خُطَبْ وَحِكَم وَأَحْكَام وَقَوَاعِدْ وَمَواعِظْ وَآدَابْ وَأَخْلَاق حِسَان
تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ
عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ
المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض
سابقًا
[ ١ / ١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
(فائدة عظيمة النفع لمن وفقه الله)
ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله، وفهمه معناها، ووفقه للعمل بمقتضاها، والدعوة إليها.
أشرف الأشياء قلبك ووقتك فإذا اهملت قلبك وضيعت وقتك، فما بقي معك؟ كل الفوائد ذهبت فانتبه لنفسك.
(فصل)
فائدة
وقف قوم على عالم فقالوا إنا سائلوك أفمجيبنا أنت قال: سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية، ثم قال: الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، فإن الفرص تمر مر السحاب، والتواني من أخلاق الكسالى والخوالف، ومن استوطن مركب العجز عثر به، وتزوج التواني بالكسل فولد بينهما الخسران اهـ
قال بعضهم: شعرا:
تَزَوَجَتَ البَطَالَةُ بالتَّوَانِي … فأَوْلَدَهَا غُلامًا مَعْ غُلامَهْ
فأَمَّا الإِبْنُ سَمَّوْهُ بفَقْرٍ … وأمَّا البنْتُ سَمَّوهَا نَدَمَه
آخر:
الذِّكر أَصْدَقُ قَوْلٍ فَافْهَمْ الْخَبَرَا … لأَنَّهُ قَوْلٌ مِن قَدْ أَنشأ البشرا
فاعمل به إن ترد فهما ومعرفة … ياذا النهي كي تنال العز والفخرا
وتحمد الله في يوم المعاد إذا … جاء الحساب وعم الخوف وانتشرا
لله در رجال عاملين به … فيما يدق وما قد جل واشتهرا
[ ١ / ٢ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
ملاحظة: لا يسمح لأي إنسان أن يختصره أو يتعرض له بما يسمونه تحقيقا لأن الاختصار سبب لتعطيل الأصل والتحقيق أرى أنه اتهام للمؤلف، ولا يطبع إلا وقفا لله تعالى على من ينتفع به من المسلمين.
فوائد عظيمة النفع جدا لبعض العلماء رحمهم الله تعالى:
(١) الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما أعمالا صالحة تربح وتحمد العاقبة الحميدة إن شاء الله تعالى.
(٢) الملائكة يكتبان ما تلفظظ به فاحرص على أن لا تنطق إلا بما يسرك يوم القيامة من ذكر الله وما والاه.
(٣) اعلم أن قصر الأمل عليه مدار عظيم وحصن قصر الأمل ذكر الموت، وحصن حصنه ذكر فجأة الموت وأخذ الإنسان على غرة وغفلة وهو في غرر وفتور عن العمل للآخرة، فاحفظ هذه الفوائد واعمل بها تفلح وتربح إن شاء الله.
ومن أراد طباعته ابتغاء وجه الله تعالى لا يريد به عرضًا من الدنيا، فقد أُذن له في ذلك وجزى الله خيرًا من طبعه وقفًا لله، أو أعان على طبعه، أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه المسلمين، فقد ورد عنه - ﷺ - أنه قال:
«إن الله يدخل في السهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به، ومنبله» الحديث، رواه أبو داود.
وورد عنه - ﷺ - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» الحديث رواه مسلم.
وعن زيد بن خالد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من جهز غازيا في
[ ١ / ٣ ]
سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» متفق عليه.
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن سبيل بناه أو نهرا أجراه او صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» رواه ابن ماجه وابن خزيمة.
ورواه البزار من حديث أنس إلا أنه قال: «سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره من علم علما أو كرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» .
[ ١ / ٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار مقدر الأقدار ومصرف الأمور على ما يشاء ويختار ومكور الليل على النهار.
الواحد الأحد الفرد العليم الحكيم الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار ووفق من اختار من عبيده فجعله من الأبرار.
وبصر من أحبه من خلقه للحقائق فزهدوا في هذا الدار فاجتهدوا في مرضاته والتأهب لدار القرار.
وبعد فإني لما نظرت في غفلتي عن اكتساب الزاد المبلغ ليوم المعاد ورأيت أوقاتي قد ضاعت فيما لا ينفعني في معادي ورأيت استعصاء نفسي عما يؤنسني في رمسي لا سيما والشيطان والدنيا والهوى معها ظهير.
فعزمت إن شاء الله تعالى على أن أجمع في هذا الكتاب ما تيسر من المواعظ والنصائح والخطب والحكم والأحكام والفوائد والقواعد والآداب وفضائل الأخلاق المستمدة من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء الأوائل والأواخر المستمد منهما ما أرجو من الله العلي أن يستغني به الواعظ والخطيب والمرشد وغيرهم راجيا من الله الحي القيوم ذي الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد القوي العزيز الرءوف الرحيم اللطيف الخبير أن ينفع به وأن يأجر من يطبعه وقفا لله تعالى أو يعين على طباعته أو يتسبب لها وسميته «مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار»
عبد العزيز بن محمد بن سلمان
[ ١ / ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] . وقال ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] الآية. وقال ﵎: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وقال جل وعلا: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] الآيات. وقال جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزمر: ٤٨] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾
[ ١ / ٦ ]
[سبأ: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] .
وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين﴾ . وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] . وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .
[ ١ / ٧ ]
الأحاديث
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . متفق عليه، وعن ابن عمر قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر ﵄ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك» . رواه البخاري، وقال - ﷺ -: «أكثروا ذكر هادم اللذات، يعني الموت» رواه الترمذي. وقال حديث حسن، وقال - ﷺ -: «بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًان أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» . رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعله يزداد وإما مسيئًا فلعله يستعتب» متفق عليه. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلًا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» . متفق عليه.