أنا خطيب مسجد، تكلم فيَّ بعض الناس، فبِمَ تنصحوني؟ وما هي وصيتكم لمن يتكلم في الدعاة والعلماء، وينفر منهم الناس؟. وهل تجدي المناقشة معهم (٢) [١٢٢])؟
الجواب:
هذه -والله- المصيبة التي تحزن إذا انتقص أهل العلم والفضل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله إن باطن الأرض أولى من ظاهرها في العيش مع أقوام لا يعرفون لأهل العلم حقهم، ولا يقدرون لهم قدرهم.
_________________
(١) ١٢١]) راجع العواصم من القواصم، للقاضي أبي بكر بن العربي ﵀، هامش (ص: ٧٦) بتحقيق الشيخ محب الدين الخطيب ﵀.
(٢) ١٢٢]) (بتصرف) من محاضرة وصايا لطالب العلم وأسئلة درس التفسير، الشريط رقم (٩) .
[ ١٠٩ ]
يا هذا.. قد نظرت إلى الدعاة والهداة، فوجدت فيهم من الفضل والصلاة والاستقامة والدعوة إلى الله ما سوف يحاسبك الله عنه، لم يبقَ إلا أن ينتقص العلماء وينفر منهم، وتُحذر الناس من مجالسهم، إنها مصيبة ورزية، إنها ثلمة -والله- في الإسلام إذا انتقص العلماء والدعاة، وتُتبعت عوراتهم وأخطاؤهم، ونُفِّر من مجالسهم، هذا مفتون، شأن أهل البدع -والعياذ بالله-.
إنهم ينفرون من العلماء، ولذلك من أهم وأظهر سمات أهل الضلال أنهم يحتقرون أهل العلم؛ لأنهم يعلمون أنه لا يكشف عوارهم بعد الله إلا العلماء، فلذلك إخواني في الله ينبغي أن نتق الله في حقوق العلماء، في حقوق طلاب العلم والدعاة والهداة إلى الله ﷿، ينبغي أن تُلجم هذه الألسن بلجام الورع، والله، ما من كلمة تتلفظ فيها -حتى لو نقلت عن عالم أو داعية كلمة فيها انتقاص له- تحمل وزرها بين يدي الله ﷿، ونزّل نفسك منزلة هذا العالم، أترضى أن تظهر للناس فضيحتك وأخطاؤك.
سلمنا جدلًا أنه أخطأ، فما الذي جعلك أن تذكر السيئات ولا تذكر الحسنات؟
قال سعيد بن المسيب ﵀: من هذا الذي كمل، إنما يرجى الإنسان بالغلبة، ذلك أن الله تعالى يقول: «فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [الأعراف:٨]، ما قال: فمن خلصت موازينه (١)
_________________
(١) ١٢٣]) قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين (٣/٢٨٣): (ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور، بل مأجور؛ لاجتهاده، فلايجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين اهـ. وقال أيضًا في المدارج (٢/٣٩): ( فلو كان كل من أخطأ أو غلِط ترك جُمْلةً أو أهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها) اهـ. ويقول الإمام ابن رجب ﵀ في القواعد الفقهية (ص:٣): (والمنصف: من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه) . ويقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي ﵀ في السير (١٤/٤٠) في ترجمة محمد ابن نصر: (ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما تسلّم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة) اهـ. وقال ﵀ أيضًا في السير (٢٠/٤٦): (ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن) اهـ. من قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن بن معلاّ اللويحق - ط دار الورّاق الأولى ١٤١٥هـ.
[ ١١٠ ]
[١٢٣]) .
ولذلك العالم قد يزل، ولا ينبغي أن تُعجل في التشنيع عليه، بل يلتمس له العذر ما أمكن؛ لأن التشنيع عليه ثلمة في الدين.
والمنهج: أن تنقد الخطأ للخطأ، ولا تجرّح، شأن أهل الصلاح والفضل يبينون الخطأ دون تتبع عورات المسلمين وأعراضهم: «وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا» [يوسف:٨١]، لا ينبغي للمسلم أن يقتحم عوار أخيه فيتهمه في منهجه وعقيدته، الذي يعنيك ما قرأت وما سمعت، وأما أن يلمز بعضنا بعضًا، وأن يحاول كل منا أن يفسر أقوال العلماء ويحملها على غير محاملها، فإنه سيسأل بين يدي الله عن ذلك: «سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ» [الزخرف:١٩] .
أحبتي في الله! إن الله قسم بين الخلق فضله، فجعل أقوامًا مفاتيح للخير، ويتكلمون بالخير، ولا يعرفون الفحش، برأهم الله من السوء في أنفسهم وأقوالهم، أعفة في اللسان، أعفة في الجنان، لا يُدخلون في قلوبهم غِلًا على مسلم، وهي من صفات أهل الجنة: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» [الأعراف:٤٣] .
ولذلك لا يزال الإنسان يحسد العالم على علمه، على صلاحه، حتى تفنى حسناته -والعياذ بالله-.
[ ١١١ ]
ومن العجب أن ترى طالب علم مجتهدًا في العلم، قائمًا الليل وصائمًا النهار، حتى إذا جاء الكلام عن العلماء والدعاة، خرجت منه تلك الكلمات، فأتت على جميع حسناته -والعياذ بالله-، قالوا: يا رسول الله.. هي تصوم وتصلي، ولكنها تؤذي جارتها، قال: (لا خير فيها، هي من أهل النار) (١) [١٢٤])، قالوا: ولا يؤمَن على من نال من أعراض الدعاة والعلماء من سوء الخاتمة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ مع الرجل، وسعيد بن زيد ﵁ مع المرأة، لما اتهماهما (٢) [١٢٥])، فدعيا عليهما فساءت خاتمتهما -والعياذ بالله-، يا هذا.. وما يدريك أن لهؤلاء دعوات في السحر لا تردّ، وما يدريك لعلهم من أولياء الله، فتكون بمعاداتهم محاربًا لله: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) (٣) [١٢٦]) .
يا أخي، المسلم الحق (من سلم المسلمون من لسانه ويده) (٤) [١٢٧])، ليس الإسلام الحقيقي: أن يأتي المسلم ظاهره على خير وباطنه منطوي على الحقد والغلّ وخبث النية والطوية على عباد الله، هذا ليس من الإسلام، الإسلام فيه براءة الظاهر والباطن.
المسلم الحق يستهويك حديثُه، سديدٌ في منطقه وفي رأيه، بعيدٌ عن سفاسف الأمور، سبحان الله! ما وجدنا ننقل إلا عورات، وعورات مَنْ؟! عورات أهل العلم والفضل.
إخواني في الله ينبغي علينا:
أولًا: ألّا نتصف بهذه الصفة والخصلة التي يبغضها الله، إنها الفحش في القول: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» [النساء:١٤٨] .
_________________
(١) ١٢٤]) تقدم تخريجه (ص:٧٧) .
(٢) ١٢٥]) قصة الرجل مع سعد ﵁، والمرأة مع سعيد بن زيد ﵁، ذكرها الحافظ الذهبي ﵀ في السير. انظر نزهة الفضلاء (٢٣/٢، ٢٧/٣) .
(٣) ١٢٦]) رواه الإمام البخاري ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) ١٢٧]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ١١٢ ]
ومن تخلق بذلك ليس بحبيب لله ﷿، بل جاء في الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (١) [١٢٨])، فكيف بالعالم؟
ثانيًا: ألا نسكت على من ينتقص علماءنا، ينبغي أن نغار على علمائنا، إذا لم نغر عليهم فعلى من نغار؟ وإذا لم تأخذك حميةُ الدين للعالم، فلمن تكون؟
ثالثًا: نفرق بين من ينقد بأدب، وحسن خلق، وعلى علم وبيّنة، وبين من ينتقد ويطعن في العلماء وطلاب العلم، العرض أمره ليس بالهين، فلو أن ثلاثةً من الصحابة ﵃ طَعنوا في عرضٍ دون بيّنة -وحاشاهم من ذلك- لما قبل منهم، ولردّت شهادتهم، لقوله تعالى: «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [النور:٤]، فإذا كان هذا في العِرض (٢) [١٢٩])، فكيف بمن يقذف العالم والداعية في عقيدته ومنهجه؟. فالذي ينبغي التبيّن والتثبت.
الناس كثُر فيها القيل والقال والنقل والشائعات.
رابعًا: الاشتغال بعيوب النفس عن عيوب الناس، لاسيما أهل العلم والفضل، فالماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، وعليك بنفسك وعيوبك.
فللناس ربٌ محاسبهم، ويجزيهم على الخير إحسانًا، وعلى غيره صفحًا وغفرانا.
وقال قال النبي ﷺ لعمر في حاطب ﵁ حين كتب الكتاب للكفار، يكشف سرًا من أسرار المسلمين، ومع ذلك يقول ﷺ: (وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم) (٣) [١٣٠]) .
هذا يدل على أن العبد الصالح قد يكون بينه وبين الله حسنات تحرق خطاياه وزلَلَه.
_________________
(١) ١٢٨]) رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ١٢٩]) قال بعض الفضلاء: ألم يكن قيل لمن أساءوا ظَنّهُم في الإفكِ لولا جَاءوا ثلاثةٌ عادلةٌ لا يُقبلون في عرضِ مسلمِ فكيف بالظنونْ؟
(٣) ١٣٠]) تقدم تخريجه.
[ ١١٣ ]
تريد لهذا العالم الذي أفنى ليله ونهاره في الجهاد والدعوة إلى الله ﷿ أن تفني حسناتك أمامه؟. تريد أن الله لا يغفر إساءته، وله من الحسنات ونشر العلم والخير ما لا يُحصى، فالرجاء في الله عظيم (١) [١٣١]) .
والله أسال: أن يرزقنا عفة الظاهر والباطن، وهذه –والله- وصية لكم أجمعين، لا أقصد بها شخصًا معينًا، ولا طائفة معينة، ولكن أريد أن يترسمها كل مؤمن فضلًا عن طالب العلم.
وأما الأخ الذي تُكُلّمَ فيه فأوصيه بما يأتي:
_________________
(١) ١٣١]) من درس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -السنن الراتبة- شريط رقم (٣١) .
[ ١١٤ ]
أولًا: أن تتعزى وتتسلى بمن مضوا قبل من السلف والأخيار، فهذا رسول الله ﷺ سيد الأنبياء والعلماء الأبرار، اتهم في عرضه، واتهم في فكره ومنهجه، فقيل فيه: أفّاك؛ حاشاه، وقيل: ساحر، وقيل: كذّاب، ومات وهو سيد الأولين والآخرين؛ لأن الله تعالى جعل الأمور بعواقبها، وهي سنة ماضية في كل من تمسك بهذا الدين: أن يُبتلى على قدر تمسكه، كما اشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل، ثم الأمثل) (١) [١٣٢])، فإن كنت أمثل صُبَ عليك من البلاء ما لا يعلمه إلا الله، ولْتعلم أن الله سيضعك -بالصبر على هذا البلاء- في مرتبة أحبابه وأوليائه «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة:٢٤]، أن تصبر وتحتسب عند الله ﷿ مما قيل فيك، فإن الله ﵎ قد تكفل بعباده وبيده أزمّة الأمور، فاصبر والله معك، قال ﷺ: (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر) (٢) [١٣٣])، والله تعالى يقول: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» [البقرة:١٥٣]، فإذا أراد الله رفعك وكره ذلك الخلق كلهم، فله الأمر من قبل ومن بعد (٣) [١٣٤]) .
ولا تعبأ بحسدهم وبغضهم لك، ولمّا ابتلي الحافظ عبد الغني ﵀ في محنته (٤) [١٣٥])، قال فيه القائل:
إِنْ يَحسِدوكَ فلا تعبأ بقائلهم هم الغُثاءُ وأنت السيد البطلُ
_________________
(١) ١٣٢]) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة، والإمام الدارمي -﵏- وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في المشكاة رقم (١٥٦٢) .
(٢) ١٣٣]) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) ١٣٤]) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.
(٤) ١٣٥]) راجع قصة محنته ﵀ في اعتقاده في أول المجلد الثاني من ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ﵀.
[ ١١٥ ]
والناس لا نجاة منها، فلو صاحبت أفضل الناس لابد من كلام الناس فيك.
تالله لو صحب المرء جبريلا لا بدّ من قيلٍ وقيلا
قد قيلَ في اللهِ أقوالٌ مسمّاة تتلى إذا رتّل القرآن ترتيلا
قد قيل إن له صاحبة تعالى الله عما قيلا
فالله لم يسلم من كلام خلقه: من أن له صاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقوله الظالمون علوًا كبيرًا.
وهذه الفتنة لو وجدت عقولًا وقلوبًا تتقي الله، لما راجت واستحكمت، وقد وقعت فتن في زمن أصحاب النبي ﷺ في أعظم من ذلك، في الدماء، لكنها وجدت عقولًا راجحة ضيقت نطاقها، وعرفت أهل الشر والغوى فيها، ونحن لا نبرّئ ساحات أهل العلم من وجود أناس لا خير فيهم، دخلاء على الصالحين، أو يتمسحون بالصلاح وهم منهم براء، وأشهد الله أني بريء ممن برئ من عقيدة السلف، وأبرأ إلى الله ممن يتكلم ويطعن في الصالحين والأخيار.
ثانيًا: لا تناقش الجهال حتى لا تهلكهم، ربما أثناء نقاشه يرد آية أو حديثًا بمحض هواه وفهمه فيهلِك، وتضيّع وقتك.
قال الإمام الشافعي: جادلني عالم فجدلته -أي غَلَبْتُه-، وجادلني جاهلٌ فغلبني، لأن الجاهل لا تدري من أين تأتيه، إذا جئته من يمين، يأتيك من شمال، وهكذا، ليست عنده ضوابط ولا قواعد ولا اصول يحتكم إليها، فلا تضيّع وقتك معه، قل له: ارجع إلى العلماء، حتى لا تَفْسُد القلوب بسبب هذه المناقشات التي لا تجدي؛ لأن هذا النوع من النقاش يفسدها ويوقع بينها الخلاف، والله قرن الفشل بالخلاف «وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» [الأنفال:٤٦] .
ثالثًا: إذا كان الذي أمامك طالب علم، قد حصَّل علم آلة الخلاف والنقاش والاجتهاد، وتستفيد من مناقشته ومناظرته، فخذ بآداب البحث والمناظرة، وهي معروفة ومشهورة، ومنها:
[ ١١٦ ]
أ- أن يكون (١) [١٣٦]) الخلاف بحجة وبرهان، والاستدلال بهذه الحجة مبني على أصل مقرر عند العلماء لا بمحض الهوى، فيستنبط (استنباطًا) ما سبقه إليه أحد، والعلم الحق موروث، والنبي ﷺ قال: (.. وإن الأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورَّثوا العلم..) (٢) [١٣٧]) .
فالذي يتكلم في الخلافيات والمسائل، ويناظر إخوانه وهو يعتمد أصول العلماء ويتكلم بكلامهم، فقد تكلم بإثارة من علم السلف.
وإذا جاءك إنسان بقول عليه دليل وليس لك علم به، فاسكت -رحمك الله- حتى لا تزلّ قدم بعد ثبوتها، فقد يمقت الله طالب العلم بردّه لسنة. وكان أبو بكر ﵁ يقول: (أخاف إن تركت سنته أن أضل، إن الله يقول: «فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» [النور:٦٣]، ينبغي أن يزن طالب العلم نفسه بميزان الشرع، ولا يتكلم في دين الله إلا بحجة من الله وبينة، لا بالهوى والظن، «وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا» [يونس:٣٦] .
عوّد نفسك من اليوم: أنك لا تدخل في نقاش أو خلاف دون تصور وحجة وبرهان، واترك طلاب العلم حولك يختلفون ويصيحون ويُقيمون الدنيا ويقعدونها، واستمع لخلافهم وانصت، وخذا ما صفا، ودع ما كدر، واجْنِ الثمار وألْقِ الحطب في النار.
وأما عاقبة من فُتن وكان جريئًا على الخلافات والمناظرات والمناقشات، دون علم، فإنه إذا تخرّج لا يرتاح حتى يجد من يناقشه ويناظره، ويصبح ديدنه ذلك، وأصحب ما عنده مسألة إجماعية لا خلاف فيها، ويصير علمه وبضاعته -والعياذ بالله- القيل والقال.
_________________
(١) ١٣٦]) من أسئلة دروس البلوغ عند شرح حديث ابن عمر (نهي عن بيع العربون) .
(٢) ١٣٧]) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/١٩٦)، والترمذي (٢٦٨٢)، والخطيب في الرحلة (ص:٨١)، وهو حسن عند كثير من الحفاظ.
[ ١١٧ ]
كان الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمة الله عليه- متصفًا بأنه لا يمكن أن يناقش أحدًا أبدًا، ويؤثر عنه أنه يجلس في المجلس، فما أن يقوم المشايخ بالمناظرة مع بعضهم حتى يقوم من المجلس، وبهذا أصبح عزيزًا بعلمه، عزيزًا بشخصه (١) [١٣٨])، بخلاف ما إذا أصبح الإنسان منفلت اللسان، يجادل كل من هب ودب، فتضيع هيبة علمه.
ومجالس الجدل والمماراة أمَرَ الله بعدم الجلوس فيها: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ» [النساء:١٤٠] .
ب- تحديد المسألة وتحرير موضع النزاع، حتى لا تضيعوا الوقت في مناقشة مسائل، متفق عليها بينكم أو لا التقاء بينكم فيها.
ج- تحديد الأصل حتى يعرف من المطالب بالدليل ومن المدعي ومن المدعى عليه، فالذي يخرج عن الأصل هو المطالب بالدليل مثلًا الأصل فيها الجواز، الذي يقول بعدم الجواز هو المطالب بالدليل، لكن الذي يحصل من بعض طلاب العلم يجلسون مع بعض، الأول يقول: ائتني بالدليل على عدم الجواز، والثاني كذلك يقول: لا.. بل أنت تعطني دليل على الجواز.. وهكذا، مع أنه إذا كان أصل المسألة أمر تعبدي، فالذي يقول غير مشروع لا يطالب بالدليل؛ لأن الأصل معه، والآخر يقول بأنه مشروع هو الذي يطالب بدليل نسبة شيء إلى الشرع.. وهكذا.
_________________
(١) ١٣٨]) قال الإمام الشافعي ﵀: (من إذلال العلم، أن تناظر كلّ من ناظرك، وتقاول كل من قاولك) مناقب الشافعي، للبيهقي (٢/١٥١) .
[ ١١٨ ]
د- أن ينظر في هذا الدليل بكل إنصاف وتجرد للحق، والله، ما أنصفت خصمك من نفسك إلا وفقك الله للحق، وهذا مجرب، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يتناظرون ويتناقشون، ويحصّلون من الفوائد دررًا ونكتًا، لا تزال قواعد تنير الطريق لمن وراءهم، ومن قرأ الفقه الإسلامي يدرك أنه ما ثَرَتْ مادته إلا بردود العلماء ومناقشاتهم، حتى أصبحنا اليوم لو نزلت نازلة أو مشكلة معاصرة، نستطيع أن نخرجها على أصول العلماء، فكان الخلاف ثراء للمادة العلمية، لماذا؟. لأن مناقشاتهم مبنية على أساس: سلامة الصدر، وحسن الظن، والتجرد للحق.
بخلاف ما يفعله بعض الطلاب -أصلحهم الله- من التشكيك في المدرّس، والتشويش عليه، وإظهار عواره أمام الطلاب، وليته اتقى الله، ولم يؤذِ هذا المسلم ويَحْرِم إخوانه من الفائدة، وليته سكت فلم يتحمل وزر ما نطق به.
الحلمُ زينٌ والسكوتُ سلامةٌ فإذا نطقْتَ فلا تكن مهذارًا
فلنتّقِ الله في هذه المجالس، ونراقب الله في المناقشات التي لا يراد بها وجه الله، لو أن طلاب العلم إذا جلسوا تذاكر كل بما سمع من شيخه، واستمروا على ذلك، وأصبح هذا ديدنهم وشأنهم، لوجدوا عاقبة وثمرة العلم من: انشراح الصدر، وعلوّ الدرجة، ولم يمرّ يوم أو أسبوع إلا وقد ازداد طالب العلم بما يرفعه الله به درجات، فإن شئت فاستقلّ أو استكثر. ونسأل الله العظيم أن يعصمنا وإياكم من هذه الآفات. والله تعالى أعلم.