فإن المجتمع المتأدب بآداب الاستئذان من أبعد المجتمعات عن الشرور بإذن الله فبالاستئذان تحفظ العورات فإنما جعل الاستئذان من أجل البصر كما ورد عنه - ﷺ - في الحديث المتفق عليه (١) ومن هذه الآداب والأحكام ما يلي:
أ- دل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، على وجوب الاستئذان وعلى تحريم دخول إنسان بيت غيره حتى
_________________
(١) صحيح البخاري (٥/ ٢٣٠٤) صحيح مسلم (٣/ ٦٩٨).
[ ١٣ ]
يستأذن (١).
ب- الاستئذان يكون ثلاث مرات يقول في كل مرة السلام عليكم أأدخل؟ كما دل عليه حديث أبي موسى الأشعري في استئذانه على عمر - ﵁ - حيث قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع» (٢).
«وذكر ابن حجر أن التنحنح ونحوه يقوم مقام السلام لكن والله أعلم أن الأظهر أن السلام هو المشروع وهو معنى تستأنسوا كما دل عليه فعل الرسول - ﷺ -؛ حيث إنه استأذن على سعد بن عبادة فقال: «السلام عليك ورحمة الله فعل ذلك ثلاثًا ثم لمَّا لم يجب رجع» (٣).
ج- إذا تحقق المستأذن من سماع أهل البيت استئذانه ولم يجيبوه عليه أن يرجع.
د- كان رسول الله - ﷺ -: إذا أتى باب قوم لم
_________________
(١) أضواء البيان: (٦/ ١٦٩).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٠٥) ومسلم (٣/ ١٦٩٤).
(٣) أضواء البيان: (٦/ ١٧٣) تحفة الأحوذي (٧/ ٤٢٢).
[ ١٤ ]
يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: «السلام عليكم » (١).
هـ- كذلك: «إذا قال له صاحب البيت من أنت فالسنة أن يذكر اسمه ويفصح عنه كما في حديث جابر حيث يقول: «أتيت النبي - ﷺ - في ديْن كان على أبي فدققت الباب فقال: «من ذا؟» فقلت أنا، فقال: «أنا أنا» كأنه كرهها» (٢).
و- قال الإمام الشنقيطي ﵀: «اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر وذلك لا يحل له». انتهى كلامه (٣).
ولقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع كان ابن عمر - ﵁ - إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن (٤)، ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: «أأستأذن على
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٧٦٨).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٠٦) ومسلم (٣/ ١٦٩٧).
(٣) أضواء البيان: ٦/ ١٧٨.
(٤) الأدب المفرد (١/ ٣٦٤).
[ ١٥ ]
أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تريد أن تراها» وسأل رجل حذيفة: «أأستأذن على أمي فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره»، وكذا روي عن ابن عباس ﵄ - وابن مسعود وطاوس وغيره (١).
إذًا فالواجب على كل مسلم التأدب بهذا حتى مع أقرب الناس إليه من أمه وابنته وأخته وغيرهنَّ من المحارم، لأن ذلك من أعظم الوسائل لحفظ العورات والفروج لكن الزوج مع زوجته لا يجب عليه ذلك لأن بينهما من الأحوال ما ليس بين غيرهما.
وسئل عطاء - ﵁ -: «أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا لكن الأولى أن يُعْلِمها بدخوله ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها، ذكر ذلك ابن كثير، وقال: إن امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه» قال: وإسناده صحيح (٢).
ز- بل ومن أجل المحافظة على حقوق الناس وعوراتهم والمحافظة على المجتمعات من الفساد والانحراف جاز لصاحب البيت إذا وجد أحدًا ينظر
_________________
(١) تحفة الأحوذي (٧/ ٤٠٦).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٧٢).
[ ١٦ ]
إلى بيته أن يفقأ عينه التي نظر بها قال - ﷺ -: «لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح» (١)، وقال - ﷺ -: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد جاز لهم أن يفقؤوا عينه» (٢).
قال الإمام البخاري في صحيحه: «باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له» (٣).