المَعْلَمَ الأول: الإخلاص في النية.
المَعْلَمَ الثاني: البصيرة وضبط العلم.
المَعْلَمَ الثالث: تحصيل الورع.
المَعْلَمَ الرابع: معرفة المصالح والمفاسد المترتبة على الفتوى.
المَعْلَمَ الخامس: تحصيل الخشية من الله.
المَعْلَمَ السادس: معرفة حال المستفتي.
تمهيد: في أهمية مقام الفتوى
الحديث في هذه (الأسطر) (٢) [٨٦]) عن ثغر من ثغور الإسلام، تبيِّن به الشريعة والأحكام (٣) [٨٧])، عن ذلك الثغر العظيم الذي تولى الله -جل وعلا- أمره من فوق سبع سماوات، ألا وهو الفتيا.
_________________
(١) ٨٥]) رواه الحافظ أبو خيثمة ﵀ في كتاب العلم بتحقيق الشيخ الألباني ﵀ (ص:٢١)، ط. المكتب الإسلامي.
(٢) ٨٦]) في الشريط: (اللحظة المباركة) .
(٣) ٨٧]) هذا الفصل أخذ من محاضرة (من أحكام الفتوى)، للشيخ محمد، ألقيت بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية.
[ ٧٨ ]
هذا الثغر الذي تتعطش الأمة في كل زمان ومكان إلى أهله ورجاله، الذين نور الله قلوبهم بالعلم، وشرح صدورهم بالعلم والحكمة والإيمان، فجعلهم به هداة مهتدين، يقولون الحق وبه يعدلون، هذا المقام العظيم الذي يقوم به المسلم مبلّغًا لشرع الله ودين الله ﷿، فما أشرفه من مقام، وما أعظمه من ثغر جليل المرام، يوم يقف الإنسان لكي يبيّن الحلال والحرام ويفصّل الشريعة والأحكام، على نور من الله وهدى من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
ولذلك أخبر الله جل وعلا أنه تولى هذا المقام العظيم بنفسه، فقال في كتابه الكريم: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ» [النساء:١٧٦]، يوم نزلت هذه النازلة برسول الأمة ﷺ، فتولى الله جوابها وحلها ودفع إشكالها، وقد تقلدها رسول الأمة ﷺ حين بين حلال الله وحرامه، وشرعه ونظامه، فهدى الله به الأمة إلى حكم الله في النوازل والمشاكل، ثم خلفه ﷺ في هذا الثغر العظيم والمقام الجليل الكريم، أصحابه الكرام ﵃ أجمعين.
فكانوا أئمة هداة مهتدين، يسيرون على نهجه ﷺ قولًا وعملًا واعتقادًا، ثم تبعهم التابعون لهم بإحسان كلما مضى لهم جيل، تبعه على ذلك النهج جيل، فهم على أوضح حجة وأبين سبيل، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير ما جزى به عاملًا عن عمله، وما زالت الأمة بخير ما قام علماؤها بهذا الثغر، ولا تزال الأمة بخير مادام قد وجد فيها من يبيّن الحلال والحرام، ويفصّل الشريعة والأحكام، يلتزم بذلك المنهج المفضي إلى الجنة دار السلام، ولو لم يكن لفضل الفتوى إلا عظيم البلوى لكفاها شرفًا وفضلًا.
فإن العلماء –﵏- يقولون: يستدل على فضل الشيء بعظيم أثره في الناس.
[ ٧٩ ]
فكم أُحيي من سنن المرسلين، وأُميتَ من بدع المضلين، حين تقلد الفتوى أئمة الدين، وكم انتشر من البدع والأهواء، وتنازعت الناس السبل، بسبب ضياع هذا الثغر العظيم.
ولذلك عدّ النبي ﷺ هذه الرزية العظيمة حين قال: (حتى إذا لم يَبقَ عالمٌ، اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (١) [٨٨]) .
فما أعظمها من مصيبة على الأمة إذا تقلد الجهال هذا المقام، وما أعظمه من شرف، وما أجلّها من نعمة إذا وجد في الأمة العالم البصير الحاذق الذي يعرف حكم الله ﷾ في النوازل والمشاكل.
وقد تسفك الدماء، وتنتهك الأعراض بسبب الخلاف في مسألة من مسائل الدين، حين لا يستطيع الناس أن يجدوا من يفصل بينهم في نازلة من النوازل.
فإن النفوس تحب الأموال، وقد تحب المناصب والمراتب، فيتنازع الناس في حلالها وحرامها، فيعيش الناس حياة الفوضى، حتى يأتي ذلك العالم البصير الخبير لكي يخبر عن حكم الله الحكيم الخبير في هذه النازلة، التي لولا أن الله لطف وهيأ لهم هذا العالم لانتهت بالناس إلى شرّ عظيم وبلاء عميم.
فالفتوى لها فضل عظيم. قال العلماء: إن الإنسان إذا تقلد الفتوى أجر على علمها والعمل بها.
فتصور أخي طالب العلم إذا خرجتَ إلى أمتك وقمتَ على هذا الثغر في بلدك، فأصبحت الناس تصدر عن رأيك في الحلال والحرام، يعملون به آناء الليل وأطراف النهار، وأجور امتثالهم لأمر الله في صحيفة عملك.
_________________
(١) ٨٨]) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وعائشة - ﵄ -.
[ ٨٠ ]
ولذلك ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (أن الرجل ينصب له ميزانه يوم القيامة، فتأتي أعمال كالغمامات، فيقول: يا رب.. ما هذا؟ يقال: سنن دعوتَ إليها، كتب لك أجر من عمل بها) (١) [٨٩]) .
فهذا عضل عظيم، وكم من كُرُبات تفرّج بالفتوى بإذن الله ﷿، يأتيك السائل في ظلمات الليل قد قال لامرأته كلمة لا يدري أهي حلال، فيعيش معها ويبيت معها، أم هي حرام، فلا يستقرّ قراره حتى يسألك فتفتيه عن حكم الله ﷿.
ويأتيك الرجل قد ضاقت عليه الأرض بما رحبت في مال لا يدري أحلال فيطعم، أو حرام فيجتنب ويحجم، حتى تبيّن له حكم الله ﷿ في ذلك.
فالفتوى مقام عظيم، ولذلك تشرّف به العلماء وزادوا به شرفًا وفضلًا حينما جاءهم الجليل والحقير والسوقةُ والأمير لكي يعرف حكم الله جلّ وعلا عنده، فالناس كلهم محتاجون إلى المفتي، علت مناصبهم أم نزلت، شرفت مراتبهم أو أهينت، كلهم محتاجون إلى حكم الله تعالى الذي يبينه المفتي، ولذلك تشرف به العلماء، حتى أثر عن بعضهم أنه تقلد الفتوى ما لا يقلّ عن أربعين عامًا، فلما حضرته الوفاة بكتْ ابنته، فقال لها: أتبكي عليّ وأربعون عامًا أوقع عنه، يعني: أتسيئين الظن أن الله يخيّبني وأنا أربعون عامًا أسد ثغر الفتوى لأهل الإسلام.
_________________
(١) ٨٩]) لم أجده، وروى الحافظ ابن عبد البر في الجامع أثرًا في معناه موقوفًا على إبراهيم النخعي برقم (٢٢٤) . انظر الجامع (ص:٢٠٩)، تحقيق الأستاذ الزهيري.
[ ٨١ ]
ولازم هذا أن لكل مقام عظيم، وكل منصب جليل كريم يحتاج صاحبه لبلوغه أن يدفع الثمن، وأن يبذل المقابل والعوض، وكون الإنسان متحملًا لأمانة الفتوى يستوجب عليه ذلك أن يكون على صفات وأخلاق وآداب تليق بمثله أن يُبلِّغ عن الله ﷿ شريعته، وأن يبين حكمه، ولذلك تكلم العلماء عن آداب المفتي وشروطه، وأهليته، وما ينبغي أن يراعيه، فنسأل الله العظيم أن يشرفنا وإياكم بهذا المقام العظيم، وأن يرزقنا فيه الإخلاص.
لهذا المقام (معالم) وأمور يوصَى بها طالب العلم: