أرجو أن تدلونا على كتاب يكون -بعد عون الله تعالى- عونًا على تحضير دروس بلوغ المرام على النمط الذي نسمعه من فضيلتكم (١) [١٣٩])؟
الجواب:
الحقيقة: الطريقة الأكمل والأفضل قراءة الحديث وضبط نصّه وحفظه، ثم يقرأ شرحًا مفصلًا للحديث، ولمعاني الألفاظ، بحيث يكون عنده تصور مبدئي، ثم بعد ذلك يتفرغ للشرح الذي يسمعه.
_________________
(١) ١٣٩]) من دروس شرح البلوغ.
[ ١١٩ ]
فإن حصلت عنده إشكالات، يكون قد تهيأ لسماع الأجوبة عليها، فإن وجد فيها ما يحل هذه الإشكالات ويزيلها فالحمد لله، وإلا تداركها بالسؤال بعد الدرس.
وأما الرجوع للمطولات في البداية، فإنها تُربك طالب العلم، وطلاب العلم لهم ثلاثة أحوال:
المرتبة الأولى: مرتبة البداية، ويكون الطالب لا يميز بين الأدلة، ولا يعرف قويها من ضعيفها، ولا جهة دلالتها.
فهذا يقتصر على الخلاصة من الدرس، والراجح من الأحكام مع دليله، ولا يتعرض للأقوال ومناقشة أدلتها؛ لأنه لا يكلف بها.
كما ذكر هذا الإمام ابن القيم في (إعلام الموقّعين)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع) في أكثر من موضع، إن شأن هذا: الاكتفاء بقول عالم مع معرفة دليله، ويسير على هذا الشرح بقول واحد ودليله، ويبقى حتى يصل إلى درجة الاتّباع.
وبعد أن يعرف الفقه بكماله، أو يقرأ كتابًا في أحاديث الأحكام بكامله، يكون عنده تصور مبدئي، يصبح بعد هذا وقد أخذ الفقه بدليله ممن يوثق به، وضبطه على نمط معين.
فإذا لقي الله ﷿ وسأله عن هذا الذي يقوله أو يفعله أو يفتي به، ذكر حجته ودليله بين يدي الله ﷿.
وإذا كان لا يحسن النظر وفهم الدليل، فقد احتج بما كلف بالرجوع إليهم في قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» [النحل:٤٣] .
يقول الإمام ابن القيم ﵀: إجماع السلف على هذا: كانوا يأمرون العوام بالرجوع إلى أهل العلم، ولا يكلفوهم باجتهاد ولا بنظر.
المرتبة الثانية: وهي الاتّباع وفهم الدليل: لا يعرف وجه الأدلة، ومراتب الدلالة، وكيفية التعامل مع النصوص المتعارضة، والترجيح، ولكنه يفهم الدليل ووجه دلالته، وإذا جاءته أقوال عديدة يتشتت ويتذبذب، ولا يستطيع أن يقف بين فحول الأئمة وينتقي من أقوالهم وترجيحاتهم، فهذا شأنه أن يأذ كل قول بدليله.
[ ١٢٠ ]
فتتعبد الله بقول أو بحجة من كتاب أو سنة، ولا تذهب لشيخ آخر حتى لا تتشتت، فقد يكون الشيخ الأول يعتبر دلالة المفاهيم، والثاني لا يعتبرها، فلا تثبت على طريقة، تارةً تتعبّد الله بدليل، وتارةً تتركه، وهذا تناقض منَع العلماء منه، وهو التنقل والتلفيق بين أقوال العلماء.
وهذه مرتبة المتبع: عنده إلمام بالدليل دون الترجيح بين أنواع الأدلة، وهذه حالة كثير من طلاب العلم المتقدمين، ولذلك بعضهم يتذبذب؛ لأنهم يدخلون على الخلافات والأقوال قبل أن يكون عندهم تصور لأدلة ومسالك الفقهاء.
فإذا قرأت الفقه بقول عالم ودليله -كما كان السلف يفعلون- دون تعصب، فأنت متبع، ولا مانع أن تلقى الله بقول أحمد، أو الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، بالدليل، فهم أئمة يقتدى بهم، وأجمعت الأمة على أخذ علم هؤلاء وجلالتهم.
فتسير في فقهك بضوابط وأصول منضبطة مرتبة، حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد.
والذي ضرّ الكثير من طلاب العلم: الاجتهاد في هذه المرحلة، فيملّ ويسأل ويحتار، خاصة في مسائل البيوع والمعاملات.
ولذلك تجد بعض الطلاب يقول في مسألة كذا: أنا متحير، لا أدري أين الحق ولا أين الراجح، أو يرجح بهواه، فيقول: هذا أقوى في نظري من هذا، ولكن بالهوى -والعياذ بالله- لا بالحجة والبرهان؛ لأنه لا يملك الملكة التي تجعله يرجح بضوابط معينة.
وبعض الأدلة كلها من القوة بمرتبة واحدة، ولكن بعضها ألصق بالقواعد والأصول من بعض، والله يقول: «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا» [الأنبياء:٧٩]، فجعل خلاف الفقه فيه حجة لكل قول، ولكن جعل التفهيم لسليمان، وأثنى على الجميع.
[ ١٢١ ]
فالمقصود أن طالب العلم في هذه المرتبة الاتباع، لا يحتار، بل يعرف ويضبط مسالك وطرق العلماء في الاستدلال، إن سار على هذا الضابط سلم، مثلًا: مفهوم الصفة أنه حجة، تقول: (في السائمة الزكاة)، أنها إذا لم تَرْعَ أكثر الحول لا زكاة فيها، فتعتبر مفهوم الصفة هنا في باب الزكاة، وتعتبره في أبواب المعاملات كما اعتبرته في العبادات.
لكن لو تنقلت بين عالمين: أحدهما يرجح مفهوم الصفة مثلًا، والآخر لا يقول به، وقلت بأقواله في المعاملات؛ لقوته فيها وتمرسه، فتردّ نصوصًا فيها حجة المفهوم الذي تعتبره في العبادات ولا تعتبره، ولا تتعبد الله به في المعاملات، فيصبح هذا تناقض، وهذا الذي جعل العلماء -رحمة الله عليهم- يمنعون من التلفيق بين أقوال العلماء والمذاهب في بداية التفقه.
ومن بلغ مرحلة أن يجتهد ويقف أمام ترجيحات الفقهاء، وكانت عنده ضوابط ومسالك يسير بها في اجتهاداته، وكذلك ملكة يعلم بها قوة وضعف أدلة الخصم، فإذا بلغ هذه المرتبة، ينتقل للمرتبة الثالثة، وهي:
المرتبة الثالثة: الاجتهاد.
أما أن تكون في مرتبة الاتّباع وتجتهد، فلا، والله، لشرفٌ لك أن تقول: اتبع قول فلان -وتراه موثوقًا بعلمه وديانته من علماء السلف، أو من العلماء المعاصرين ممن شُهد لهم بالضبط والتحري، فتبقى على قوله بالدليل- من أن تجتهد ولستَ من أهل الاجتهاد، فإذا انتهيت من الفقه وعلم هذا الشيخ أو ذاك وتصورته على هذه الطريقة، إذا بك وجميع مسائل الفقه منحصرة عندك بضوابط معيّنة، وتجدك اكتملت عندك الصورة، وتصورت الفقه بأكمله على نمط معين مؤصَّل على منهج السلف، ولذلك انظروا للأئمة، ما منهم إلا وكان له مذهب معين.
فمثلًا شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ انظر إليه في (المجموع): قال أصحابنا، وارتضاه أصحابنا، وهو الصحيح من أقوال أصحابنا.
[ ١٢٢ ]
بل إنه يجتهد في المذهب، فيقول: والصحيح من مذهب أحمد كذا، وغلط بعض أصحابنا في كذا وكذا، ويقول: ومن قال أن مذهب أحمد كذا فقط غلط لكذا وكذا. فتجده حجة في مذهبه، حجة خارجًا عن مذهبه.
كما في الإنصاف للمرداوي -رحمة الله عليه- إذا ذكر الخلافات داخل المذهب وقال: قال الشيخ، فمراده: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، ويقطع ويقوي قوله بترجيحات شيخ الإسلام ابن تيمة، لماذا؟. لأنه قرأ علم إمام من الأئمة المشهود لهم بالإمامة والاقتداء بهم بالدليل، فوضع الله له البركة والخير في علمه.
ولا شك أن طالب العلم حينما يقرأ مثلًا أركان الصلاة بدليل في مذهب واحد، ليس مثل أن يقرأها في المذاهب الأخرى بأدلة متباينة متعارضة، فكيف يضبط؟! وهكذا طالب العلم، إذا لم يستطِع التمييز بين الأدلة يكتفي بالقول الراجح بدليله، ويمضي ويبقى على هذا، ويسير حتى ينتهي من الفقه كله، ويتصور أبوابه ومباحثه، ولا يهمك نقد غيرك لك، يلومك من يلومك، ويسفّه رأيك من يسفّهه، لا شأن لك به، كلنا أخذ الفقه بهذه الطريقة، كنا نأخذ على مشايخنا ونضبط أقوالهم، بالدليل لا مجرد أقوال رجال، لا.. بل بالدليل.
فلما انتهينا أصبح الفقه أمامنا منضبط، وبعد أن قرأنا على مشايخنا، وجدنا أقوال وأدلة تخالف ما كنّا تلقيناه على مشايخنا، فأخذنا بها وتركنا ما كنا عليه وخالفناهم؛ لقوة أدلتها، وما نقص ذلك من قدرهم ومنزلتهم في قلوبنا، أبدًا والله، ولكن الحق أحبّ إلينا من كل أحد.
فلذلك: الطالب الذي يأخذ منهج معيّن، يفيد ويستفيد، ويصل إلى مرتبة الفقيه، وأما من يسلك كل يوم طريق ويتذبذب، لا تجد له أصلًا.
[ ١٢٣ ]
وخذ طالب علم ممن سار على هذا المنهج الغير منضبط، وناظره في مسألة معيّنة، لا تجد له أصلًا ثابتًا، ولا تخرج مع بنتيجة، وتجده عائمًا ليس له ميزان تصل مع إليه فيعذرك وتعذره في المسألة، أو تصلا إلى قول فصل في القضية، والسبب هو أن الأساس الذي سار عليه هو: التلقي من مشارب مختلفة في بداية الطلب، فيواجه أقوال وإشكالات يوردها جهابذة العلماء، لا يحسن فهم توجيهها، ولا الخروج منها.
وكذلك يواجهه في شروح الأحاديث: كشروح الإمام النووي، أو ابن حجر، أو الحافظ ابن دقيق، أو الحافظ العيني.. وغيرهم -رحمة الله على الجميع-.
ولو جئت تنظر في قول كل واحد منهم تقول: أبدًا، هذا قوله راجح، ثم إذا جئت تقرأ لغيره، تجد قول الأول من أضعف ما يكون، ثم تجد جوابًا عن هذا الجواب عند الأول، وتصبح في حيرة.
وحتى لو وصلت إلى نتيجة، لا تأمن من أنك كما قلت للقول الأول بأنه راجح، لا تزال مزعزع الثقة بقولك وما أنت عليه، ولو في آخر قول وصلت إليه.
ولذلك الأفضل الانضباط بأصل معين من البداية، وهذا الذي يميز فقه المتقدمين من الأئمة على غيرهم، تجد فقههم كالبناء، وأصولهم ثابتة ومنضبطة.
ومن هنا تلمس: أن بعض الفقهاء والعلماء له أقوال غريبة في المعاملات، فتتعجب كيف قال به في هذه المسألة، ويزول عجبك حين تعرف أن له أصلًا مشى عليه، واختاره ضابطًا له بقي عليه وثبت عليه.
مثلًا بعض المالكية يقول في المزارعة: إذا كانت الزراعة تابعة للنخل المسقي في حدود الثلث جاز أن تتبع، وإذا كانت أكثر من الثلث لا تتبع. فتستغرب من أين جاءوا بضابط الثلث، فتجد الإمام مالك ﵀ أخذ من قوله ﵊: (الثلث والثلث كثير) (١) [١٤٠]) ضابطًا في القلة والكثرة، وهذا أصل اعتمده من السنة، وليس من هواه، فيقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاعتبر الثلث ضابطًا في جميع الأبواب.
_________________
(١) ١٤٠]) متفق عليه من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص ﵁.
[ ١٢٤ ]
وهكذا الفقه عند المتقدمين، أصولهم في العبادات هي أصولهم في المعاملات، لا تتغير، ولا تتناقض ولا تختلف.
بخلاف بعض المؤلفات المعاصرة، خذه، تجده يرجّح بأصل من العبادات، يخالفه في المعاملات ولا يعتبره، مع أن المسألة في البابين مبنية على الأصل نفسه، فيناقض نفسه بنفسه، ويفتي هنا بالجواز، وهناك بعدمه، مع أن الأصل واحد؛ لأنه ينظر إلى كل مسألة منفصلة عن نظائرها وعن مقاصد الشريعة وبعيدًا عن مجموعة الأحاديث التي وردت فيها، وليس هذا صنيع السلف -رحمة الله عليهم-، بل ربما نظروا إلى أصل مقصود الشرع، هل ينظر في هذا الباب إلى المسامحة أم التضييق؟ ومعهم ملكات تؤهلهم لذلك.
أئمة ودواوين علم، يحفظون القرآن والسنة، بل البعض يحفظ مئات آلاف الأحاديث.
فإذا جاء أحدهم للمسألة، يستحضر كل هذه النصوص وشتاتها في الكتاب والسنة، وقد تجد الحديث في الهبات، يستنبط منه دليلًا على مسألة ما في الصوم، والحديث في الصلاة وفيه دلالة على مسألة في العشرة الزوجية، وهذا فضل من الله، فاضل به بين العلماء، وظهرت فيه سعة وشمولية هذه الشريعة الكاملة، وظهر فيه فضل علماء السلف: بحسن الاستنباط وحُسن الفهم ودقة الوعي، بل ربما تجد الواحد يحدثك بقصة في آية قرآنية ويستنبط منها حكمًا شرعيًا ومسألة فقهية.
[ ١٢٥ ]
وهذا من فهمهم عن الله وارتباطهم بالكتاب والسنة، تجد الواحد منهم يقوم بهذا القرآن في ثلاث ليال. يختمونه فتمرّ بهم المسائل، ناهيك عن ورعهم وخوفهم من التقوّل على الله، وارتباطهم بالله، واستلهامهم منه التوفيق والسداد (١) [١٤١])، والمقصود أن الذي يريد أن يضبط الفقه يضبطه بالأصول، ويتقيد بها دون تعصب ولا جمود، في مرحلية ينتقل إلى ما بعدها حتى يصل إلى مرتبة الاجتهاد.
كل ذلك بإخلاص وتعظيم لعلماء السلف، ومعرفة حقهم وعظيم فضلهم علينا.
فكم من قول ربما سخر طالب العلم منه واستهجنه واستبعده، يتبيّن له فيما بعد أنه الصواب، أو يتبيّن وجهه ودليله الذي يعذر به صاحبه أمام الله جل وعلا.
_________________
(١) ١٤١]) ذكر الشيخ علي القارئ ﵀ في كتابه الطبقات (أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كان إذا أشكلت عليه مسألة قال لنفسه: ما هذا إلا لذنب أحدثته، فيبدأ يستغفر الله، أو يقوم يصلي، ويتضرع لربه ويدعو مولاه، فيفتحها الله عليه، فيقول: أرجو أن يكون قد تاب الله عليّ – أي: لأن تفهيمه لي السمألة مظنة توبته عليّ -، فبلغ ذلك الفضيل بن عياض، فبكى بكاءً شديدًا، وقال: ذلك لقلة ذنوبه، أما غيره فلا ينتبه لذلك) اهـ. من طبقات الحنفية، للشيخ علي القارئ (٢/٤٧٨) نقلًا عن كتاب كيف نتحمس لطلب العلم الشرعي، لمحمد بن صالح آل عبد الله.
[ ١٢٦ ]
كنت أعجب من قول الإمام ابن جرير، شيخ المفسرين ﵀، يقول: إن فرض الأذن في الوضوء: الغسل كالوجه، وليس المسح فسألت الوالد -رحمة الله عليه-، فقال: لا تعجب يا بني، ألم يقل ﷺ في دعاء سجود التلاوة (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره..) (١) [١٤٢]) الحديث، فأضاف السمع للوجه، وهذا وإن كان قولًا ضعيفًا ترده السنة القولية والفعلية، لكن المقصود هو معرفة قدرنا عند أولئك الرجال الذين حَوَتْ صدورهم الكتاب والسنة: «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» [العنكبوت:٤٩] . نسأل الله لنا ولإخواننا العصمة من الزلل.