هل خدمة طالب العلم لشيخه من آداب الطلب أم فيها محظور ولا تنبغي؟. أرجو إزالة الإشكال في هذه المسألة (١) [١١٣])؟
الجواب:
لا غضاضة ولا حرج في خدمة الأحرار من عامة الناس لمن كان من أهل العلم والفضل، كالعلماء ومن في حكمهم من كبار السن وصالحي الناس، والأصل فيها خدمة الصحابة للنبي ﷺ، كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: (كنت أقرِّب للنبي ﷺ وضوءه وأحمل له إداوته) (٢) [١١٤])؛ لأن تعظيم أهل العلم وإجلالهم في الحدود الشرعية إجلال للدين والشرع، وإجلال لما حوته صدورهم من العلم، الذي شهد الله بفضلهم فيه «بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» [العنكبوت:٤٩]، وقال تعالى: «لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» [النساء:١٦٢] .
ومن إكرامهم وتبجيلهم: خدمتهم، ويعتبر من القُرَب، لكن محل ذلك إذا أمنت الفتنة، أما إذا خاف طالب العلم أو الشيخ على نفسه الفتنة، وخشي أن يغترّ بإطرائهم، سيما إذا كان طالب العلم شابًا حدثًا، فإنه قد لا يأمن على نفسه الفتنة، ويكون ذلك مظنة الحسد بين الأقران.
وكان بعض العلماء يشدد في ذلك نصحًا للمسلمين، وصيانةً لحمى الدين من الغلو والتعلق بالمخلوقين، ولذلك أثر عن ابن مسعود أنه لما خرج من المسجد، خرج معه أصحابه، قال: ما بكم؟. وما شأنكم؟. قالوا: رأيناك تمشي وحدك فأحببنا أن نسير وراءك، قال: إليكم عني، فإنها فتنة للمتبوع، وذلة للتابع (٣) [١١٥]) .
_________________
(١) ١١٣]) باختصار من دروس شرح بلوغ المرام، للشيخ محمد -باب قضاء الحاجة-.
(٢) ١١٤]) متفق عليه، ومثله وبمعناه أيضًا عن أنس ﵁، والمغيرة، وغيرهما..
(٣) ١١٥]) أخرجه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في المصنف (٦/٢١٣) .
[ ١٠٤ ]
وكان بعض الفضلاء يحكي عن الشيخ الأمين -رحمة الله عليه- أنه أعطاه رجلٌ ماءً ليتوضأ به، ثم همز ابنه ليقوم بصبّ الماء على الشيخ، قال الابن: فجئت إلى الإبريق، فلما دنوت لآخذه، نهرَني الشيخ وصبَّ على نفسه، قال، فغمزني أبي الثانية -يعني حاول-، يقول: فجئت المرة الثانية واقتربت من الشيخ، فدفعني وسحب الإبريق -رحمة الله عليه-، وهو عالم وإمام من الأئمة في العلم والورع والصلاح، ومع ذلك لم يقبل من هذا الطفل أن يلي طهوره. فقد يمتنع بعض أهل الفضل من ذلك إما لكمال فيه، أو خوف على نفسه، بل ينبغي على طالب العلم العاقل أن لا يفوِّت حسناته بخدمة الناس وتعظيمهم له.
قال ابن عمر ﵄: لا تصم في السفر متنفلًا، إنك إن صمت قال أصحابك: أنزلوا الصائم، أجلسوا الصائم، حتى يذهب أجرك، فكانوا يخشون ذهاب حسناتهم بخدمة الناس لهم.
وكان بعض العلماء يقول: أخشى من تعظيم الناس لي أن يُذْهِبَ حسناتي.
وقد تكلم الإمام ابن القيم ﵀ بكلام نفيس على اغترار الناس بصحبة الصالحين، وهو على المعاصي، حتى يغتر بصحبتهم، فيفرَّق بينهم يوم القيامة.
والمقصود من صحبة وخدمة أهل العلم والفضل: التأسي بهم، والعمل بما يقولون، والوفاء والبر بهم، وردّ الجميل لهم إذا رضوا بذلك، وعلم منهم الرضا.
[ ١٠٥ ]
وإذا غلب على الظن أنه يحفظ دينه، وأن ذلك يعين إخوانه على القرب منه والألفة والمحبة وفي حدود المشروع، فلا حرج، وقد توسع أهل البدع في هذا الباب حتى استعبدوا الناس -والعياذ بالله- من دون الله، فأهانوهم، وأذلوهم بلحس الرُّكب والأقدام والأيدي.. وغير ذلك مما تمجُّه الطباع السليمة، فضلًا عن النفوس المستقيمة التي تسير على نهج الله، الذي أراد تكرمة بني آدم لا إذلاله، حتى أن الإمام مالك -رحمة الله عليه- كان يشدد في تقبيل اليد، ويسميها السجدة الصغرى، خوفًا من ذريعة الغلوّ في الصالحين والعلماء، ويتأكد ذلك في هذه الأزمنة التي ضعف فيها الدين في نفوس الناس، وبالغ العوام في هذه الأمور، أو يكون طالب العلم أو العالم في بيئة تبالغ في ذلك من الانحناء عند السلام وأخذ الكف بعد السلام ومسح الوجه بها.. كل ذلك من البدع والضلال الذي نشأ من الغلوّ في الصالحين والعلماء، ودين الإسلام دين عدل، فلا غلوّ ولا إجحاف