بعض طلاب العلم يرى أن من الأصلح لطالب العلم أن يعتزل -في كثير من الأحيان- الناس حتى يأمن شرهم، هل هذا صحيح (١) [١١٦])؟
الجواب:
مخالطة الناس مع الصبر أفضل من العزلة، كما جاء في الحديث: (المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) (٢) [١١٧])، وهذا من حيث العموم، أما إذا كان طالب العلم لا يستطيع التحمل والصبر على الأذى، أو ضعف أخلاقه لا يساعده على الدعوة والنصح وتعليم الناس مع عبادته وصلاحه، فهذا فتح الله عليه في باب العبادة، وتحمل أحاديث الأمر بالاعتزال على مثل هذه الحالات الذي يغلب على الظن فيها هلاك صاحبها بسبب الخلطة.
_________________
(١) ١١٦]) من دروس شرح عمدة الأحكام، للشيخ محمد -أحسن الله له الختام-.
(٢) ١١٧]) رواه الإمام الترمذي، والإمام ابن ماجة رحمهما الله، وصححه الشيخ ناصر الدين في المشكاة برقم (٥٠٨٧) .
[ ١٠٦ ]
أما من رزقه الله العلم بالكتاب والسنة مع حسن خلق ولين ورفق، وحكمة وصبر، فهذا يجب عليه أن يخرج إلى الساحة، ويذكّر العباد برب العباد، وينصح ويوجه ويقيم حجة الله على خلقه، وهو بأفضل المنازل، فالإسلام كيف تبلغ شريعته وتقام حجته، وتنصَبُ راياته وتبيّن معالمه إذا أصبح علماؤه وطلاب علمه عاكفين في المساجد وفي الخلوات يقرؤون ويتعبدون؟ .. الإسلام دين كفاح، دين جهاد ودعوة وإصلاح «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» [آل عمران:١١٠]، والسبب هل تصلون وتصومون فقط؟ لا.. بل «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» [آل عمران:١١٠] وإذا تقاعس العلماء وطلاب العلم عن الدعوة والجهاد في سبيل الله وإصلاح العباد وتقريبهم من ربهم، من الذي ينذر ويبشر ببشارة الله، ويقيم حجة الله على عباد الله. ولله در القاضي عبد الوهاب ﵀ في أبياته اللطيفة:
متى تصل العطاشُ إلى ارتواءٍ إذا استقتْ البحارُ من الركايا
ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ وقد جلسَ الأكابرُ في الزوايا
وإنّ ترفُّعَ الوضعاءِ يومًا على الرُّفعاء من إحدى البلايا (١) [١١٨])
_________________
(١) ١١٨]) الذخيرة لابن بسام، ووفيات الأعيان لابن خلكان (١/٣٠٤) نقلًا عن قواعد في التعامل مع العلماء، للشيخ عبد الرحمن اللويحق (ص:٩٥)، وأوردها في الديباج المذهب (ص:١٦٠) .
[ ١٠٧ ]
يعني إذا كان العلماء والأكابر أهل الفضل جلسوا في الزوايا يتعبدون، إذًا: لا نثنى صغار السن والأحداث لقيادة الأمة، وعندها لا تسأل عن فساد الأحوال، ولذلك نصّ العلماء -﵏- أن تولي القضاء يجب على العالم طلبه إذا غلب على ظنه أنه يحكم بالعدل وينفع الناس، ولما استشكل بعضهم ذلك، أجيب بأنه: إذا امتنع من أجل أن يتورع، كان منجيًا لنفسه قاصرًا الخير عليها، وإذا خرج للقضاء كان قائمًا بحق الغير عليه: من نشر العدل والعلم والحكمة، والحث على طاعة الله، وذلك نفعه للكافة والعامة، وهو أفضل من نفع نفسه خاصة، وهو معنى مستنبط من حديث رسول الله ﷺ: (فضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب) (١) [١١٩])، فحال من يؤثر في غيره مختلف عن حال من ينفّر غيره، ومن كان ضرره أكثر من نفعه لو خرج للناس، فالأفضل له أن يتعبد ويصلح نفسه.
ولما كتب عبد الله العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، كتب إليه الإمام مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيتُ بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر (٢) [١٢٠]) . اهـ
_________________
(١) ١١٩]) رواه الإمام أحمد ﵀، والأربعة من حديث أبي الدرداء ﵁، وهو في صحيح الجامع.
(٢) ١٢٠]) ذكرها الحافظ ابن عبد البر في التمهيد، وعنه الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (٨/١١٤) -رحمة الله عليهما-.
[ ١٠٨ ]
وهذا فتح من الله على البعض من الأخيار الصالحين البررة، ربما جلس معهم العامي، فلا يجد عندهم أسلوب الدعوة، بمجرد ما يخطئ يقيمون الدنيا ويقعدونها عليه، لماذا؟؛ لأن الله لم يفتح عليهم في الدعوة، فهذا فضل من الله، والله يعطي فضله من يشاء، ولبعض الناس جهاده في خلوته أكثر من جهاده في علانيته، ومنهم العكس، ومنهم من جمع الله له بين الحسنيين، وآتاه كلا الفضيلتين، ويدل لذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: (إذا رأيت البناء بلغ سلعًا، فاخرج من المدينة) (١) [١٢١])؛ لأنه ﵁ كان شديدًا في طاعة الله، ويأخذ بالعزائم، ويرى أنه لا يجوز لك - وتعتبر من الذين يكنزون الذهب والفضة في الآية - أن تنام وعندك دينار واحد زائد عن حاجتك، من زهده وقوة خوفه من الله ﷿ ﵁ وأرضاه، وهذا من حكمته ﷺ: أن فاضل بين أصحابه، فكان يعطي البعض أحاديث الزهد، كأبي ذرّ، لو تتبعت أحاديثه في مسند الإمام أحمد لوجدت أكثرها في الزهد، والبعض من الصحابة أحاديثه في الجهاد أكثر، والبعض أحاديثه في العبادة، والبعض أحاديثه في العلم، والخلاصة أن الناس يختلفون، وبناءً عليه يُحكم لكلٍ حسب حاله. والله تعالى أعلم.