فيتأدبون مع المصطلحات الشرعية الدينية، ويستمسكون بألفاظها ومعانيها، ويحققون حدودها وتعريفاتها علمًا وعملًا.
وسنتحدث عن هذه المسألة من خلال ما يلي:
أ- أثنى الله على من عرف حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله، وذم من جهلها فقال سبحانه:
﴿الأعرابُ أشد كفرًا ونفاقًا وأجدَرُ أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (التوبة، آية ٩٧) .
_________________
(١) أهل السنة وافقوا تلك النصوص لفظًا ومعنى، وهناك من وافق النصوص في المعنى دون اللفظ كمن يتكل في المعاني كالباطنية، وصنف رابع خالف النصوص لفظًا ومعنى كا لملا حدة والكفار. انظر ك منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان حسن ٢/٦٩٢.
[ ٢٩ ]
يقول ابن القيم:
"معرفة منازل العبودية ومراتبها من تمام معرفة حدود ما انزل الله على رسوله، وقد وصف الله تعالى من لم يعرفها بالجهل والنفاق، فقال تعالى: ﴿الأعرابُ أشد كفرًا ونفاقًا وأجدَرُ أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ (التوبة، آية ٩٧) . فبمعرفة حدودها دراية والقيام بها رعاية، يستكمل العبد الإيمان ويكون من أهل ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (١) .
ويقول أيضًا:
" فمن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود، ولا سيما حدود المشروع المأمور والمنهي، ولا يخرج منها ما هو داخل فيها واعدل الناس من قام بحدود الأخلاق والأعمال والمشروعات معرفة وفعلًا" (٢) ١.
ب – يقرر ابن تيمية الواجب نحو الألفاظ الشرعية فيقول:
" الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه، مثل لفظ الإيمان، والبر، والتقوى والصدق، والعدل، والإحسان والصبر، والشكر، والتوكل، والخوف، والرجاء، والحب لله، والطاعة لله وللرسول، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن، فهذه الأمور التي يحبها الله ورسوله هي الطريق الموصل إلى الله، مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب، والإثم والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك، فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله، وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه، هذا هو طريق الله وسبيله
_________________
(١) مد ارج السالكين ١/١٤٠.- بتصرف يسير.
(٢) الفوائد ص ١٣٣= باختصار يسير.
[ ٣٠ ]
ودينه الصراط المستقيم) (١) .
ويقول أيضاَ: " الألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته، ونفي ما نفاه من المعاني، فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما اخبر، ونطيعه في كل ما أوجب وأمر.. " (٢) .
ج- عن تحقيق معنى الأمور السلوكية، والعلم بحدودها وضوابطها الشرعية هو السبب في تمييز تلك الأمور المشروعة من غيرها.
فكثيرًا ما يشتبه الزهد الشرعي – مثلًا –بالكسل والعجز والبطالة عن الأوامر الشرعية ن وكثيرًا ما تشتبه الرغبة الشرعية بالحرص والطمع والعمل الذي ضلّ سعي صاحبه (٣) .وكثيرًا ما يشتبه التوكل بالإضاعة، فيضيع العبد حظه، طنَّا منه أن ذلك تفويض وتوكل، وإنما هو تضيع (٤) .
د- إن كان ثمت ألفاظ مجملة (٥) في باب الاعتقاد، كالحيز والجوهر والجسم.. الخ، فذلك في باب السلوك توجد ألفاظ مجملة كالتصوف والفناء والفقر ونحوه.
وقد تقرر أن موقف السلف الصالح من الألفاظ المجملة في الاعتقاد هو التفصيل، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا بين ما أثبت بها، فهو ثابت، وما نُفي بها، فهو منفي، فهم ينظرون في مقصود قائلها فإن كان معنى صحيحًا قُبِل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص الشرعية دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة ن مع قرائن تبين المراد والحاجة، مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١١/٢٥.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/١٣٣، ١١٤.
(٣) انظر تفصيل ذلك في مجموع الفتاوى ١. /٦١٧.
(٤) انظر تفصيل ذلك في مدا رج السالكين ٢/١٢٣.
(٥) المقصود بالألفاظ المجملة هي الألفاظ التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة بنفي ولا إثبات.
[ ٣١ ]
المقصود معه إن لم يخاطب بها (١) .
يقول ابن تيمية – موضحًا الموقف الصحيح من هذه الألفاظ:
" وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول اقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره.
ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" (٢) ١.
وإذا كان أهل الكلام أحدثوا ألفاظًا مجملة في السلوك، هذه الألفاظ عمومًا لا تخلو من مخالفات للكتاب والسنة، إضافة إلى ما فيها من التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني، فوعروا – أي المتكلمون والمتصوفة – الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتي بكل لفظ غريب ومعنى أغرب من اللفظ، فإذا وصلت لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا (٣) .
ومع ذلك كله فإن الموقف الصحيح من تلك الألفاظ المجملة في السلوك هو التفصيل، فلا تنفى بإطلاق، كما تثبت بإطلاق، وإنما يستفسر عن مقصود
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية ٣/٣.٧، ٣.٨، ٥/٢٩٩، ٣.٢، وشرح الطحاوية ١/٢٦.، ٢٦١.
(٢) مجموع الفتاوى ١٢/١١٤.
(٣) انظر مدا رج السالكين ٣/٤٣٧.، وشرح الطحاوية ١/٢٣٨.
[ ٣٢ ]
قائلها، فإن قصد معنى صحيحًا قُبل مع مراعاة التعبير عنه بألفاظ النصوص الشرعية، وإن قصد معنى فاسدًا ردَّ. وإليك أقوال بعض الأئمة في هذه المسألة:
يقول ابن تيمية: " لفظ الفقر (١) والتصوف قد أُدخل فيها أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها وإن سميت فقرًا أو تصوفًا، لأن الكتاب والسنة إذا دلّ على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر، كما يدخل في ذلك أعمال القلوب كالتوبة والصبر والشكر والرضا..، وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله ن كما يدخل فيه بعضهم نوعًا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعًا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام..
فهذا وأمثاله من البدع والضلالات يوجد في المنتسبين إلى طريق الفقر كما يوجد في المنتسبين إلى العلم أنواع من البدع في الاعتقاد والكلام المخالف للكتاب والسنة والتقيد بألفاظ واصطلاحات لا أصل لها في الشريعة
والمؤمن الكيس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة وأطاعوا فيه الله ورسوله، ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة ن أو عصوا فيه الله ورسوله.. " (٢) .
ويقول ابن القيم: " أعلم أن في لسان القوم (٣١) من الاستعارات، وإطلاق العام وإرادة الخاص، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم، ولهذا يقولون نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة، وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد، ويريدون بها معنى لا فساد فيه،
_________________
(١) الفقر – في الكتاب والسنة – ما يقابل الغنى، والمراد به هاهنا الزهد والتصوف. انظر: مجموع الفتاوى ١١ / ٢.، ٢١، ٢٧، ومد ارج السالكين ٢/ ٤٣٨
(٢) مجموع الفتاوى ١١/٢٨، ٢٩ –باختصار.
(٣) يعني أرباب السلوك والإدارة والتصوف.
[ ٣٣ ]
وصار هذا سببًا لفتنة طائفتين تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم، فبدعوهم وضللوهم، وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم، فصوبوا تلك العبارات، وصححوا تلك الإشارات، فطالب الحق يقبله ممن كان، ويرد ما خلفه على من كان " (١) .
ويقول الشاطبي: " وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم.
ولفظ التصوف لابد من شرحه أولًا، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم، لأنه أمر مجمل عند هؤلاء المتأخرين " (٢) .
ثم ذكر – ﵀ - المعاني الصحيحة والفاسدة للتصوف (٣) (٤) .
_________________
(١) مدا رج السالكين ٣/٣٣.، ٣٣١ – باختصار يسير، انظر ٣/١١٧، ١٥١، ٣١٦، ٣٧٧، ٣٧٨، وعدة الصابرين ص ١٥١، ومفتاح دار السعادة ١/١٤١.
(٢) الاعتصام ١/ ٢٦٥.
(٣) انظر الاعتصام ١/٢٦٥-٢٦٩.
(٤) مما تجدر الإشارة إليه أن بعض الأئمة أنكروا الألفاظ المجملة سواء في الاعتقاد أو السلوك كالذهبي – ﵀ (انظر سير أعلام النبلاء ٦/٨٦، ٢./٨٥، ٨٦ ومختصر العلو ص١٧٩)، بل إن الذهبي أنكر بعض الألفاظ التي استعملها السلف الصالح من باب التوضيح والرد على المخالف مثل: (بذاته) و(حقيقة) (انظر كتاب مختصر العلو للذهبي ص ١٨، ١٩، ص ٢٦٣، ٢٦.، وانظر معجم المناهي اللفظية لبكر أبي زيد ص ١٧٩. ٢٥٨) .
[ ٣٤ ]