أن يترجم هذا العلم للواقع، أن يخرجه الإنسان من قرار القلب إلى القالب، ومن الأقوال إلى الأفعال، يتمسك به ويطبقه ويلتزمه. «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ» [الزخرف:٤٣] .
فإذا تعلم طالب العلم سنة أو حكمة، تمسك بها وعمل بها أشهد الله على أنه من أهلها، إن ترجمة العلم إلى الجوارح حياته، وكم من سنن أحييت لما خرج طلاب العلم فنشروها أمام الأمة بلسان الحال والمقال، قال الله تعالى عن علماء بني إسرائيل: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ» [السجدة:٢٤] .
بعض طلاب العلم الذين شرح الله صدرهم للعلم والعمل إذا رأيتهم ذكّرتك بالله رؤيتهم (١) [٦٥]) .
العمل بالعلم كمال للإنسان، وأعظم ما يعين على ضبط العلم ووضع البركة فيه.
قالوا في الحكمة: اعمل بالحديث مرة، تكن من أهله (٢) [٦٦]) . فمن عمل بما علم، ورّثه الله علم ما لم يعلم.
من الأخطاء أن يستهين الطالب بالسنة في التطبيق، يقول: هذا سنة وليس بواجب، نعم ليس بواجب ولكن في حق طالب العلم الذي ينبغي أن يكون أكمل وأحرص له شأن آخر، وليس العلم للحفظ، وإنما هو للعمل.
قال بعض السلف: (هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) (٣) [٦٧]) .
_________________
(١) ٦٥]) من محاضرة وصايا لطلاب العلم، للشيخ محمد.
(٢) ٦٦]) ذكره الشيخ حسن المشاط رحمه لله في رفع الأستار شرح طلعة الأنوار عن عمرو بن قيس الملائي ﵀ (ص:١٩٥) .
(٣) ٦٧]) رواه الحافظ ابن عبد البر ﵀ في الجامع، وصححه المحقق الزهيري برقم (١٢٧٤)، (ص:٧٠٧) . وروى نحوه عن علي بن أبي طالب ﵁ وابن المنكدر ﵀.
[ ٧٠ ]
ومن العمل الذي ينبغي لطالب العلم المواظبة عليه: أذكار الصباح والمساء والدخول والخروج والشدة والرخاء (١) [٦٨]) .
وأن يجعل له ورد من قيام الليل وصيام النهار، يتزود به، ويجعل له حظًا من تشييع الجنائز، وزيارة القبور، وعيادة المرضى (٢) [٦٩]) .
كذلك يحرص أن تكون بينه وبين الله حسنات لا يعلمها إلا هو ﷾، كالإحسان إلى الأيتام (٣) [٧٠])، والأرامل، وزيارة الضعفاء ومواساتهم، ونحوها من الأعمال الصالحة التي يبارك الله في حال الإنسان بسببها تستوجب له الدعوات المباركات، والمحبة من الله ﷾ (٤) [٧١]) . واقرأ في تراجم العلماء وسير الأئمة الذين مضوا –رحمة الله عليهم- تُحس بالهيبة والإجلال لهذا العالم؛ لأنه قرنَ القول بالعمل، حينما يقال: كان عالمًا في التفسير.. إمامًا في الحديث.. متواضعًا حليمًا، وكان كثير الإحسان.. كثير الصدقات.. كثير البكاء من خشية الله.. كثير قيام الليل وصيام النهار، تُحِسّ بأثره، وتنتفع بعلمه، لذلك أوصي أن يحرص طالب العلم على العمل الذي هو بركة العلم.
_________________
(١) ٦٨]) للمزيد من الحديث عن حال طالب العلم مع الذكر، راجع درس البلوغ –للشيخ جزاه الله خيرًا- عند شرح حديث عائشة (كان يذكر الله على كل أحيانه) .
(٢) ٦٩]) وتدبر كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية ﵀: (لابد للعبد من أوقات ينفرد فيها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته، وتفكره ومحاسبته لنفسه وإصلاح قلبه) اهـ. من الفتاوى (ص:١٠) نقلًا عن: كيف نتحمس لطلب العلم لأبي القعقاع محمد صالح آل عبد الله (ص:٨) .
(٣) ٧٠]) مقدمة درس شرح الترمذي، للشيخ محمد –حفظه الله.
(٤) ٧١]) قال ابن المبارك ﵀: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة! (السير٨/٩٧) .
[ ٧١ ]
كان زين (١) [٧٢]) العابدين -رحمة الله عليه- علي بن الحسين مع العلم والصلاح والعمل، كان إذا جنّ عليه الليل، لبس ثيابًا مبتذلة، وحمل على ظهره الطعام، ومضى به إلى بيوت الأرامل والأيتام، وهو إمام في زمانه، ولم يعلم أحد أن هذا هو زين العابدين، سليل بيت النبوة إلا بعد أن توفي، وفقدوا من كان يقرع عليهم بيوتهم بالصدقات في جوف الليل (٢) [٧٣]) .
وكان الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد الذي يقول فيه سفيان الثوري: (أمير المؤمنين في الحديث)، وكان يهابه ويجلّه، كان شعبة -رحمة الله عليه- لا يردّ سائلًا سأله، حتى إنه دخل عليه رجل وبكى واشتكى أن دابته فُقدت عليه، فسأله كم قيمتها، قال: ثلاثة دنانير، فأدخل يده في جيبه وقال: هذه ثلاثة دنانير، والله لا أملك غيرها (٣) [٧٤]) .
كانوا يُضحّون ويتصدق أحدهم بنصف ماله، بل ربما خرج عن ماله كله؛ لأن العلم إذا أثرّ انكسر القلب لله ﷻ، فلم يبال بالدنيا جاءت أم ذهبت، والذي ضرنا ركوننا إلى الدنيا.
فالأعمال الصالحة تقرب الإنسان من الله، وتزيده قربة منه ﷾، ولعله تصيبه دعوة تكون مستجابة عند الله ﷾.
وقلّ أن تجد عالمًا يحسن إلى الناس إلا وجدته في أعلى المراتب والقبول له كأحسن وأجمل ما يكون له القبول.
جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل، وهي مواقف تنبئ عن الرحمة بالمسلمين.