_________________
(١) ٢٩]) رواه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه برقم (٤٦٤٢، ٧٢٨٦) .
(٢) ٣٠]) بتصرف من محاضرة التفقه وآداب الفقهاء، للشيخ محمد، ألقيت بتاريخ ١٩/٢/١٤١٣هـ بالدمام.
[ ٣٦ ]
فإن تقوى الله ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا في يسير إلا باركته، وصية الله للأولين والآخرين، وموعظة الله لعباده أجمعين، تقوى الله ما دخلت في قلب إلا أدمعت عينيه من خشية الله، وجعلت قلبه أسبق ما يكون إلى طاعة الله ومرضاته.
قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي ﵀ في كتابه الجامع: (جماع الخير كله تقوى الله، وأزين الحلى للعالم: تقوى الله)، أزين ما يتحلى به من تخلق بالعلم: أن تكون تقوى الله قد وقرت في صدره، واستقرت في فؤاده وقلبه، فعندها يكون أعفّ الناس لسانًا، وأثبت الناس في طاعة الله ومرضاته، جنانًا، تقوى الله ﷿، التي ما خلت منها موعظة من مواعظ النبي ﷺ ولا كلمة من كلماته، فكم وعظ بها رسول الله ﷺ، حتى جاءه الرجل يريد السفر، فقال له يستوصيه: (زوّدك الله التقوى) (١) [٣١])، فنعمَ –والله- الزاد، فهي زاد المهاجر إلى الله، وعدة عباد الله في طاعة الله، تكف الجوارح عن حدود الله، وتدعوها إلى المسارعة والمسابقة في طاعة الله.
فطالب العلم الصادق المتقي لله أبعد الناس عن المحارم، وأعفّ الناس عن الحرام، وأنزههم عن الفواحش والآثام، يخاف الله في سمعه، يخاف الله في بصره، يخاف الله في لسانه وفرجه، في جميع حركاته وسكناته.
فما أجمل طالب علم تسربل بسربال التقوى، واستمسك من الدين بالعروة الوثقى، وكان كريم القول والعمل، جميل الخصال والخلال، إذا نظرت إليه ذكّرك الكريم المتعال.
بتقوى الله ييسر الله لك طلب العلم، فما قذف الله نور التقوى في قلب إلا يسر أمره، وشرح صدره، وأحسن عاقبته وأمره.
_________________
(١) ٣١]) رواه الإمام الترمذي ﵀ من حديث أنس ﵁، وقال: حسن غريب. والحاكم، وحسنه الحافظ، وصححه الألباني ﵀ في صحيح الكلم الطيب.
[ ٣٧ ]
قبيحٌ على طالب العلم أن يبدأ طلب العلم وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وعيب -والله- على طالب العلم أن يطلب العلم ولم يبلّغ نفسه فعل الأمور المرضية، والتي من أجلّها تقوى الله ربّ البرية.
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله قَبِل منك: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» [المائدة:٢٧] .
ولما دخل عبد الله بن عمر على أبيه ﵄ في مرض موته، وقال: يا أبتِ.. ألم تكن تفعل وتفعل، وذكّره بتبشير النبي ﷺ له بالجنة، قال له عمر ﵄: يا بُني: إنما يتقبل الله من المتقين.
قال بعض العلماء:
قد آلم القلب أني جاهل مالي عند الإله أَراضٍ هو أم قالي
وأن ذلك مخبوءٌ إلى يوم اللقاء ومقفول عليه بأقفالِ
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله أحبك الله، «بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» [آل عمران:٧٦] .
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله كنتَ له وليًا، «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ» [الجاثية:١٩] .
يا طالب العلم.. خير خلة تتحلى بها أن ينظر الله إلى قلبك قد عُمّر بتقواه، تخاف الله في قولك، تخاف الله في عملك.
وإذا خرجتَ وأنت تحمل كتابك، ورمقتك الأبصار والأنظار، فاستشعر وأنت تحمل كتابًا من كتب الدين والملة أنك تمثل دين الله وشرع الله، فاتقِ الله واحفظ جوارحك عن كل شيء يشين العلم وأهله.