فلا يجوز للإنسان أن يفتي في مسألة لم يتصورها بعد، أو يتصورها على كلام إنسان لا يحسن فهمها، ومن هنا أنبّه على ما يقع فيه كثير من طلاب العلم من الاستعجال في الفتوى قبل معرفة حقائق أمورها وملابسات مشاكلها ومعضلاتها، ولذلك تجد العلماء يكثرون المراجعة للسائل والاستفهام من السائل، والاستيضاح منه، حتى يكون حكمهم للنازلة عن تصور كامل، فإذا سئلتَ عن مسألة، واحتمَلَتْ أوجهًا، أو احتملت احتمالات متعددة، فلا تتعجل حتى تسأل السائل هل مراده كذا؟. أم مراده كذا؟. وقد يقع اللبس في كلام السائل، فيعطيك ألفاظًا محتملة، وقد يأتيك السائل وهو يرغب في التحريم أو يرغب في التحليل، فيعطيك ألفاظًا تعينك على التحليل أو تعينك على التحريم، فالعواطف والمؤثرات الخارجية لصيغة السؤال ضعها جانبًا، ولْينصبّ تصورك للسؤال بعينه، وأحسن فهم النازلة بذاتها، ثم بيّن حكم الله تعالى فيها، فحُسن التصور مهمّ، ولذلك أوصي طالب العلم إذا وجد اختلافًا بين العلماء في النوازل والمسائل أن ينظر على صيغة الأسئلة، فإنه سيجد للأسئلة وتصوير النازلة أثرًا عظيمًا في التأثير على المفتي.
ومن هنا أيضًا أنبّه على أنه إذا كان السائل يسألك عن شيء معين يعرفه المختصّون، فالأفضل أن تستبين ممن له خبرة وعلم بذلك التخصص، وأن لا تتعجل بحمل الجواب على ضوء إفادته قبل الرجوع إلى أهل الاختصاص.
وهنا أمور، منها: لو سألك عن أمر يتعلق بالأطباء، أو مسألة طبّيّة، فقال لك: يفعلون ويفعلون، فلا تتعجل، وتقول: الحكم كذا وكذا، قل: لا.. حتى أسمع من طبيب. يقول لك -مثلًا-: هناك عملية يموت فيها الإنسان، هل يجوز فعلها أو لا يجوز؟.
ليس من حقّ هذا السائل أن يصف العملية بكونها مفضية للهلاك أو مفضية للسلامة، فتقول: أنا لا أفتي في هذه العملية، وهذا التداوي أو هذا الدواء، حتى أسأل أهل الخبرة، هل الغالب فيه النفع، أو الغالب فيه الضرر؟.
[ ٨٧ ]
فهذا مثال للمسائل التي تحتاج للرجوع إلى أهل الخبرة، ولذلك تجد بعض العلماء الأجلاء كان إذا سئل عن المسألة قال: يسأل عن ذلك أهل العلم به.
انظر إلى الإمام النووي في (المجموع) -لما اختلف العلماء في الريق الخارج من الفم أثناء النوم، هل هو نجس أم طاهر؟. على وجهين مشهورَيْن: من يقول: إنه خارج من المعدة، فهو فضلة تأخذ حكم الفضلة النجسة، ومن قال هو خارج من الفم، يعطيه حكم المخاط والبصاق؛ لأنها فضلة طاهرة-.
قال الإمام النووي: فإني سألت الأطباء فقالوا: إنه من الفم، وعليه فليس بنجس. والطب الحديث يؤكد أنه من الغدد اللعابية.
فلما رجع إلى أهل العلم والخبرة بالشيء كفى المؤونة، فلذلك يرجع في الفتاوى والمسائل إلى أهل كل اختصاص.
النقطة الثانية: بالنسبة لحكم النازلة يحتاج المفتي في حكم النازلة أن يكون ذا اجتهاد.
فأحق من يُستفتى في النوازل أهل الاجتهاد، وإذا وجد المجتهد وغير المجتهد، فالفتوى بالمجتهد ألزم وألصق وآكد.
حتى إن بعض العلماء يرى أن النوازل التي يجتهد فيها يحرم الرجوع فيها إلى غير المجتهدين، ومن هنا تدرك خطأ كثير من طلاب العلم يتعاطفون مع المسائل النازلة قبل أن يسألوا العلماء.
وتجد هذا يقول لك: هي حلال لكذا وكذا، وهذا يقول: هي حرام لكذا وكذا، وهذه جرأة على الله في الفتوى، وهي من المزالق التي جعلت كثيرًا من طلاب العلم يجدون الهمّ والغمّ وعدم التوفيق في طلب العلم.
ولذلك قال ﷺ: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله ما يتبيّن فيها، يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) (١) [٩٤]) . ومن غضب الله أن يفتي فيما هو ليس بأهل له، فيحل ما حرّم الله ويحرّم ما أحل الله.
_________________
(١) ٩٤]) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم -﵏- من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (من سخط الله) .
[ ٨٨ ]
الاجتهاد الذي هو سلاح النوازل، والذي هو حلّ المشكلات والمعضلات، ولذلك قالوا: أبلغ العلم الاجتهاد، وكم من أئمة من السلف -رحمة الله عليهم- ما أفتوا حتى شابت رؤوسهم، وقلّ أن يوجد غيرهم فحينئذٍ تعينت عليهم الفتوى فأقدموا، لذلك لا يجوز أن يفتي في مسألة اجتهادية لا يعلمها، واعتبره العلماء من كبائر الذنوب: «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ» [البقرة:١٦٩]، فالقول على الله بدون بيّنة أو حجة أو سلطان هلاك، قال الله تعالى يخاطب نبيّه: «قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» [الأنعام:٥٧]، قالوا: (مِنْ رَبِّي) هي الحجة والدليل من الكتاب والسنة، فلا يجوز لأحد أن يجتهد وهو لم يبلغ درجة الاجتهاد، فمشاكل المسلمين العامة التي يتعلق بها مصير الأمة، لا يجوز أن تقول: حكمها كذا، هذه لها أهلها ومجامعها، إنها مشكلات والله لو عرضت على أئمة علماء من السلف لرعدت فرائصهم من خشية الله أن يتكلموا فيها؛ لأنها تحتاج إلى دراسة واستبيان واستقراء لدليل الكتاب والسنة، حتى يُفتي فيها.
فالتعجل في الفتوى دون علم آفة عظيمة، ولا يجوز لأحد أن يفتي فيما لا علم له، قال تعالى: «قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» [ص:٨٦]، قالوا: من التكلف الإفتاء فيما لا علم للإنسان به.