وضوعات سلوكية
يتضمن هذا القسم نماذج مختصرة لموضوعات سلوكية صفات أخلاقية لأهل السنة، وإذا كان القسم الأول يعدّ تنظيرًا وعلمًا، فإن هذا القسم يعدّ تطبيقًا وعملًا، ولذا سنورد في هذا القسم أمثلة واقعية وأحداثًا عملية من حياة السلف الصالح، كما نذكر ما أثر عنهم من مقولات جامعة ونافعة في بعض جوانب السلوك، لعل الله تعالى أن يجعل ذلك حافزًا على التأسي بهم والسير على نهجهم، وكما قال حمدون القصار: «من نظر سيرة السلف عرف تقصيره وتخلُّفه عن درجات الرجال» (١) ١.
«وذكر عند مخلد بن الحسين أخلاق الصالحين» فقال:
لا تعرضنَّ لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد (٢)
_________________
(١) صفة الصفوة ٤/ ١٢٢.
(٢) المرجع السابق ٤/ ٢٦٦.
[ ٤٩ ]
أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق
من الصفات السلوكية المهمة لأهل السنة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدي وأتباع، وأرباب عمل وإقتداء، ومن ثم كانوا أعلم الناس بالحق – حيث يقبلون الحق حيث كان ومع من كان – وأحرص الناس على تبليغ الدين والدعوة إليه، ومنابذة أهل الأهواء والبدع،وفي نفس الوقت فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحًا.
يقول ابن تيمية في هذا المقام:
" وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: ﴿كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق" (١١) .
ويقول ابن رجب في هذا الصدد:
"كان خلفاء الرسل وأتباعهم من أمراء العدل وأتباعهم وقضاتهم لا يدعون
_________________
(١) الرد على البكري ص ٢٥٦، ٢٥٧.
[ ٥٠ ]
إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية والإلهية ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده.
وكانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى الله ويتحملون في تنفيذ أوامر الله من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك، كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول لأبيه في خلافته: إذا حرص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت ُ أني غلت بي وبك القدور في الله ﷿، وقال بعض الصالحين (١) .: وددت أن جسمي قُرِض بالمقاريض وأن هذا الخلق كلهم أطاعوا الله ﷿ " ومعنى هذا أن صاحب هذا القول قد يكون لحظ نصح الخلق والشفقة عليهم من عذاب الله بأذى نفسه، وقد يكون لحظ جلال الله وعظمته وما يستحقه من الإجلال والإكرام والطاعة والمحبة، فود أن الخلق كلهم قاموا بذلك وإن حصل له في نفسه غاية الضرر " (٢) .
إن التزام أهل السنة بالعلم والعدل أورثهم هذه الخصلة الرفيعة، فمسلك أهل السنة قائم على العلم والعدل لا الجهل والظلم، حتى كان أهل السنة لكل طائفة من المبتدعة خير من بعضهم لبعض " بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض. وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون أنتم تنصفونا ما لا ينصف بعضنا بعضًا" (٣) .
لقد تلقي أهل السنة هذه الصفة الحميدة من صاحب الخلق العظيم نبينا محمد ﷺ أعلم الناس بالحق وأعظم الناس رحمةً ورأفة، فمن أجل إظهار الحق بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق
_________________
(١) هو زهير بن عبد الرحمن البابي،وانظر حلية الأولياء ١./١٥. .
(٢) شرح حديث «ما ذئبان جائعان» ص١٩، وانظر جامع العلوم والحكم ٢/٢٥٥.
(٣) منهاج السنة النبوي في نقض كلام الشيعة والقدرية ٥/ ١٥٧.
[ ٥١ ]
جهاده، ومن أجل نصرة الحق نجده ﷺ يغضب أشد الغضب فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، وكذلك حين رأى بعض أصحابه – ﵃ – يتخاصمون قي القدر، ثم قال: " مهلًا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذّب بعضه بعضًا، وإنما نزل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه " (١) ١.
ومع ذلك كله فقد كان ﷺ هو الرحمة المهداة، قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ .
وعن عائشة ﵂ قالت: ما خير رسول الله صلى اله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثمًا، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها (٢) .
وتأمل – أخي القارئ – ما لقيه ﷺ من أنواع الأذى في سبيل دعوته ونصحه للخلق، ولما سألته عائشة ﵂ قائلة: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد، فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذا عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٨١، ١٩٥، وابن ماجه ح (٨٥) .
(٢) أخرجه البخاري، ك المناقب ح (٣٥٦.)، ومسلم، ك الفضائل ٥ح (٢٣٢٧) .
[ ٥٢ ]
عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله ﷺ: " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " (١) .
بل إن الرحمة بالخلق والتمسك بالحق خصلة من خصال الأنبياء كما هو ظاهر في قصصهم ﵈، ومثال ذلك ما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ حيث قال: كأني انظر إلى النبي ﷺ يحكى نبيًا من أنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون (٢) .
ولقد سار سلف الأمة على ذلك، فهذا أبو أمامة الباهلي ﵁ يقول الحق ويرحم الخلق ن فإنه لما رأى سبعين رأسًا من الخوارج وقد جزت تلك الرؤوس ونُصبت على درج دمشق، فقال ﵁ إعلامًا بالحق: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء.
ثم بكى قائلًا: بكيت ُ رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام (٣) . ١
وكان أويس القرني – ﵀ – إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضْل من الطعام والشراب، ثم يقول: اللهم من مات جوعًا فلا تؤخذني به، ومن مات عريانًا فلا تؤاخذني به (٤) .
وكان عمر بن عبد العزيز – ﵀ – يقول: يا ليتني عملتُ فيكم بكتاب الله وعملتم به ن فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شئ منها خروج نفسي (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري،ك بدء الخلق، ح (٣٢٣١)، ومسلم ن ك الجهاد ح (١٧٩٥) .
(٢) أخرجه البخاري ك بدء الخلق،ح (٣٢٣١)، ومسلم، ك الجهاد ح (١٧٩٥) .د
(٣) أنظر تفصيل ك أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧)، ومسلم ح (١٧٩٢)
(٤) صفة الصفوة ٣/ ٥٤.
(٥) انظر جامع العلوم والحكم ١/ ٢٢٣.
[ ٥٣ ]
وقال الفضيل بن عياض – ﵀ -: إني لأستحي من الله أن أشبع حتى أرى العدل قد بسط، وأرى الحق قد قام (١) .
وهذا الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل – ﵀ – يثبت على كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فيقول بكل يقين: القرآن كلا الله غير مخلوق، ويصبر الإمام على ما أصابه من أنواع الإيذاء والفتنة من قبل رؤوس المعتزلة – آنذاك – ومن تبعهم من خلفاء كالمأمون والمعتصم والواثق.
" ولما جاءه أحدهم وهو في السجن فقال: الإمام أحمد: عن كان هذا عقلك فقد استرحت " (١) .
ومما قاله الإمام الذهبي – ﵀ – في شأن محنة الإمام احمد:
" الصدع بالحق عظيم، يحتاج إلى قوة وإخلاص، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به ن والقوي بلا إخلاص يخذل، فمن بهما كاملًا، فهو صديق، ومن ضَعُف فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب، وليس وراء ذلك إيمان، فلا قوة إلا بالله " (٢) .
وبقد كان الإمام أحمد بن حنبل رجلًا لينًا، لكن رأى الناس يجيبون ويعرضون عن الحق، عندئذ ذهب اللين، وانتفخت أوداجه واحمرت عيناه (٣) .
ومع ذلك البطش والجلد والسجن ففي حل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق – يعني المعتصم – في حل، ورأيت لله يقول: ﴿وليعفو اويصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله
_________________
(١) حلية الأولياء ٨ / ١.٨.
(٢) سير أعلام النبلاء ٩ / ٢٣٤.
(٣) المرجع السابق ٩ / ٢٣٨.
[ ٥٤ ]
لكم﴾ وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، - ثم قال – وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك؟ " (١) .
وهناك مثالًا لآخر لأئمة أهل السنة، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر عقيدة السلف الصالح، ويجاهد بلسانه وسنانه طوائف الزيغ والانحراف، فيرد على أهل الكتاب، ويقمع أكاذيب الباطنية، ويناظر الصوفية وأهل الكلام وكل ذلك من أجل بيان الحق وتبليغه.
وفي نفس الوقت فقد كان ﵀ من أعظم الناس شفقة وإحسانًا، وإليك المشاهد الدالة على ذلك:
يقول تلميذه البار ابن القيم: " جئت يومًا مبشرًا له (أي لابن تيمية) بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له " (١٢) .
ولما مرض ابن تيمية – مرض الوفاة – دخل عليه أحدهم فاعتذر له، والتمس منه أن يحلله فأجابه الشيخ: «إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق. وإني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي، كونه فعل ذلك مقلدًا غيره.." (٣) .
وقال أحد خصومه – ابن مخلوف -:" ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا " (٤) .
أخيرًا أدعو إخواني إلى ضرورة معرفة الحق ورحمة الخلق، وأن نهتم بتحقيق العلم والعدل في هذا الشأن، وأن نسعى جادين صادقين إلى تحقيق منهج أهل السنة عقيدة وسلوكًا والله المستعان.
_________________
(١) المرجع السابق ٩ /٢٦١، وانظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٢٢١
(٢) مدا رج السالكين ٢/ ٣٤٥.
(٣) الأعلام العلية ص ٨٢.
(٤) البداية والنهاية ١٤ / ٥٤.
[ ٥٥ ]