٤- من المعالم المهمة في باب السلوك: مراعاة أحوال المكلفين، وتحقيق الجانب الواقعي الإيجابي،
والابتعاد عن المثالية والسلبية، والاعتناء بالجوانب العملية بعيدًا عن الاشتغال فيما لا تحته عمل (٥) .
_________________
(١) هذا المعلم وثيق الصلة بالوسطية وبينهما تداخل ن لكن لأهميته أفردت له مبحثًا.
[ ٣٤ ]
وإليك بيان هذا المعلم من خلال ما يأتي:
أ - من سمات السلوك الشرعي: مراعاة أحوال المكلفين وقدراتهم وطبائعهم، والاهتمام بالجانب الواقعي الإيجابي
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا " (١) .
يقول الحافظ ابن حجر: " قوله: -سددوا) معناه: اقصدوا السداد أي الصواب، وقوله "وقاربوا " أي لا تفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرطوا " (٢) . ١
إن من مزايا هذا الدين وخصائصه: مراعاة أحوال المكلفين، وملائمة طبيعة الإنسان ن بقوته وضعفه، ونوازعه ومشاعره.
وقد أشار ابن القيم إلى هذه (الواقعية) بقوله:
" لما كان العبد لا ينفك عن الهوى مادام حيًا، فإن هواه لازم له، كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، لكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، مثاله أن الله ﷾ لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة، بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة على أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل على محل، وكانت الريح دبورًا فاستحالت صبًا، وكذلك هوى الظفر والغلبة والقهر، لم يأمر بالخروج عنه، بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه، وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره مما يمرنه ويعده للظفر " (٣) .
_________________
(١) أخرجه البخاري ح (٦٤٦٣) .
(٢) فتح الباري ١١/ ٢٩٧، ٢٩٨- باختصار.
(٣) روضة المحبين ص١١، وانظر الاستقامة لابن تيمية ٢/١٥٦، والاعتصام للشاطبي ١/٢٧٣،٢٧٤.
[ ٣٥ ]
ولقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز – ﵀ – مدركًا لهذا الأمر، فلما قال له ابنه عبد الملك: يا أبة ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل فوالله ما كنت أبالي ولو غلت بي وبك القدور في ذلك. فقال عمر: يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب. إني لأريد أن احيي الأمر من العدل فأوخره حتى اخرج معه طمعًا من الدنيا فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) (١) .
وللحسن البصري مقالة نفسية في هذا المقام، نوردها بتمامها حيث يقول ﵀:
"إن هذا الدين دين واصب، وأنه من لا يصبر عليه يدعه، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف، وكان يقال: ليأخذ أحدكم من العمل ما يطيق، فإنه لا يدري ما قدر أجله، وإن العبد ركب بنفسه العنف، وكلف نفسه ما لا يطيق أوشك أن يسيِّب ذلك كله، حتى لعله لا يقيم الفريضة، وإذا ركب نفسه التيسير والتخفيف وكلف نفسه ما تطيق كان أكيس وأمنعها من هذا العدو، وكان يقال شر السير الحقحقة (٢) " (٣) .
وهذا أبو حازم سلمة بن دينار – ﵀ – يقر هذه "الواقعية" فيجمع بين موافقة الفطرة وملائمة نوازع الإنسان، مع الاعتناء بترويض النفس وتهذيبها على طاعة الله تعالى " فلما جاء رجل لأبي حازم وقال: إني لأجد شيئًا يحزنني. قال أبو حازم: وما هو يا ابن أخي؟ قال: حبي الدنيا. فقال لي: اعلم يا ابن أخي إن هذا الشئ ما أعاتب نفسي على حب شئ حببه الله تعالى إلي، لأن الله ﷿ قد حبب هذه الدنيا إلينا ولكن لتكن معاتبتنا أنفسنا في غير هذا،
_________________
(١) الزهد للإمام أحمد ص ٣.. والحليلة ٥/ ٢٨١، ٢٨٣، ٣٥٤، وانظر الموافقات للشاطبي ٢/٩٤.
(٢) الحقحقة: المتعب من السير.
(٣) الزهد لابن المبارك ص ٤٦٨.
[ ٣٦ ]
أن لا يدعونا حبها إلى أن نأخذ شيئًا من شئ يكرهه الله، ولا أن نمنع شيئًا من شئ أحبه الله، فإذا نحن فعلنا ذلك لا يضرنا حبنا إياها " (١) . ١
وقد أعرض طائفة من الصوفية عن تلك الواقعية في الإنسان، فلم يلتفوا إلى نوازع الإنسان وغرائزه، وخالفوا الفطرة السوية، ولذا تعذر عليهم قمع تلك الغرائز، ثم انتكسوا إلى الإغراق في الشهوات والإباحة.
ولقد تحدث ابن الجوزي عن هذا الصنف مبينًا سبب انحرافهم فقال: " إن قومًا منهم وقع لهم أن المراد رياضة النفوس لتخلص من اكدارها المردية، فلما راضوها مدة ورأوا تعذر الصفاء، قالوا: مالنا نتعب أنفسنا في أمر لا يحصل لبشر، فتركوا العمل. وكشف هذا التلبيس أنهم ظنوا أن المراد قمع ما في البواطن من الصفات البشرية مثل قمع الشهوة والغضب وغير ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خُلقت الشهوات لفائدة، إذ لولا شهوة الطعام هلك الناس، ولولا شهوة النكاح انقطع النسل، ولولا الغضب لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يؤذيه، وإنما المراد من الرياضة كف النفس ما يؤذيه، وإنما المراد الرياضة كف النفس عن الهوى، وإنما تنتهي عما تطلبه، ولو كان طلبه قد زال عن طبعها ما احتاج الإنسان إلى نهيها، وقد قال الله ﷿: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ (آل عمران، آية ١٣٤) . وما قال: والفاقدين الغيظ، والكظم رد الغيظ.. " (٢) .
إضافة إلى ذلك فإن بعض أرباب الزهد والسلوك قد أهملوا هذا الجانب لواقعي، وحملوا أنفسهم ما لاقبل لهم به، حيث قالوا كلمات لم يفكروا في عواقبها وآثارها.
_________________
(١) الحلية لأبي نعيم ٣/ ٢٤٤، وانظر الرعاية للمحاسبي ص٢٤٩.
(٢) تلبيس إبليس ص ٤١٥، وانظر ص ٢٩٩.
[ ٣٧ ]
كما يُذكر عن سمنون المحب أنه كان يقول:
وليس لي في سواك حظ
فكيف ما شئت فاختبرني
فأخذ الأسْر من ساعته، أي حُصِر بوله، فكان يدور على المكاتب ويفرِّق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذّاب.
وفي رواية أنه قال: يارب قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتُبس بوله أربعة عشر يومًا، فكان يتلوى
كما تتلوى الحية على الرمل، يتلوى يمينًا شمالًا، فلما أطلق بوله قال: يا رب تبت إليك (١) .
يقول ابن تيمية معلقًا على هذه الحكاية وأمثالها:
"وهذه الكلمات التي تصدر عن صاحب حال لم يفكر في لوازم أقواله وعواقبها لا تجعل طريقة ولا تتخذ سبيلًا، ولكن قد يُستدل بها على ما لصاحبها من الرضا والمحبة ونحو ذلك، وما معه من لتقصير في معرفة حقوق الطريق..
والرسل صلوات الله عليهم أعلم بطريق سبيل الله وأهدى وأنصح، فمن خرج عن سنتهم وسبيلهم كان منقوصًا مخطئًا محرومًا.
ويشبه هذا الأعرابي الذي دخل عليه النبي ﷺ وهو مريض كالفرخ فقال: هل كنت دعوت الله بشئ؟ فقال: سبحان الله لا تستطيعه – أو لا تطيقه – هلاّ قَلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (٢") (٣) ١ ".
حرص السلف الصالح على ما ينفع، فاشتغلوا فيما تحته عمل، واجتهدوا في طاعة الله تعالى والإتباع، وانقادوا لشرع الله وحكمه، دون الخوض في
_________________
(١) انظر حلية الأولياء ١./ ٣.٩، ٣١.. ومجموع الفتاوى لابن تيمية ١./ ٢٤١،
(٢) أخرجه مسلم، ك الذكر، ح (٢٦٨٨) .
(٣) الاستقامة ٢/ ٩٢، وانظر مد ارج السالكين ٢/ ٣١١ – ٣١٣.
[ ٣٨ ]
إشارات صوفية، أو مسالك كلامية.
فعن عائشة ﵂ قالت: " كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يدوم عليه صاحبه " (١) .
" دخل الحسن البصري – ﵀ – المسجد فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون، فأنصت لحديثهم، ثم قال: هؤلاء قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا " (٢".
" وقال الأوزاعي – ﵀ -:عن المؤمن يقول قليلًا ويعمل كثيرًا، وإن المنافق يقول كثيرًا ويعمل قليلًا " (٣) .
" وكان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه وينهون عنه.. ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل " (٤)
" ولما سئل الإمام مالك عن طلب العلم، قال: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي فالزمه " (٥) .
" وتحقيقًا للاشتغال بما هو أنفع كره الإمام احمد بن حنبل – ﵀ – توسعة الكلام في دقائق أعمال القلوب والتي تنقل عن الصحابة والتابعين (٦)
إضافة إلى أن الاشتغال بتلك الدقائق والآفات الخفية ربما أوقع فيما هو أشك منها كما نبه على ذلك الإمام ابن القيم – ﵀ – فقال:
_________________
(١) أخرجه البخاري: ك الرقاق باب القصد والمداومة على العم (٦٤٦٢) .
(٢) حلية الأولياء ٢/ ١٥٧ = باختصار يسير.
(٣) المرجع السابق ٦/ ١٤٢، وسير أعلام النبلاء ٧/١٢٥.
(٤) جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/٩٥.
(٥) حلية الأولياء ٦/٣١٩، وسير أعلام النبلاء ٨ / ٩٦.
(٦) انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢/ ١٣١.
[ ٣٩ ]
"فلا إله إلا الله. كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة، وأن تصل إليه؟
فبين العمل وبين القلب مسافة، وفي تلك المسافة قطاع تمنع وصول العمل إلى القلب ثم بين القلب وبين الرب مسافة، وعليها قطاع تمنع وصول العمل إليه، من كبر وإعجاب، ورؤية العمل، ونسيان المنة، وعلل خفية لو استقصى في طلبها لرأي العجب، ومن رحمة الله تعالى سترها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها، من اليأس والقنوط والاستسحار، وترك العمل، وخمود العزم، وفتور الهمة، ولهذا لما ظهرت " رعاية " (١) ١ أبي عبد الله بن الحارث بن أسد المحاسبي، واشتغل بها العباد، عطلت منهم مساجد كانوا يعمرونها، بالعبادة، والطبيب الحاذق يعلم كيف يطبّ النفوس، فلا يعمر قصرًا ويهدم مصرًا (٢") (٣)
ويقول في موضع آخر:
" وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عن هذه المسألة (تهذيب) الأخلاق وترويضها " وقطع الآفات، والاشتغال بتنقية الطريق وبتنظيفها؟
فقال لي جملة كلام: النفس مثل الباطوس – وهو جبّ القذر – كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه، وتعبره وتجوزه، فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإن لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره.
فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها،
_________________
(١) يعني كتاب (الرعاية لحقوق الله) للحارث المحاسبي.
(٢) مدا رج السالكين ١/ ٤٣٩ = باختصار.
(٣) ومن هذا القبيل ما ذكره الغزالي في «الإحياء» أنه كان يجتاز الإنسان في سكك البصرة عند الصبح،
[ ٤٠ ]
والاشتغال بقتلها انقطع، ول يمنه السفر قط، ولتكن همتك المسير، والإعراض عنها، وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله، ثم امض على سيرك.
فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًا، وأثنى على قائله " (١) .
كما أن الاشتغال بتلك الدقائق ينبغي أن يكون مسبوقًا بما هو آكد فرضًا من فعل الواجبات الظاهرة وترك المحرمات الظاهرة.
ولذا يقول ابن رجب – ﵀:-
" وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورع عن شئ من دقائق الشبه، فإنه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: يسألوني عن دم العوض، وقد قتلوا الحسين " (٢)
_________________
(١) مدا رج السالكين ٢/ ٣١٣، ٣١٤.
(٢) جامع العلوم والحكم ١/٢٨٣.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨/١١٤.
[ ٤١ ]