كم نجلس من مجالس الدنيا، فنسمع فيها فضول الأحاديث والأخبار، ولو سألت الواحد عن خبر من الأخبار لقصه عليك لا يخرم منه حرفًا واحدًا.
ثم نجلس مع العلماء الأجلاء وأهل الفضل الذين هم على علم بالكتاب والسنة، ينثرون درر الكتاب والسنة، ولا نرفع بذلك رأسًا!
والله إذا بلغ الإنسان إلى هذا المقام فليبكي على نفسه؛ لأن الله حرَمِه التوفيق، إذا جلست في مجالس العلم فرأيت قلبك لم يعي ذلك العلم، فابكِ على نفسك، فلعل ذنبًا حال بينك وبين ذلك الخير.
_________________
(١) ٧٥]) من حاضرة حلية طالب العلم، للشيخ محمد.
(٢) ٧٦]) (بتصرف) من دروس تفسير سورة النور، للشيخ محمد -وفقه الله-.
[ ٧٣ ]
ومما يعين الطالب على ضبط العلم: استشعاره أن كل حكمة يضبطها أنها قربةٌ وطاعةٌ لله تعالى، فيشفق على نفسه من أن تفوته فائدة واحدة يحفظها غيره وهو لم يحفظها، فلعله يقوم من المجلس وهو أرفع قدرًا عند الله ﷾ منه (١) [٧٧])، فيحرص على أن لا تفوته كلمة، ولا يفوته ضبط لمسألة أو تحليل لقاعدة في ذلك المجلس، وهذا من محبة الله للعبد، فإذا رأيت الله ﷻ يشرح صدر طالب العلم فلا تفوته كلمة، ولا تفوته نادرة، يضبط حق الضبط، ويحصل حق التحصيل، فاعلم أن الله سيبارك في علمه، ولذلك ما نبغ من السلف ولا أشتهر من الأئمة إلا من كان بهذه المثابة، وربما أتاهم الخبر أن للعالم فلانًا مجلسًا عُقد لحديث رسول الله ﷺ في مسجد كذا، فيتركون طعامهم، وينطلقون إلى ذلك العالم لضبط العلم، كل ذلك طلبًا لمرضاة الله.
_________________
(١) ٧٧]) من مقدمة شرح سنن الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله-.
[ ٧٤ ]
ولذلك بارك الله لهم، وألقى لهم المحبة بين الناس، ووضع لهم القبول بين عباده. نسأل الله العظيم أن يمنّ علينا بواسع رحمته (١) [٧٨]) .
وفي حديث أنس عن زيد في الصحيحين (قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية)، انظر إلى الدقة والهمة في ضبط المسائل والسنة.
وهذه خصلة طيبة في طالب العلم أن يكون دقيقًا في المسائل والنصوص، وهي أحظ في العلم وأكثر نبوغًا وفهمًا (٢) [٧٩]) .
_________________
(١) ٧٨]) ومما يستملح من الأخبار في الحث على ضبط العلم وحفظه ما وقع للإمام أبي حامد الغزالي فقد سافر الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ إلى جرجان وقرأ على كثير من علمائها وهو صغير، وكان يكتب تعليقات أستاذه في الفقه والفوائد التي أخذها منه وجمعها في كراريس سماها (التعليقة)، وقد كان يريد الاكتفاء بالكتابة دون الحفظ، غير أن هذا لقّنهُ درسًا قاسيًا، حيث قُطع عليه الطريق وهو في طريق عودته إلى طوس، وأخذ قطاع الطريق جميع ما كان مع القافلة بما فيه المخلاة –أي حقيبة أبي حامد التي كانت فيها تعليقته- وقد حكى أبو حامد هذه الحادثة فقال، فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم وقال: ويحك، ارجع وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد عليَّ تعليقتي فقط فما هي بشيء تنتفعون به، فقال: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة هاجرتُ لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟! ثم أمر بعض أصحابه فسلّم إليَّ المخلاة. قال أبو حامد: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قُطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي. طبقات الشافعية الكبرى (١/١٩٥) . نقلًا عن كتاب آداب طالب العلم، لابن رسلان (ص:١٥٤) .
(٢) ٧٩]) من دروس شرح كتاب عمدة الأحكام، للشيخ محمد –كتاب الصيام-.
[ ٧٥ ]