لإخوانك في طلب العلم حق عليك عظيم، وواجب تجاههم جسيم، ينبغي إذا آخيت طالب العلم أن تشعره بالمحبة والمودة، ويتخلل الصحبة شيء من الوفاء ومن النقاء ومن الصفاء، بعيدة عن محقرات الأمور التي تكون فيها النفرة وتفريق القلوب، وكان طلاب العلم في القديم ترى بينهم التواضع والألفة.
كنت أجلس عند الوالد، ويجلس غيري عند غيره، فإذا كان قبل أذان العشاء بما يقرب ربع الساعة انتهى درس الوالد ﵀، فيأتيني هذا من حلقة ذاك وذاك، فنجلس، والله لا نشعر بيننا بفرقة، ولا يَنْتَقِصْ أحد منا شيخ الآخر، كل منا يسأل الآخر: ما الذي قال شيخك؟ حتى يستفيد منه وحتى يأخذ عنه، وتجد القلوب كالقلب الواحد، والنفوس متآلفة متراحمة متعاطفة.
والله وَصَفَ العوام من المؤمنين بأنهم متراحمون، وأنهم متعاطفون، فطلاب العلم أولى بالاتصاف بهذه الخصلة منهم. والجفاء والإعراض هذا ليس من خلق طلاب العلم.
[ ٥٠ ]
فأخوة العلم من أعظم الأخوة في الله، فما أعظم هذا الدين، وما أجلّ رسالة رب العالمين، ما أجلّ هذا الدين الذي جمع بين عباد الله المفترقين، ما أعظم الإسلام الذي جعل المسلمين كالجسد الواحد يحس بعضهم بأحاسيس البعض، يعيش المسلم أشجان أخيه وأحزانه، فتجد المسلم في أقصى شرق الأرض يتألم لأخيه في أقصى الغرب، ولا يعرفه ولم ترَه عيناه، ولم تسمعه أذناه، ولكن يعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فيحبه لله، ويتألم لآلامه، يعيش ما يعيشه من أشجانه وأحزانه، ما أعظم هذا الدين، وما أعظم أثره على عباد الله المؤمنين، فمن واجب العلم ومن حقوق العلم على طلاب العلم أن يحفظوا حقوق إخوانهم المسلمين عمومًا، سيما طلاب العلم، قال بعض العلماء: إن أصدق وأجمل ما تكون الأخوة إذا كانت في طلب العلم، لماذا؟ لأنهم اجتمعوا على أقدس شيء وأفضل شيء، وهو الدين الذي يدور عليه قطب هذه الحياة. وما خلق الله السموات والأرض، ولا كان الحساب ولا العَرْض إلا من أجل هذا الدين الذي يتعلمونه، فأقدس رابطة ربطت بين المسلمين رابطة الدين، وأشرف رابطة بين المؤمنين رابطة العلم.
ولذلك قالوا في الحكمة: العلم رحم بين أهله، ينبغي لطالب العلم أن يحقق مع إخوانه الأخوة في الله، وذلك يتحصل بأمور:
أولها: أن يحب لإخوانه ما يحبه لنفسه، حتى يكون مؤمنًا حقًا.
[ ٥١ ]
ثانيها: إياك أن ينظر الله إليك تعادي طالب علم في غير حق، أو تحسده، أو تكنّ له البغضاء، أو تكنّ له الشحناء، أو تتربص به الدوائر، والله إذا علم منك ذلك سيكون لك بالرصد، فقد تعادي طالب علم حبيبًا من أحباب الله يعاديك الله بعداوته، فاتَّقِ الله وراقب قلبك، طالب العلم الصادق لسانه كقلبه، والذي في قلبه على لسانه لا يغش، لا يظهر بمظهر خلاف ما في باطنه، ولا يظهر في علانيته خلاف ما في سريرته، نقي السريرة، حتى كان ﷺ يقول: (دعوا لي أصحابي) (١) [٤٣])، يريد أن يخرج نقي السريرة. أوصيك يا طالب العلم من الليلة أن تجتهد، أن لا ينظر الله إلى قلبك وفيه غلّ على مسلم، فضلًا عن طالب العلم.
_________________
(١) ٤٣]) أخرجه الإمام أحمد والبزار رحمهما الله من حديث أنس ﵁، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة برقم (١٩٢٣) .
[ ٥٢ ]
وهنا أذكر قصة تعتبر عبرة من العبر، أذكرها وقد حضرتها، وكنت طرفًا فيها، طالب علم أعرفه فظًا غليظًا، كان معنا في الطلب، وكان هذا الطالب من أحسن ما يكون عليه طالب العلم جدًا واجتهادًا، فشاء الله في يوم من الأيام في نهاية العام أن جاءه طالب كثير الكسل والخمول، جاء إلى هذا المجد وقال له: يا أخي! أريد منك ملخصًا في مادة الأصول- وكان هذا يوم الأربعاء، والاختبار في يوم السبت-، فما كان من هذا الطالب المجد إلا أن نهره وكهره، واحتقره وازدراه وطرده من عنده. والله يا إخوان.. جاءني الطالب يريد الملخص ودمعه على خدّه من القهر، وأخبرني بما كان منه، فشاء الله أن أعطيته ملخّصي. فلما رجع من عنده قال: والله لقد دعوتُ عليه بالرسوب في المادة، لغلظته عليَّ وطردي، فشاء الله ﷿ أن جئنا في يوم السبت واختبرنا، فلما خرجتُ إذا بذلك الطالب المجد قد جاء متأخرًا وعلى عينيه النوم كالمذعور الخائف، نام عن مادة الأصول.. نعم يا إخوان، إنها عبرة، فمن حَرم الناس من العلم حرمه الله التوفيق، ولذلك يقول بعض العلماء في حديث الهرة: (إن الله أدخل النار امرأةً في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) . يقول: إذا كان الطعام والشراب، فكيف من حجب العلم عن أهله، فليتقِ الله طالب العلم، يتَّقِ الله ﷿ في حقوق العامة في العلم الذي عنده إذا جاؤوا يسألونه، وفي حقوق إخوانه وزملائه.
ولا نكن طلاب علم بحق إلا إذا كان بعضنا يشدّ من أزر بعض، وإذا كان طالب العلم أثناء العلم بخيلًا بالمعلومات، بخيلًا بالفائدة، بخيلًا ببذل العلم لإخوانه، فمتى يكون محدّثًا بذلك العلم؟ ومتى يبذل العلم للناس؟ فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يترفع عن الشح وعن سوء القصد بإخوانه.
[ ٥٣ ]
يا طالب العلم.. إنها والله أيام معدودة، وشهور معدودة، وسنوات معدودة، يفارق بعضنا بعضًا، فطوبى لطالب علم آخى إخوانه، نقي السريرة لله ﷿، ما نظر الله إليه يومًا من الأيام وقد أسكن في قلبه غلًا على أخيه، لا يتهم أحدًا، ولا يسيء الظن بأحد، يستجيب لله ﷿ ولوصية النبي ﷺ.
قال ﵊: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) (١) [٤٤]) .
ثالثها: أن تعامل إخوانك برفق؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، فما ازدان طالب العلم بشيء مثل الرفق، خاصة مع إخوانه، ويكون هذا الرفق نابع من المحبة والتقدير والإجلال.
رابعها: إذا لقيت أخاك، هُشّ له وبشّ، فهذه الابتسامة التي تستهين بها قد يثقل الله بها ميزانك، ويعظم الله بها أجرك، فإن البسمة الواحدة للعبد بها صدقة، قال ﷺ: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) (٢) [٤٥]) .
فلا يليق بطالب العلم أن يمرّ على إخوانه ولا يهشّ في وجوههم، ولا يسلم السلام الذي هو من دلائل الإيمان، ومن موجبات المحبة ودخول الجنان، كيف يقف طالب العلم غدًا أمام الناس يقول لهم: أفشوا السلام، وهو لا يُفشيه، ولذلك أول ما قدم النبي ﷺ على المدينة، والأوس والخزرج بينهم العداوة، أول ما قال: (أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (٣) [٤٦]) .
فإن أحببت أن تدخل الجنة بسلام، فأفش السلام، وهشّ لأخيك وبشّ.
_________________
(١) ٤٤]) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ٤٥]) رواه الإمام مسلم ﵀ من حديث أبي ذر ﵁.
(٣) ٤٦]) رواه الإمام الترمذي ﵀ من حديث عبد الله بن سلام ﵁، وصححه.
[ ٥٤ ]
يا طالب العلم! ما المانع إذا لقيت أخاك سلمتَ عليه وسألته عن حاله حتى لو لم تعرفه، تتواضع لله، وتأخذ بيديه وتقول له: كيف حالك؟ وما أخبار المسلمين في بلادك؟ تسأله عن همومه، عن أشجانه، عن أحزانه، فلعلك أن تفيده برأيك، ولعلك أن تنير طريقه باقتراحك، ولعلك أن تجد فيه خصلة توجب لك حبه، ولعلك أن تجد فيه كربة تفرجها عنه، فيفرج الله عنك كرب الدنيا والآخرة.
خامسها: الذي ينبغي التنبيه عليه أن يحفظ طالب العلم عورات إخوانه، سيما طلاب العلم، أما كوننا يجلس بعضنا مع بعض فنذكر أخًا بسوء أو قد يصل الأمر إلى التهمة في العقيدة أو التهمة في السلوك أو التصرف، فهذا أمر –والله- من الخطورة بمكان، فلعل الرجل يكون على أصلح ما يكون، تخرج منه الكلمة يؤذي بها المسلم يوجب الله ﷿ له بها غضبه، قالوا: يا رسول الله! هي تصوم وتصلي، غير أنها تؤذي جارتها، قال: (هي في النار) (١) [٤٧]) .
فاتقِ الله في لسانك، ما تغرّب طالب العلم ليتتبع عورات إخوانه، ما تغرّب طالب العلم لكي يشتغل بعيوب إخوانه، ما تغرب لكي يهوي به الشيطان إلى مكان سحيق، إلى رذائل الأفعال ورذائل الأقوال، ينبغي أن يترفع طالب العلم عن هذا، ولذلك قال الإمام ابن القيم ﵀ كلمةً عجيبة في كتابه الفوائد، يقول ﵀: (أخسر الناس صفقة من اشتغل بنفسه عن الله، وأخسر منه صفقة من اشتغل بالناس عن نفسه) (٢) [٤٨]) .
_________________
(١) ٤٧]) رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم، وصححه. والبزار وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه العراقي في تخريج الإحياء –رحمة الله على الجميع-، وهو في السلسلة الصحيحة (جـ١، رقم ١٩٠) .
(٢) ٤٨]) روى الإمام ابن عبد البر ﵀ في الجامع مثلها عن مالك رقم (١٦٩٨)، (ص:٩٠٦)، ط. الزهيري.
[ ٥٥ ]
أخسر الناس صفقة من اشتغل بنفسه عن الله، فجعل يعتني بمأكله ومشربه ومنظره، وأهدر ما بينه وبين الله ﷿، وأخسر منه صفقة من اشتغل بالناس عن نفسه. فاتقِ الله يا طالب العلم، اتقِ الله في إخوانك، فإن الله ﷿ يقول: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ» [النور:١٥]، لما تنقل الكلمة تقول: فلان من طلاب العلم يقولون فيه كذا وكذا، فقد غلت عنقك بين يدي الله، يَفُكُّكَ صدقك أو يغلّك لسانك.
إن نقل الشائعة تؤدي بك إلى كارثة قد توجب لك اللعنة، إن الله قد لعن من قذف المُحْصَنة، والمُحْصَنة قذفها في العِرض، فكيف تقذف مسلمًا في عقيدته؟ كيف تقذف عالمًا في عقيدته؟ في منهجه؟ في فكره؟ بمجرد ما تقول: فيه كذا وفيه كذا، هذه شهادة، والله ﷿ يقول: «سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ» [الزخرف:١٩]، «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» [ق:١٨] .
عليك نفسك فاشتغل بمعايبها ودع عيوب الناس للناس
والله، لو أن طالب العلم كان صادقًا في معاملته مع الله ﷿ لكانت عيوبه تبكيه، وتشغله عن القول والتكلم في عيوب الناس، وكان العلماء –﵏- إذا ذكر عندهم أحد بسوء، قرعوا من ذكره وأدّبوه وكهروه، ولربما في الله ﷿ عادوه.
[ ٥٦ ]
سادسها: ومن حقوق إخوانك عليك أخي في الله، ألا تنقل عنهم ما لا خير فيه، فهذا من النميمة، فإن نقل الكلام إلى العلماء بالطعن والتحريض على طلاب العلم، وإفساد قلوب العلماء على طلابهم نميمة وأي نميمة، إن النميمة بين عوامّ المسلمين توجب عذاب القبر، فكيف بالنميمة بين طلاب العلم، كيف بمن ينمّ الأخبار التي تفسد قلوب علمائهم، وتفسد قلوب مشائخهم عليهم، نسأل الله السلام والعافية. والله ما نقلت حديثًا فكان نميمة بين عبدين من عباد الله، إلا عُذّبْتَ به في قبرك شئتَ أم أبيتَ، فإن النبي ﷺ قال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله) (١) [٤٩]) .
_________________
(١) ٤٩]) متفق عليه من حديث ابن عباس.
[ ٥٧ ]
قاتقِ الله في هذا اللسان، كم من طالب علم يفضي إلى غرفته، أو إلى مجلسه، أو إلى منامه وقد غضب الله عليه بكلمة قالها في آخر، بل إن بعض أهل العلم -﵏- سمع رجلًا يتكلم في عالم من العلماء، فقال له: والله إني أخشى عليك سوء الخاتمة، وكان هذا الطالب يتتبع عورات العلماء، يقول هذا الرجل الذي ينقل لي القصة: والله لقد رأيت بعيني حالة موته، كانت على سوء والعياذ بالله، وهو من طلاب العلم، ولذلك الغريب أن الله ﷿ قد يمهل العبد، ثم ينتقم بالذنب الواحد ولو بعد سنوات، حتى إن بعض السلف، وهو محمد بن سيرين ﵀ أصابته ديون في آخر عمره، فقال: إني أعرف الذنب الذي أصبته، وأوجب لي هذا، قلتُ لرجل قبل أربعين سنة: يا مفلس، فابتلاني الله بالدين، قبل أربعين سنة ما تركها الله ﷿ له؛ لأنها في حق مسلم. بعض طلاب العلم يشتكي، يقول: لا أجد الخشوع، أسمع الآيات لا تؤثر في قلبي، وأسمع العظات لا تؤثر في قلبي، وأسمع كلام الله وكلام رسوله ﷺ لا أجد له أثرًا، لماذا؟ بسبب هذه الذنوب، فإن اللعنة إذا أصابت صحابها حرمته من رحمة الله والعياذ بالله، وذلك قول الله تعالى: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» [محمد:٢٣]، ولذلك استنبط بعض العلماء من هذه الآية أن كل ذنب فيه لعنة، إذا أصيب بها صاحبها لا ينتفع بموعظة، ولا ينتفع بعبرة، يعني لا يعتبر ببصره، ولا يعتبر بسمعه، نسأل الله السلامة والعافية، فاتقِ الله يا طالب العلم، اتقِ الله أن تصيبك لعنة بسبب الكلام في عالم من العلماء، أو في داعية إلى الله، أو في طالب علم، بل ينبغي أن يكون عندك ورع وخوف من الله ﷿، وإذا -لا قدّر الله- بُلي طالب العلم بشيء من ذلك، فإنه ينبغي عليه أن يبادر بالتوبة، فمن تاب، تاب الله عليه.
[ ٥٨ ]