ما رأيكم في بعض طلاب العلم يجتمعون للمناقشة في المناهج والمسائل، فيجتهدون، ويخطئ بعضهم بعضًا وهم متفقون في الأصول؟ نرجو من فضيلتكم توجيه النصح لهم (٣) [١١٠]) .
الجواب:
_________________
(١) ١٠٨]) عن ابن عباس ﵄ قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله ﷺ، ما يمنعني إلا مهابته، فسألته، فقال: هما حفصة، وعائشة) . رواه البزار والطبراني، وقال السيوطي: سنده صحيح. فتح القدير (١/١٤، ٥/٢٥١) .
(٢) ١٠٩]) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -كتاب الحج- أسئلة الشريط رقم (١٤٠) .
(٣) ١١٠]) من درس شرح عمدة الأحكام -أسئلة الشريط رقم (١٣٩) .
[ ٩٩ ]
الحقيقة هذا السؤال عام، والتفرق الموجود له طرق متعددة، ولذلك الإجابة على هذا السؤال قد تُفهم على غير المراد، ولكن أنبّه على الأصل الذي ينبغي على المسلم أن يلتزمه:
أولًا: اعلم أن الله ﷿ جعل هذا الدين كُلًا لا يتجزأ: «مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» [الروم:٣١-٣٢] وأمر الله بالاعتصام والتآلف، ونهى عن الفرقة والتخالف، «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا» [آل عمران:١٠٣]؛ لأنه ليس هناك موجب للخلاف في الأصل، فيلزم المسلم الكتاب والسنة، ولا يجتهد إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون الكلام الذي يجتهد فيه صالحًا للاجتهاد وفيه مساغ للخلاف.
الشرط الثاني: أن يكون أهلًا للاجتهاد.
فأي قول خرج عن هذه الأصول، كأن يكون مستنبطًا من غير الكتاب والسنة، أو اجتهد وهو ليس بأهل، أو اجتهد في ما لا مجال للاجتهاد فيه، فإن خطأه بيّن واضح ظاهر، وعلى هذا فإنني أقول: ينبغي لطلاب العلم التناصح وتذكير بعضهم بعضًا بالتي هي أحسن، وأن يشد بعضهم من أزر بعض، وأن يكمّل بعضهم نقص بعض، ولا يعني ذلك المجاملة في الحق أو ترك بعضنا البعض على أمرٍ الخطأ فيه بيّن، أو المخالفة فيه لكتاب الله أو سنة النبي ﷺ أو منهج السلف الصالح واضحة، كل ذلك لا نعنيه، إنما نعني تهيئة الجو لقبول النصيحة وإصلاح الخطأ.
وأما التجريح الذي فيه حظوظ النفس فلا يُرضي الله، وهو يهلك صاحبه -والعياذ بالله-.
[ ١٠٠ ]
الكلام في الناس ولو كان بحق، وخالط قصدك إشفاء الغيظ والحنق والحقد، خرج عن كونه عبادة؛ لأنه لا يراد به وجه الله؛ ولذلك حذر علماء الجرح والتعديل -﵏- من أن يستغل الشيطان الإنسانَ من قصد التوجيه إلى بغض الشخص، حتى كان الجرح والتعديل من أصعب العلوم، لا من جهة تحصيله فقط، بل من جهة كبح النفس ومجاهدتها حتى يصبح جرحه وتعديله خالصًا لوجه الله.
ومن لوازم الإخلاص في الجرح:
أولًا: أن يكون الباعث عليه إقامة الحجة على أخيك، والغيرة على الكتاب والسنّة، والحرص على الخير للناس، فهذه الركيزة الأولى.
ثانيًا: من لوازم هذا الإخلاص أن تأتي لأخيك وتستره، والتشهير به فيه معنى لحظوظ النفس وحب الانتصار، وهو يضاد الإخلاص، بل والشرع، فإن الزاني يطالب المسلم بستره إذا زنى، وأجمع العلماء عليه، كما في حديث هزّال (١) [١١١]) المعروف، فهذا من حق العامة من المسلمين، فكيف بطالب علم اجتهد أو تأول فأخطأ، من باب أولى وأحرى، فإن وجدتَ من نفسك أنها قابلة، لأن تنصحه في السر فاعلم أنك تريد وجه الله، وإن وجدت أنها تأمرك أن تسارع بكشفه، وتضيق حينما تهمُّ بالذهاب إليه، فاعلم أن الشيطان قد دخل إلى شعبة من شُعَب قلبك.
_________________
(١) ١١١]) حديث هزال ﵁ رواه الإمام أبو داود -﵀-، والإمام النسائي وغيرهما، وخلاصته أنه قال له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، فقال النبي ﷺ (لو سترته بثوبك كان خيرًا لك) .
[ ١٠١ ]
وما المانع أن تدخل بيته محتسبًا الخطوات عند الله، تشتري بها رحمات الله، ويعلم الله من قلبك أنك ما دخلت بيته إلا وأنت تريد ما عند الله جل وعلا، وتأتي إليه بكل نصح وتجرد، فإذا وجدته بين طلابه جلست كأنك واحد منهم -تهيئ الأسباب- حتى يفرغ. ثم تقوم معه إلى خلوته، وتقدم له ما عندك، أما أن تأتيه بين طلابه أو تتلقف زيد أو عبيد من طلابه، وتقول له: الشيخ فيه كذا وكذا، هذا أمر من الصعوبة بمكان.
ثالثًا: إذا جئته تتخير الحجج المناسبة والأسلوب المؤثر، وتظهر الشفقة عليه كأنه غريق تريد إنقاذه، ثم إن وجدت في نفسك أنها تشتهي إهانته وإفحامه وتسفيه رأيه ومنهجه، فاعلم أنك على جرف هار، وأنك -ولو كنت صاحب حق بهذا الشعور والميل، خرجت عن كونك ترجو ما عند الله إلى ما ترجوه من حظوظ نفسك.
وقف بعض العلماء على إمام من أئمة السلف في الجرح، وقال له: تكلمتَ في أقوام لعلهم حطّوا رحالهم في الجنة منذ مائتي عام، فجلس العالم يبكي تأثرًا حتى غشي عليه في المجلس، فليس مراد المذكّر إلا حثه على الاجتهاد في أن تكون نيته لله جل وعلا، وليس المراد أنه لا حاجة للجرح والتعديل، بل قد يكون واجبًا كما هو معلوم.
وليس -والله- من العيب أن يختلف العلماء وأن يتناظروا ويتناقشوا، هذا لاعيب فيه ولا حرج، ولكنّ المصيبة كل المصيبة دخول حثالات ممن لا يخافون الله ولا يتقونه في نقل الأحاديث ونقل الشائعات بين طلاب العلم حتى أفسدوا ذات بينهم، والله الموعد، ووالله لتمرنّ على الإنسان ساعة يعلم ما الذي أراد بهذه التصرفات التي يفعلها، وليعلمنّ نيته وقصده في سكرة الموت، أو في ظلمة القبر، أو عند زلة الصراط، يعرف عندها هل يريد وجه الله أو يريد حظوظ نفسه.
يا أخي.. في الإنسان كفاية بعيوبه عن عيوب الناس، في الإنسان شغل في نفسه عن الناس.
عليك نفسك فاشتغل بمعايبها ودع عيوب الناس للناس
[ ١٠٢ ]
إذا أصبح النصح والنقد فيه هوى وإشفاء غيظ، صار أقرب إلى الإثم منه إلى الأجر، فقد تجد شابًا حديث عهد بالتزام لو عرضت له شهوة لانتكسَ، وهو يتكلم في عالم، وقد كفاه غيره من أهل العلم بيان الخطأ الذي أخطأ فيه ذلك العالم، ما الذي أدخل أمثال هؤلاء أن يتكلموا في العلماء ويقولون: الشيخ فلان يؤخذ عليه كذا وكذا، وقد تكون المسألة من المسائل الفرعية التي يعذر فيها بنصّ أو حجة، هذا أمر خطير جدًا، وبهذه الجرأة تضيع الأمة، ويفلت الزمام، وتذهب حقوق العلماء والدعاة والصالحين والأخيار، حين يتسلط من لا خوف ولا ورع له، والمقصود: أن من علم أنه من أهل النقد والاستدراك على العلماء، فليتقدم أو يتأخر، المهم أن يريد وجه الله، ويعلم ما يجيب به الله إذا سأله عن الكلام في فلان أو علاّن..
كم من شاب يُمضي أيامه ولياليه في النقد والتجريح بغير الحق، ولو سألته عن صحة وضوء من توضأ ولم يتمضمض لَمَا علم لها جوابًا، فينبغي للإنسان أن يشتغل فيما يعنيه عن ما لا يعنيه، وقد ورد في الخبر أنه: (لا تقوم الساعة حتى يلعن آخر هذه الأمة أولها (١) [١١٢]»، ولن يكون اللعن حتى يكون الاحتقار والازدراء، وهذه هُوّة سحيقة أن يتربى الشباب على الحقد على الدعاة والعلماء الأحياء، ثم ينتقل الدور إلى سلف الأمة، ثم تحرق كتبهم، ويكون ما أخبر به النبي ﷺ من ظهور الشر وغلبته، وعندها تقوم الساعة فللجنة طلابها، وللنار طلابها -والعياذ بالله-، ونسأل الله أن يجنبنا هذه المهالك والمزالق.
_________________
(١) ١١٢]) أخرجه الإمام الطبراني ﵀ من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وقال الهيثمي: فيه عبد الحميد بن إبراهيم وثقه ابن حبان وهو ضعيف، وفيه جماعة لم أعرفهم. اهـ. مختصرًا من: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة (١/٣٤٨) للشيخ الفاضل حمود التويجري ﵀.
[ ١٠٣ ]