مما يوصى به طالب العلم أن يأخذ العلم عن أهله، أن يبحث عن العالم العامل الذي يذكّرك الله مخبره ومظهره، فوالله ما بحثت عن عالم صادق في علمه آخذ العلم عن أهله إلا اتصل سندك بالرسول ﷺ، فإذا أتيت يوم القيامة وقيل لك: لما أفتيت بكذا وكذا، فتقول: يا رب.. أخبرني فلان عن فلان حتى يتصل سندك إلى رسول الله ﷺ.
قال الإمام الشافعي ﵀: (رضيت بمالك حجةً بيني وبين الله)، يعني إذا سألني الله يوم القيامة عمن أخذت العلم، قلت: عن مالك، ومن هو مالك؟ إنه ذلك الوعاء الذي قال فيه بعض أهل الحديث في زمانه: إنه المعنيّ بقول رسول الله ﷺ: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، فلا يجدون عالمًا إلا عالم المدينة) (١) [٥٨]) .
روى مسلم في صحيحه عن الإمام محمد بن سيرين، فقيه التابعين أنه قال: (أيها الناس! إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذوا دينكم) (٢) [٥٩]) .
_________________
(١) ٥٨]) رواه الإمامان أحمد والترمذي -رحمهما الله تعالى- وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو حديث ابن عيينة، فيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وضعفه الشيخ ناصر الدين ﵀ في ضعيف سنن الترمذي رقم (٥٠٢) .
(٢) ٥٩]) رواه الإمام مسلم ﵀ في المقدمة (١/١٤) . وروي مثله عن الإمام مالك ﵀ كما في الانتقاء للحافظ ابن عبد البر (ص:١٦) .
[ ٦٣ ]
العلم دين وتجارة وعبودية ومعاملة مع الله ﵎، ولا تجوز المجاملة في تلقي العلم، فإذا علمت أن الذي أمامك ليس من أهل العلم المشهود لهم أنهم أهل لتلقي العلم عنهم، فلتتقِ الله وتذهب تبحث عن من ينجيك بين يدي الله وتأتمنه على دينك، وإلا كنت شريكه في الإثم، وهذا الذي أضر اليوم كثيرًا من طلاب العلم، فلا بد من الرجوع والطلب على أيدي العلماء، وترك أنصاف المتعلمين والجهال.
قال ﷺ: (حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا) (١) [٦٠])، نسأل الله السلامة والعافية. وكان السلف الصالح –﵏- يعنون بذلك عناية عظيمة، روى الخطيب البغدادي ﵀ عن إبراهيم النخعي –إمام من أئمة التابعين- قال: (كان الرجل إذا أراد أن يأخذ عن الرجل، نظر في صلاته، وفي حاله، وفي سمته، ثم يأخذ عنه) (٢) [٦١]) .
ينظر إلى عبادته لله ﷿، وينظر إلى سيرته وأخلاقه وشمائله هل هي متفقة مع ذلك العلم أو تخالفه؟ فإن العلم إنما يؤخذ عن العلماء الربانيين.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
والجهل داءٌ قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني
فكم من قلوب كانت مريضة سقيمة شفاها الله بفضله، ثم بالعلماء الربانيين، أطباء الأرواح الذين يحسنون تعليم الأمة وهدايتها ودلالتها إلى صراط الله المستقيم.
وينبغي في العالم الذي تأخذ عنه أن تتوفر فيها خصلتان:
الأولى: صلاح السريرة، ويكون بالاستقامة في عقيدته ومنهجه وفكره، بإخلاصه لله ﷿، وكلاهما له دلائل تدل عليه وتشهد بصدقه، فلا ينبغي لطلاب العلم أن يسلم زمام فكره إلى من ضلّ عن السبيل وفقدَ الحجة، وترك المحجة.
_________________
(١) ٦٠]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة ﵂.
(٢) ٦١]) من مقدمة دروس شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد.
[ ٦٤ ]
كم من عالم مليء بالعلم شانته أخلاقه، وشانته تصرفاته، وشانه سمته ودله، لا يخاف الله في كلامه، ولا يراقب الله في منطقه، يتتبع عورات المسلمين، ويثلب عباد الله المتقين، فالحذر الحذر أن تغتر من العالم بكثرة علمه دون أن يكون عنده ورع يمسك بزمام لسانه عن أن يقول على الله ما لا علم له، وقد كان العلماء –﵏- يختبرون الأئمة، يختبرونهم بالسؤال عمن لا علم لهم به، فإن وجدوهم وقّافين عن حدود الله، وقّافين عند محارم الله، أحبوهم ورضوهم في أخذ العلم عنهم.
الثانية: أن يكون صالح السيرة، حافظًا يحفظ عن الله ورسوله ﷺ، فكما أن الأعمى لا يقود الأعمى، فكذلك الجاهل لا يقود الجاهل، لذلك ينبغي للإنسان أن يبحث عن هذا الصنف العالم المتمكن في علمه، المتمكن في فنّه، فمثل هذا حجة، وكفى به حجة.
إذا وجدت هذا العالم، فلا يخلو من حالتين:
أ- إما أن يكون في بلدك.
ب- وإما أن يكون في غير بلدك.
أ- فإن كان في بلدك: فاحرص مجالسه، واحرص على زيارته، فمن صفات طلاب العلم أنهم يحبون العلماء، وأنهم على صلة بأهل العلم والفضل، فلا يعرف الفضل لأهله إلا أهل الفضل، فاقبل عليه، واثبت عنده، ولذلك قالوا في الحكمة: من ثبت نبت، والمراد بالثبات: أن تلزم العالم وأن تأخذ عنه، وأن تحرص على الفائدة التي عنده، ولذلك قال الإمام أبو حنيفة ﵀: ثبتُ عند حماد بن أبي سليمان فنبتُّ، وقد عرَف السلف الصالح هذا الثبات، والذي ضرّ كثيرًا من طلاب العلم في هذا الزمان أنهم لا يثبتون عند العلماء.
لذلك انظر في حال السلف، فعبد الله بن عباس ﵄ أخذ عنه عكرمة، وأخذ عنه مجاهد، ومكحول الشامي، وطاوس.
[ ٦٥ ]
وعبد الله بن عمر أخذ عنه نافع وسالم وابنه، وما توفي أئمتهم وعلماؤهم إلا وكل واحد منهم قد أمسك بزمام العلم في بلده، وأصبح عَلَمًا من أعلام المسلمين، وإمام من أئمة الدين، وورِثَ علم شيخه، وصار أشبه الناس بسمته ودله، وأحفظهم لأقواله وفتاويه واختياراته.
ب- أن يكون هذا العالم في غير بلدك وفي غير موضعك: وحينئذٍ تحرص على الرحلة، غامر وتغرّب لوجه الله، واحتسب عند الله الخطوات من أجل لقاء العلماء، فإن الله ﵎ ذكر في كتابه الرحلة في طلب العلم، وحثّ عليها الأخيار، وشحذ إليها همم الأبرار، فقال ﷾: «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» [التوبة:١٢٢] . وكان من هدي السلف الصالح: الرحلة في طلب العلم، ووالله ما أنَتشَرَتْ العلوم، ولا دُوّنت دواوين الإسلام، وحفظت كتبه بشيء مثل الرحلة في طلب العلم، هذه الرحلة التي لا يرفع فيها طالب العلم قدمه ويضعها –يتغرب عن الأوطان، ويفارق الأحبة والخلان، ويحتسب عند الله ﷿، كل ذلك من أجل القرآن والسنة- إلا أحبه الله ورفع درجته وأعلى مكانته.
[ ٦٦ ]
وإنني بهذه المناسبة والله، لأهنئ طلاب العلم بالجامعة الإسلامية إذ سافروا عن بلادهم، وتغربوا عن أوطانهم، هنيئًا لهم (١) [٦٢])، إذ أقبلوا لها من كل حدَب وصوب، يرجون رحمة الله، ويرجون ما عند الله، نحسبهم ولا نزكيهم على الله أنهم جددوا مآثر الصحابة، فذكّر مقدمُهم المدينة بالوفود على رسول الله ﷺ مع الفارق بين الطائفتين، ومراعاة الفضل بين الفريقين، لذلك أحبتي في الله، فلا بد من الرحلة، ولا بد من السفر، ولا بد من الغربة، ولا بد أن تتعذب قبل أن تنال العلم، حتى يمحص الله إيمانك، ويظهر الله ﷿ فضلك وصلاحك وبرّك، يقولون: لا ينال العلم إلا بالجهاد، والله تعالى ذكر آية الرحلة - «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» [التوبة:١٢٢]- في طلب العلم في سورة الجهاد، فختم بها سورة التوبة، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل جعل الله الرحلة في طلب العلم، والجهاد في طلب العلم، سنة الأنبياء وسنة الصالحين.
هذا نبي الله موسى –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أخبره الله تعالى أن بمجمع البحرين من هو أعلم منه، عبدًا علّمه الله من لدنه علمًا- وهو الخضر ﵇-، فما إن بلغ الخبر إلى موسى، حتى قال: «لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا» [الكهف:٦٠] .
يقول بعض العلماء: لا أبرح: أي لا أنتظر ولا أجلس، ولا يقر لي قرار حتى أرى هذا العالم.
_________________
(١) ٦٢]) من محاضرة حلية طالب العلم، ألقيت في قاعة المحاضرات بالجامعة الإسلامية بالمدينة، بتاريخ (٦/١١/١٤١٢هـ) .
[ ٦٧ ]
نبي يقول الله له: «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي» [طه:٣٩]، كلمه الله تكليمًا، وقرّبه نجيًا، فخرج -صلوات الله وسلامه عليه- في رحلته الذي أبقاها الله إلى يوم الدين قصة وعبرة في كتابه المبين، والعجيب في القصة أنه كان بالإمكان أن يبين لنا حاله مع الخضر، دون ذكر تعبه في السفر، ودون ذكر مشقته في السفر.
يقول بعض العلماء: حتى يعلم طلاب العلم، ويعلم العلماء أنه لا بد في العلم من التعب والنصب، ولذلك مشى يومًا كاملًا من أجل أن يبلغ هذا العالم، حتى ضني في مشيه، ثم قال لفتاه يوشع بن نون: «آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا» [الكهف:٦٢]، فأخبره ذلك الغلام أنه قد نسي الحوت، تصوّر! يومًا كاملًا يمشي فيه حتى نسي طعامه وشرابه كله، وشاء الله أن يلقاه، فقال له: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» [الكهف:٦٦] فرحًا بلقاء ذلك العالم.
وإذا كان الطالب مشغولًا في أيام الدراسة يغتنم أيام العطل، يسافر إلى العلماء، يتغرّب، فينظر الله إليه وقد غابت عليه شمس يوم وقد أغبرّت قدماه في سبيل الله ﷻ، متحملًا المشاق والمتاعب، متقربًا بطلب أفضل وأشرف ما يرغب فيه ويطلب.. في هذه السنة شهرًا، ثم في السنة الثانية شهرًا أو شهرين، فيبارك الله له في علمه.
أعرف طلابًا يتغربون بالأسابيع، يتفقون مع الشيخ على أن يأتوه أسبوعًا يقرؤون عليه متنًا أو كتابًا، فيفرّغ الشيخ لهم نفسه، ويعطيهم القدر الذي يسّره الله في هذه الفترة، فيحصلون بذلك خيرًا كثيرًا، وطلب العلم على قدر الطاقة.
[ ٦٨ ]