إخواني أين رُفقاؤنا وإخواننا أين ذهب معارفنا وجيراننا أين أصدقاؤنا أين زُملاؤنا وأقراننا أين عُلماؤنا العاملون بعلمهم أين آباؤنا وأجدادنا رحلوا وقلَّ والله بعدهم بقاؤنا هذه مساكنهم فيها غيرهم قد نسيناهم ونسيهم مُحبهم وجفاهم. أين أصحاب القصور الحصينة، والأنساب العالية الرصينة والعقول الراجحة الرزينة، قبضت عليهم يدُ المنايا فظفرت، ونُقلوا إلى أجداث ما مُهدت إذ حُفرت ورحلوا بذنوبٍ لا يدرون هل غُفرت أو بقيت فالصحيح منهم بالحزن قد سقم والمدعو إلى دار البلى أسرع ولم يقم والكتاب قد سطر بالذنوب فرُّقِم، ولذيذ عيشهم بالتنغيص قد ختم وفراقهم لأحبابهم وأموالهم قد حُتم والولد قد ذل ويُتم، فتفكروا في القوم كيف رحلوا، وتذكروا ديارهم أين نزلوا، واسألوا منازلهم عنهم ماذا فعلوا فانتبه من رقادك قبل أن تصل ما وصلوا يا من غفل وسهى ولهى ونسي المقابر والبلى.
٦٦ - موعظة
عباد الله إن التوبة من الذنوب مفتاح السعادة في هذه الدار وفي دار القرار، وإنما كانت التوبة كذلك لأن بها يغفر الله الذنوب جميعًا لا فرق بين صغارها والكبار ولأن التائب إذا صحت توبته بأن اجتمعت شروطها وانتفت
[ ١ / ٣٧٢ ]
الموانع يصبح بالتوبة أمينًا على دينه لا يُخل بواجب من واجبات الإسلام فتوبوا عباد الله توبةً نصوحًا لتستنير قلوبكم وأبدانكم بدل ظلمات كانت مُخيمة عليها تُثقلكم عن طاعة مولاكم وستجدون بإذن الله انشراحًا في صدوركم بدل انقباضها وضيقها فإن الذنوب تؤثر على القلوب والأبدان انقباضًا يشتد على المُصِرِّ على الذنوب حتى يضيق به فسيح الأرجاء ولك أيها التائب العامل بالطاعات الأمل القوي بتوالي الطاعات لأن الخيرات تُنتج بإذن الله بعضها بعضًا ولك الأمل القوي بأن تنقاد لك الأرزاق بعد أن كانت مُمتنعة فتُصبح في يُسر بعد أن كنت في إعسار ولك الأمل في أن العداوات التي كانت بينك وبين الخلق تُصبح بإذن الله حبًا يلفت الأنظار ذلك أن الذنوب والمعاصي هي أسباب الشرور والعقوبات المؤلمات وأن المرء بالتوبة منها يُرضي بديع الأرض والسموات فتأكد أيها الأخ أن التوبة هي الينبوع الفياض لكل خير في الدنيا والآخرة فلا تشك في أن الله تعالى يُفيض من فضله وجوده ما يُفيض على من أخلص العمل لجلاله فتُب أيها الأخ واصدق في التوبة واسأله أن يُبلغك بها رضوانه وأن يجعلك من حزبه المُفلحين الذين: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فتعيش وتموت وتُبعث في رعاية ربك ولُطفه وغيرك ممن لم يتوبوا في إهانته البالغة يتقلبون فعليك بالاعتماد على الله والتوكل عليه واللجاء إليه دائمًا مُتضرعًا مُتملقًا.
اللهم اعمر قلوبنا وألسنتنا بذكرك وشكرك ووفقنا للامتثال لأمرك وأمِّنا من سطوتك ومكرك واجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١ / ٣٧٣ ]