وهو ثمرة من ثمرات التقوى، إنه سرّ بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سوى الله. هذه الوصية التي رفع الله ﷿ بها العلماء، فماتوا وما مات علمهم، وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لما علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب، تنفذ وتطبع، وتنفذ وتطبع، بقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار. إنها العبودية الصادقة لله.
[ ٣٨ ]
قال بعض أهل العلم –﵏-: الإخلاص هو الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه، فأي طالب علم أخلص لله في طلبه، وكان يرجو الله ﷿ في قوله وعمله، فهو مسلم بحق، وهو طالب علم بصدق، وكم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالًا على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله دينًا سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله ﵎: «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ» [الزمر:١-٣] . ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.
إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويقولها ويكتبها ويفهمها، فتكون أشجانه وأحزانه لله ﷻ، فلا يزال بهذا الإخلاص تُخط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.
فمن كمل إخلاصه لله، فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه، ويجعل عمله نفعًا له في دينه ودنياه وآخرته.
[ ٣٩ ]
لقد كان (١) [٣٢]) السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص، حتى كان أبو هريرة ﵁ إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار (٢) [٣٣]) يغشى عليه، وكان سفيان بن عيينة ﵀ يقول: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ) (٣) [٣٤]) .
وكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية.
فأول ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزهو والغرور وحبّ المناظرة والمناقشة والبروز على الأقران وحظوظ الدنيا؛ لأنه حين رأيته يحمل كتابه بدأت تجله وتحترمه وتكبره وتخاطبه بالخطاب الذي يدل على إجلاله بعد أن كان من عوام الناس، فيعجب بذلك، فيهلك والعياذ بالله.
وإذا أراد الله بالعبد خيرًا في بداية الطلب، كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر أمارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصًا على إخفاء عمله.
قال بعض السلف: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراه عين.
الإخلاص لوجه الله أن تستحي من الله ﷿، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصًا لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب.
_________________
(١) ٣٢]) من دروس شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد –شريط رقم ٩- باب الخوف من الشرك.
(٢) ٣٣]) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(٣) ٣٤]) ذكره ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم (ص:٦٩-٧٠) .
[ ٤٠ ]
ومن أمارات هذا الإخلاص ودلائله وعلاماته المشهورة أن تجد نفسك زاهدًا في الدنيا، كثير الطمع في الآخرة، فلا تبحث عن سمعة، ولا تبحث عن رياء، ولا تلتمس رضوان أحد غير الله ﷻ، تصبر وتكافح وتجاهد في طلب العلم، لا تنثني لك عزيمة، ولا تنكسر لك شوكة، ولا تصرف وجهك عن الوجهة التي علمت فيها رضوان الله العظيم حتى تبلغ غايتك التي تريدها وتنشدها، وهذا هو النَّهَمُ الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) (١) [٣٥])، فطالب العلم المخلص لوجه الله لا يضعف، ولا يكلّ، ولا يسأم من طلب العلم؛ لأنه يعلم ما وراء هذا التعب والنصب من رضوان الله العظيم، ويعلم أن في نصبه وكدحه محبة الله والدرجات العلى عند الله ﷾.
انتبه لنيتك، وتفقد سريرتك: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» [الرعد:١١] .
وأبشر بالتوفيق إذا وطنت نفسك على الإخلاص: «إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ» [الأنفال:٧٠] .