو أعلم بها وما بنا من نعمة فمن الله وحده وما بنا من سوء وشر فمن أنفسنا والشيطان، ولا يظلم ربنا أحدًا ولكن الخلق أنفسهم يظلمون، وإن الله ﷿ لا يضيع أجر من أحسن عملا ويعفُ عن كثير وجزاؤه لخلقه من جنس أعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر أو يتجاوز إلا الشرك إذا مات عليه العبد وجزاء الله لخلقه إمَا ثواب أو عقاب والثواب والعقاب نوعان:
الأول: حسَي مادي. الثاني: معنوي.
فالثواب الحسَي المادي كالأموال والأولاد وجمال الهيأة وصحة الأبدان ونحوها، والعقاب الحسي المادي هو بضد الثواب المادي الحسي.
أما الثواب المعنوي هو ما يشمل جميع شعب الإيمان القلبية كاليقين والرضا والفرقان بين الحق والباطل والنور والإلهام على هدى من الله وحب الإيمان
[ ٩٢ ]
وبغض الكفر والفسوق والعصيان والإ يعاد بالخير والتصديق بالحق وحسن الظن بالله والربط على القلب ونحو ذلك والعقاب المعنوي هو بضد الثواب المعنوي.
وثواب الله بنوعيه المادي والمعنوي في الآخرة واقع لا محالة للمؤمنين.
وعقابه الأخروي بنوعيه واقع لا محالة للكافرين الذين قامت عليهم الحجة أما عصاة المؤمنين فهم تحت المشيئة ومآلهم إلى الثواب المادي والمعنوي بفضل الله تعالى.
أما ثواب الله المعنوي واقع لا محالة في الدنيا على خلقه وعقابه المعنوي إن لم يتجاوز ويعفُ واقع لا محالة في الدنيا على خلقه.
بالنسبة لثواب الله المادي في الدنيا كالوعد بالنصرة والحفظ والتمكين في الأرض والكفاية فيما أهم المسلم ونحو ذلك فقد يقع وهو الأصل وقد لا يقع لحكمة ولطف بالعبد والله يقضي له الخير حيث كان ثم يُرضيه به والعاقبة للعبد المتقي ولو بعد حين والله يعلم ونحن لا نعلم وخيرته لعبده خيرٌ من خيرة العبد لنفسه هذا من حيث أفرادهم أما من حيث مجموعهم فهو واقع لا محالة وعلى هذا تُحمل آيات نصرة الله وحفظه وعدم جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا ونحوها علمًا بأن هذه الوعود من الله خاصة بمن أقام شرطه فيها.
وأما عقاب الله المادي في الدنيا لمن عصاه إن لم يتجاوز الله عنه فقد يقع زجرًا للعبد لعلَه يتوب أو لكف شرَه عن المسلمين أو كفارة له بتعجيله أو عبرة لغيره وقد لا يقع استدراجًا له مالم يعفُ الله عنه في الآخرة.
• طاعة الله وعبادته هي مصلحة العبد التي فيها سعادته ونجاته وأما إجابة دعائه
وإعطائه سُؤله فقد يكون منفعة وقد يكون مضرة.
• في سيرك إلى الله لا تُقارن نفسك بأحد من خلق الله لأن الله ﷿ لا يُعامل
خلقه معاملة واحدة لأن الخلق مختلفين في معاملتهم لربهم فمنهم الكافر وهم دركات ومنهم المؤمن وهم درجات ويبتلي الله العبد على قدر دينه وهو مع عبده بين القبض والبسط رحمةً منه وحكمة.
• الفاعل لما يُريد مطلقًا المستقل عن غيره هو الله تعالى، واعلم أن المدبر لهذا
الكون حقيقةً هو الله تعالى، وأنه لا معطي ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسائط.
• الخلق جميعهم لا يستغنون عن الله ﷿ طرفة عين وإن جحد ذلك بعض
[ ٩٣ ]
خلقه وهو غنيٌ عنهم، وخلقه لا يُمكن أن ينفكوا عنه فلولاه ما كانوا شيئًا مذكورًا والخلق كلهم بلا استثناء لا يخرجون عن مُراد الله ومشيئته وإذنه الكوني القدري ولو قيد أنملة.
• حقيقة مراقبة الله هي مراقبة العبد لقلبه فهو موضع نظر الرب وماسوى ذلك
فلا أراه إلا تكلف مذموم.
• الهوى المذموم هو ما خالف الشرع.
• قلَ أن يؤتى الإنسان في دينه إلا من قبل الهوى فالجهل سهل علاجه ولكن
الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها.
وهما أمران لا ثالث لهما: اتباع السنة واتباع الهوى، فمن أراد اتباع السنة فإنه سيأخذ بجادة الطريق وهي النصوص المحكمة وعمل السلف الصالح وسبيلهم ومن أراد اتباع هواه فسيسلك لذلك بنيات الطريق وسيجد هنالك عمومات أو قياسات أو قول صحابي أو تابعي أو رأيًا لبعض أهل العلم وجميع هذه في ظاهرها أدلة وما هي عند التحقيق بأدلة، وكل صاحب مذهب لا يُعجزه أن يستدل لمذهبه بدليل شرعي صح أو لم يصح والحق يا مبتغيه إنما يُبتغى في اتباع الدليل الناصع واقتفاء السبيل الواضح لا في موافقة جمهور الناس ومجاراتهم والتوسعة عليهم.
• إصدار أي حكم لا يخلو من واحد من مأخذين لا ثالث لهما الشريعة أو الهوى.
• أسباب فتن الشبهات: لفتن الشبهات أسباب منها:
١ - اتباع الهوى وفساد القصد. ٢ - الإفراط والتفريط.
٢ - اتباع المتشابه وترك المحكم. ٣ - الجهل بما جاء به النبي - ﷺ -.